Yusuf al-Qaradawi, an Egyptian Islamic scholar associated with the Muslim Brotherhood, waves to the crowd during Friday prayers…
يقف على رأس الأصوات التي تعبر عن مواقف الإسلام السياسي، الأب الروحي لجماعة الإخوان المسلمين في الوقت الراهن، الدكتور يوسف القرضاوي

قلت في المقال السابق إن من أكبر المآزق التي يقع فيها تيار الإسلام السياسي هي محاولته إقحام الشأن الديني في الأمر السياسي بطريقة تدخله في تناقضات مكشوفة. ولما كان هذا التيار يستند في مشروعيته السياسية على الدين، فإن مثل هذا التناقض يؤثر سلبا على الدين في جوهره الذي يتسامى على صراعات السياسة المرتبطة بالمصالح الدنيوية المتغيرة على الدوام.

من ضمن القضايا التي ظل تيار الإسلام السياسي، وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين، يعمل على صبغها بصبغة الدين تبرز قضية الاستعانة بالآخر في حسم النزاعات السياسية التي تنشب بين المسلمين داخل الدولة الواحدة أو بين أكثر من دولة مسلمة، والآخر المعني هنا هو غير المسلم.

في هذا الإطار ظل خطاب التعبئة الداخلية داخل تيار الإسلام السياسي يقوم على فكرة الاصطفاف لمواجهة العدو الذي يتربص بالإسلام. في ظل الحرب الباردة تجسد هذا العدو في الاتحاد السوفياتي وأضحى بعد ذلك متمثلا في الغرب المسيحي إجمالا وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية.

في ضوء هذه الخلفية شرع تيار الإسلام السياسي في توزيع صكوك الكفر على دعاة الاستعانة بالآخر، مع أن الموقف من الاستعانة بالأجنبي في أصله موقف تمليه المصالح ويخضع بالدرجة الأولى للمعايير والتقديرات السياسية وليس للعقيدة الدينية وبالتالي فإنه يلزم عدم تصنيف من يسانده أو يرفضه وفقا لثنائية (مسلم/ كافر).

تناقض موقف القرضاوي من قضية التدخل الأجنبي تبدَّى جليا في رأيه حول ثورة البحرين التي نفى أن تكون ثورة شعب وقال إنها حركة طائفية

يقف على رأس الأصوات التي تعبر عن مواقف الإسلام السياسي، الأب الروحي لجماعة الإخوان المسلمين في الوقت الراهن، الدكتور يوسف القرضاوي، الذي كشفت ثورات الربيع العربي ومن قبل ذلك حرب الخليج الأولى تناقض مواقفه ومواقف التيار الذي يعبر عنه حيال التدخلات الأجنبية في الدول العربية والإسلامية.

في إحدى خطب الجمعة التي ألقاها بمسجد عمر بن الخطاب بالعاصمة القطرية قبل عدة سنوات، تقدم القرضاوي بالشكر لأميركا على دعمها للمعارضة السورية، وقال "نشكر الولايات المتحدة الأميركية على تقديمها السلاح للمقاتلين بقيمة 60 مليون دولار، ونطلب المزيد".

الحديث أعلاه يمكن أن يُفهم ببساطة شديدة في دنيا السياسة التي تتشابك فيها مصالح الدول والجماعات ولا يوجد فيها عداء ينبني على العقيدة الدينية، ولكن يتعذر فهمه عندما يصدر من رمز لتيار ديني يرى في أميركا العدو الأكبر للإسلام ويقوم خطابه على تخوين كل من لا ينتمي لتيار الإسلام السياسي ويسعى لتوفير سند دولي لقضية سياسية شبيهة بما يجري في سوريا الآن.

لم يكتف القرضاوي بشكر أميركا بل طالبها صراحة بالتدخل العسكري لإسقاط النظام السوري، وقال: "لماذا لم تفعل أميركا مثلما فعلت في ليبيا؟ على أميركا أن تدافع عن السوريين وأن تقف وقفة رجولة، ووقفة لله، وللخير والحق".

يا للهول... الشيخ القرضاوي يطلب من أميركا أن تقف وقفة لله! أميركا التي ينعتها أهل الإسلام السياسي بالشيطان الأكبر مطلوب منها أن تقف وقفة لله لمجرد أن الإخوان المسلمين يدعمون معارضة الأسد.

