A demonstrator wearing a protective face mask holds flags during a protest against Israel's planned annexation of parts of the…
تظاهرة مؤيدة للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في تل أبيب

ثمة خطاب جديد قديم يعاد إحياؤه في أوساط "الممانعة": إسرائيل إلى زوال. لن يحتاج المحور، والذي فرّط بحاضر مواطنيه ومستقبلهم، وقبل كل هذا بماضيهم، فداءً لـ "القضية المركزية"، أن يستعمل السلاح الذي كدّسه في المواجهة الحاسمة مع إسرائيل والتي تكرر وعده بأنها حاصلة لا محالة. بل إسرائيل من تلقاء نفسها، نتيجة للهلع الناجم عند التبديل المفترض لموازين القوى سوف تزول وتتبدد، فيما المقاومة على ما يبدو تسير من إنجاز إلى آخر.

كل هذا طبعا في عالم أوهام لا جدوى من السعي إلى تبديدها. عالم يتمسك بأسلوب ثابت في تلقي الخبر، أي خبر، وقراءته بما ينسجم مع النتيجة المقرّرة سلفا. هل امتنعت إسرائيل عن الهجوم؟ محور المقاومة ردعها وفضح عجزها. هل أقدمت إسرائيل على الهجوم؟ محور المقاومة أربكها وكشف خوفها وتخبطها. هل أنهك الوباء إسرائيل؟ دليل آخر على فشلها واقتراب نهايتها. هل نجحت إسرائيل في احتواء الوباء وتطويقه؟ دليل آخر على تورطها بتفّشيه.

هي مقدمة لا بد منها لتأطير موقف شجاع، من عمق الفكر التقدمي اليهودي، ووضع هذا الموقف في سياقه الإنساني المبدئي، قبل أن يتلقفه منطق محور المقاومة، ويسبر أغواره بنظره الثاقب ليكشف أنه ليس إلا إشعارا آخر بالانهيار التام القادم للمشروع الصهيوني.

بيتر باينارت مفكر وكاتب يهودي أميركي، صهيوني في اعتزازه بدولة إسرائيل وسعيه لتحقيق الخير والرقي لها، إنساني في إصراره ألا يكون هذا الخير والرقي على حساب الفلسطينيين، والتفريط بحقوقهم غير القابلة للتصرف. على مدى الأعوام، كانت دعوة باينارت المستمرة الدفاع عن حلّ الدولتين كالسبيل الأوحد الذي من شأنه أن يبقي إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية من جهة، ويقرّ للفلسطينيين بحقّهم بالأرض والسيادة فيما يرفع إثم الاحتلال عن الضمير اليهودي.

يحتفظ باينارت بصهيونيته، أي التفاته إلى مصلحة الجماعة اليهودية وتعاطفه مع الإبقاء على الوجه اليهودي للدولة الموحّدة من خلال التذكير بأن الصهيونية لم تبتدئ سعيا إلى إقامة دولة يهودية، بل إلى تأمين وطن يهودي

قد يكون من الصعب استساغة هذه الإشكالية في محيط عربي أفرط حتى الثمالة في تصوير اليهود على أنهم قتلة الأنبياء وأحفاد القردة والخنازير، وصولا لدى البعض إلى من جعل منهم تجسيدا للشر على مدى التاريخ، وأعاد منهجة كتابه ودينه ليصبح قتالهم أمرا إلهيا.

واقع الحال هو أن الفكر اليهودي قد تفاعل بدوره مع الحداثة، ورأى فيها أصداءً من قيمه وسبيلا إلى تشذيبها وتعميمها. وفي حين بقيت أوساط دينية عديدة على انطوائيتها وقراءتها التي تعتبر الجماعة اليهودية أمة الرب المختارة، فإن جلّ المفكرين اليهود، من المتدينين والعلمانيين، أعادوا تأويل الاختيارية على أنها مهمة مناطة بجماعتهم، لا مجرد امتياز. الأمة اليهودية هي بالتالي "نور للأمم"، ليس بطاعتها لفروض الناموس وحسب، بل بالتزامها الإقدامي بالعمل لتحقيق الخير للإنسانية.