لا يساورني أدنى شك في أن أهل الإسلام السياسي إذا كانوا يحكمون سوريا وهب في وجههم الشعب في ثورة شبيهة بما يحدث مع نظام الأسد لأصدر الشيخ القرضاوى فتوى بتكفير كل من يستعين بـ "الأميركيين الصليبيين" وإباحة دم كل من يشارك في إسقاط النظام.

الشيخ القرضاوي يطلب في الحديث أعلاه من أميركا أن تفعل مثلما فعلت في ليبيا، والذي فعلته أميركا في ليبيا هو تحريك قوات الناتو لضرب الآلة العسكرية لنظام العقيد القذافي وهو العمل الحاسم الذي لولاه ما سقط نظام القذافي.

في تصريحات لصحيفة " فاينانشيال تايمز"، نادى القرضاوي صراحة بتدخل حلف الناتو في سوريا لإيقاف المذابح وبرر مطالبته بالقول إن الدول العربية "عاجزة عن التدخل حتى الآن".

هذا الموقف يناقض موقف الإخوان المسلمين من دخول صدام حسين للكويت، حينها كانت الجماعة تعتقد أن جيش العراق لن يخرج من الكويت مطلقا وأن الفرصة باتت متاحة أمامها لوراثة الأنظمة العربية المتهالكة، لذا أخرجت أعضاءها للتظاهر في شوارع الخرطوم وعمان وصنعاء وغيرها من العواصم منددة بالتحالف الأممي ومطالبة بترك أمر إخراج الجيش العراقي للدول العربية، ولو حدث لظلت الكويت محتلة حتى اليوم.

غير أن تناقض موقف القرضاوي من قضية التدخل الأجنبي تبدَّى جليا في رأيه حول ثورة البحرين التي نفى أن تكون ثورة شعب وقال إنها حركة طائفية ووصف الدعوات البحرينية المطالبة بتدخل العالم بأنها "استقواء بالخارج!".

ظل خطاب التعبئة الداخلية داخل تيار الإسلام السياسي يقوم على فكرة الاصطفاف لمواجهة العدو الذي يتربص بالإسلام

من سخرية الأقدار أن الرد على ادعاء القرضاوي لم يأت من تيارات أخرى يتهمونها بمعاداة الإسلام بل جاء من ابنه عبد الرحمن يوسف القرضاوي الذي كتب حينها مقالا تحت عنوان "يحدث في البحرين" قال فيه:

"يحلو لبعض الناس الآن أن يختلفوا حول ما يجرى في البحرين، فبعضهم يقول ثورة البحرين ويراها جزءا من الربيع العربي، وبعضهم يبالغ في تشويه ما يحدث حتى يُصور ما يجري كأنه حركة طائفية عنصرية هدفها الفتنة بتمويل من الخارج". ثم عرض عبد الرحمن القرضاوي رأيه في ما جرى بالبحرين قائلا:

"في رأيي أن ما يحدث في البحرين ظلم بيّن، سواء سميناه ثورة أم لم نسمه، المهم أن هناك مطالبات عادلة، رفعت على مدار سنوات وسنوات ولم يستجب أحد، وهي الآن تتحرك في الشارع بشكل سلمي تماما، وقد ووجهت هذه المطالبات العادلة بعنف وقمع شديدين، حيث أن السلطات في المملكة البحرينية تستخدم كل أشكال القمع ضد كل من يطالب بالمساواة بين المواطنين، واستعانت في ذلك بدول الخليج العربي بتفعيل بعض الاتفاقيات الخاصة بالدفاع المشترك".

اختتم عبد الرحمن القرضاوي مقالته حول ما يحدث في البحرين بعبارة في غاية البلاغة، لا يُراودني شك أنه أراد أن يرد بها على والده الذي رفض تسمية ما يجري في البحرين بالثورة، قائلا "ليس مهما وصف ما يحدث في البحرين بأنه ثورة، المهم أنه ظلم بيّن يندى له جبين الإنسانية".

من الجلي أن الشيخ القرضاوي يوظف المشروعية الدينية لخدمة مصلحة سياسية معينة تخص جماعته أو مذهبه، ويسحب تلك المشروعية عن رؤى سياسية أخرى لا تتفق مع تلك المصلحة ولو كان الأمر مقتصرا على الاختلاف السياسي لكان ذلك مقبولا ولكن الخطورة تكمن في تخوين وتكفير أصحاب الرؤى المخالفة.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.