يمكن التنبيه إلى أن هذا التصوير المعاصر للدور اليهودي يحافظ على الاختيارية الإلهية الغيبية، وإن بقميص حداثي يريد الموضوعية. ويمكن طبعا الإشارة إلى أن المجتمعات اليهودية لا ترتقي البتة إلى درجة الملائكية التي تريدها لها هذه القراءة، بل هي ككل المجتمعات البشرية تتألف من أفراد يسعون أولا إلى تأمين مصلحتهم الشخصية ثم الجماعية. غير أنه ما لا يمكن إنكاره هو أن مساهمة مجموع المواطنين اليهود، في مختلف الدول الغربية، في دعم القضايا التقدمية والخيرية، مرتفعة جدا بالقياس إلى عددهم.

ورغم هذا الاندفاع، يبقى التناقض الصارخ بين الموقف المعياري اليهودي، على حساسيته وإنسانيته، خارج الشأن الفلسطيني، وواقع الظلم اللاحق بالفلسطينيين والتغاضي عنه أو حتى تبريره بإلقاء اللوم على الضحية.

بيتر باينارت ليس من هؤلاء. هو لم يبرئ إسرائيل يوما، ولم يقبل بما ترتكبه من ظلم بحجة أن الفلسطينيين هم الذين يضيّعون الفرص، وأن خطابهم قاتل، وأن مناهجهم الدراسية موبوءة، وأن اعتداءاتهم تبين أنه لا سبيل للتعايش معهم. بل أصرّ على فهم كل هذا على أنه وليد القهر والاحتلال، وإن اكتسب زخما لذاته، وإن استغله العقائديون.

ولكنه ليس واحدا من مجموعة غير ضئيلة من المفكرين اليهود والإسرائيليين، والذين رسوا عند القناعة بأن المشروع الصهيوني مأزوم أخلاقيا منذ نشأته. فالإشكالية لدى هؤلاء هي كيفية الإقرار بالخطأ والتخلي عن الصهيونية. أما لدى باينارت، فالمسألة كانت ولا تزال كيفية المحافظة على الجوهر الأخلاقي للصهيونية، وهي التي حققت ملاذا لشعب عانى من أشنع أصناف الاضطهاد على مدى القرنين الماضيين على أقل تقدير، مع التصدي لجنوح الممارسة باتجاه تجاهل حقوق الفلسطينيين أو تجاوزها.

باينارت ليس وحيدا. قد يعجز معظم الخطاب السياسي العربي عن فصل مصطلحات "اليهودية" و "الصهيونية" و "إسرائيل" عن أوصاف "الأطماع" و "العدوان" و "الظلم"، وقد تفور دماء العديدين في المحيط العربي، عن جدارة، لما يطال الإنسان الفلسطيني من اضطهاد. غير أن الشق الذي يتجاهله الموقف العربي، بالإضافة إلى انتقائيته التي تطعن في صدقيته، هو أن مسعى التجانس المعنوي والتوفيق بين المصلحة والقيم هو أمر قائم ومستمر في مختلف الأوساط اليهودية والإسرائيلية، يمينها ويسارها، محافظيها وتقدمييها.

وهنا تكمن أهمية الموقف الجديد لبيتر باينارت. ففي صحيفة "نيويورك تايمز" ثم في مجلة "جويش كارنتز"، أعلن باينارت توصله إلى قناعة أن صيغة الدولتين، والتي كان من الذين سعوا صادقين إلى تحقيقها، لم تعد مجدية، وأن الظروف الموضوعية أصبحت تقتضي على الصهيونيين التقدميين الانتقال من السعي إلى تحقيق الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إلى  بذل الجهود للتوصّل إلى المساواة بين اليهود والفلسطينيين ضمن الدولة الواحدة القائمة للتوّ، والتي لا تنتفي بفعل الإنكار والتعمية من خلال توزيع الفلسطينيين على أطر سياسية متعددة (إسرائيل داخل الخط الأخضر، القدس، السلطة الفلسطينية في الضفة، حماس في القطاع).

لا ينطلق باينارت في إشهاره لموقفه من توقع إمكانية تحققه، بل هو يلحظ بأن الخيار المضمر لمعظم الإسرائيليين، كما يتبدى من الأفعال لا الأقوال، هو المحافظة على واقع التمييز المجحف بحق الفلسطينيين، ولكنه يشير إلى أن الطرحين، حل الدولتين بمختلف صيغه وصولا إلى الصيغة المتآكلة التي أنتجتها جهود الإدارة الأميركية الحالية، كما حل الدولة الواحدة والذي أعلن انتقاله إليه، متساويين بافتقادهما للواقعية وفي حظوظهما المرتقبة للتنفيذ. فالسؤال، من وجهة نظره هو أي من هذين الحلين من شأنه عند الطرح أن يدفع باتجاه نقاش للخروج من مأزق الأمر الواقع، بما يشكله من استمرار للظلم ومن تناقض مع القيم التي يريدها الصهيونيون التقدميون لإسرائيل.

يحتفظ باينارت بصهيونيته، أي التفاته إلى مصلحة الجماعة اليهودية وتعاطفه مع الإبقاء على الوجه اليهودي للدولة الموحّدة من خلال التذكير بأن الصهيونية لم تبتدئ سعيا إلى إقامة دولة يهودية، بل إلى تأمين وطن يهودي. فالدولة الواحدة قادرة أن تكون وطنا يهوديا ووطنا فلسطينيا في آن واحد، ولا تعارض من حيث المبدأ بين الدولة الملاذ ليهود العالم وبين حق العودة للفلسطينيين.

بيتر باينارت مفكر وكاتب يهودي أميركي، صهيوني في اعتزازه بدولة إسرائيل وسعيه لتحقيق الخير والرقي لها، إنساني في إصراره ألا يكون هذا الخير والرقي على حساب الفلسطينيين، والتفريط بحقوقهم غير القابلة للتصرف

ردود الفعل السلبية الكثيرة على إعلان باينارت، من جانب المحافظين وبعض التقدميين من الصهيونيين تكشف بالفعل عن أنه قد نكأ جرحا معنويا في الفكر اليهودي والصهيوني. يجمع هذا الفكر، في الموضوع الفلسطيني، توجهات عدة.

عند أقصى اليمين يقبع التوجه الديني المتشدد، المتماهي إلى حد التطابق مع العديد من قراءات الإسلاميين، إذ يربط بين الحق الذاتي والمشيئة الإلهية ولا يرى حرجا في إسقاط حق الآخر، بل لا يقرّ به ابتداءً. ثم اليمين القومي الصهيوني، والذي يرضى للآخر بقدر محدود من الاعتبار، من باب المنحة، بعد استكمال المصلحة الذاتية. وهو بدوره قرين التوجهات القومية في المحيط العربي، العروبية القديمة وما بعد العربية.

على أن الفضاء الأوسع في الساحة الفكرية الصهيونية هو الذي يزعم، صادقا أو مدلسا، أن التناقض العملي بين الصهيونية المطبقة والقيم العالمية يعود إلى أن الآخر، الفلسطيني، العربي، المسلم، رافض لهذه القيم، ولا بد لإسرائيل من موقف وقائي.

باينارت يقول بأن هذا الرفض ليس أصليا، بل هو وليد غياب السبيل إلى تحقيق الحرية والكرامة والمساواة. ودعوته هي تحدٍ للفكر اليهودي عامة والصهيوني خاصة إلى إيجاد هذا السبيل.

صوت باينارت، ومن يوافقه الرأي، جدير بالإصغاء إليه. قد يرى فيه البعض، من أصحاب الطموح بإلغاء إسرائيل، مدخلا للتفتيت ويعيد تدويره للتأكيد على صواب قراءته حول فساد مفهوم الدولة اليهودية، بل قد يجري تسويقه للتوّ على أنه دليل انتصار آخر من انتصارات "محور المقاومة".

ولكنه كذلك، في إثارته لمقولة الدولة البعيدة عن العقائدية واللون الواحد، ولمن يسعى جادا إلى مستقبل صلح وصلاح للجميع في هذه المنطقة، من شأنه أن يعيد مدّ جسور فكرية ومعنوية وحقوقية، بعد أن كاد التواصل بين إسرائيل والمحيط العربي يقتصر من جانب على مشترك سلبي في العداء لإيران، ومن جانب آخر على وهم حرب وجودية طحن مستقبل من أرغم على احتضانه.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.