FILE PHOTO: People visit the Hagia Sophia or Ayasofya, a UNESCO World Heritage Site which was a Byzantine cathedral before it…
متحف أيا صوفيا قبل تحويله إلى مسجد

بعد محاولات استمرّت لأكثر من خمسة عشر عاما نجح الإسلاميون في استصدار حكم من إحدى المحاكم التركية اعتبر تحويل آيا صوفيا إلى متحف عام 1934 غير قانوني بما يعني عودتها كمسجد. لا ينكر هؤلاء الإسلاميون حقيقة أن آيا صوفيا كانت كنيسة بناها الإمبراطور جستنيان عام 532 وكانت أكبر كاتدرائية في العالم وأحد أعظم الصروح المعمارية البيزنطية، وأن عبارة "هاغيا صوفيا" يونانية، وتعني الحكمة المقدسة وأطلقها الإمبراطور على هذه التحفة المعمارية بسبب شدة إعجابه بها، وأن هذا البناء استمر كاتدرائية أرثوذكسية شرقية أكثر من تسعة قرون حتى عام 1453.

وتقول المراجع التاريخية إن السلطان محمد الفاتح عندما سيطرت قواته على القسطنطينية قد استولى على الكاتدرائية بصفته الحاكم فأصبحت من أملاكه الخاصة، وعندما قام برفع الأذان فيها كان هذا إعلانا بأنه قد حوّلها إلى مسجد، ولا يوجد ما يثبت تاريخيا ادعاءات البعض بأن محمد الفاتح اشترى الكاتدرائية من أمواله الخاصة، "فالفاتحون" الذين استباحوا القسطنطينية لثلاثة أيام لا يحتاجون حسب أعراف ذلك الزمان إلى معاملات بيع وشراء، ووثيقة الطابو المتداولة حول ملكيته للكاتدرائية صادرة عام 1936 بعد تحويل آيا صوفيا إلى متحف، أي أن قرار المحكمة التركية الصادر في عام 2020 استندت على شرائع وأعراف كانت سائدة عام 1453 والتي كانت تسمح بالاستيلاء على أملاك الآخرين بالقوة.

استنكرت الكثير من دول العالم والهيئات الدولية هذا القرار، وأعلن البابا فرنسيس عن حزنه "أفكر بالقديسة صوفيا والألم يعتصرني"، واعتبرت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية هذه الخطوة بمثابة عودة إلى العصور الوسطى، وقال البطريرك بارثلوميو الزعيم الروحي للأرثوذكس ومقره إسطنبول إن تحويل المتحف لمسجد سيتسبب في صدع بين الشرق والغرب، وأعربت الخارجية الأميركية والحكومة الفرنسية عن خيبة أملهما من القرار التركي، وقالت منظمة اليونسكو بأنها تشعر بالأسف، لأن آيا صوفيا مصنفة من مواقع التراث الإنساني.

لا يمكن فهم إصرار المنظمات الإسلامية على تحويل آيا صوفيا إلى مسجد إلا بأنها تعتبر الكنائس مراكز للكفر موجودة في بلاد الإسلام

وكان مجلس الدولة التركي قد سمح في العام الماضي بتحويل كنيسة شورا البيزنطية في إسطنبول إلى مسجد وهي أصغر من آيا صوفيا ولكنها لا تقل عنها جمالا، بما يعني أن اسطنبول في طريقها لتكون مدينة اللون الواحد مثل مدن الجمهورية الإسلامية في إيران.

لن يحقق هذا التوجه أي فائدة للشعب التركي، لأنه سيهدد قطاع السياحة الذي أدخل للخزينة 29.5 مليار دولار عام 2018، وبحسب هيئة الإحصاء التركية فعدد السياح الذين زاروا تركيا عام 2019 تجاوز حاجز 50 مليون سائح أغلبهم من أوروبا، بينما كان دخل السياحة في إيران الإسلامية ملياري دولار فقط والتي تقتصر على السياحة الدينية، وأهم ما يجذب السياح إلى تركيا أنها تبدو كجسر بين الشرق والغرب بفضل معالمها التاريخية التي تمثل حضارات متعددة، حيث تجتمع الكنائس والمساجد والمعابد في سلام وهذا ما يعمل الإسلاميون على القضاء عليه.

كما أن الخطوة التركية ستخلق توترا في العلاقة مع روسيا التي تعتبر نفسها حامية الأرثوذكس في العالم، وستشكّل علاقتها المتينة مع الحكومة التركية إحراجا لها، ابتداءً من سيل الغاز إلى صواريخ إس 400 إلى التنسيق العالي بينهما في قضايا الشرق الأوسط، بالإضافة إلى حجم التبادل التجاري الكبير بينهما وهو 26 مليار دولار ويخططان لرفعه حتى 100 مليار، وكذلك زيارة سبعة ملايين روسي لتركيا سنويا، وحتى لو منعت هذه العلاقات المعقدة خروج الخلافات بين الحكومتين للعلن، فإن قضية آيا صوفيا ستنعكس سلبا على العلاقة بين الشعبين.

كما ستضاف مشكلة جديدة إلى العلاقات التركية ـ الأوروبية التي لم تشهد منذ عقدين سوى الأزمات، فتركيا التي كانت على أبواب علاقة شراكة مع الاتحاد الأوروبي أصبحت خلال السنوات الأخيرة عامل قلق وتهديد للأمن الأوروبي. ولن تقتصر تداعيات هذه الأزمة على العلاقة بين الحكومات بل ستكون لها انعكاسات على المستوى الشعبي وستستغلها أحزاب اليمين الأوروبي في تأجيج حالة العداء للأجانب وخاصة المسلمين، وبنفس الطريقة ستنعكس قضية آيا صوفيا سلبا على العلاقة التركية مع الولايات المتحدة.

وأحد أهم أسباب الاستياء الرسمي والشعبي العالمي من الخطوة التركية أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خصص الكثير من جهده وإمكانيات بلده خلال السنوات الأخيرة في بناء مساجد في الخارج، ففي عام 2015 اشترك مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في افتتاح أكبر مسجد في موسكو يتسع لعشرة آلاف مصلٍ، وفي نهاية العام الماضي افتتح إردوغان أول مسجد صديق للبيئة في كامبريدج ببريطانيا، تكفلت ببنائه شركات تركية حكومية وخاصة وصندوق قطر الوطني، وفي نهاية عام 2018 افتتح أحد أكبر مساجد أوروبا في مدينة كولونيا الألمانية والذي موله الاتحاد الإسلامي التركي المقرّب من الحكومة التركية، وقال مسؤولون ألمان إن هناك 900 مكان للصلاة في ألمانيا يشرف عليها أئمة قادمين من تركيا، وقبلها افتتح إردوغان مسجدا في ميريلاند في الولايات المتحدة.

إردوغان يحاضر في مدن الغرب عن الاعتدال وضرورة تقبّل وجود الآخر وفي بلده تظهر حقيقته الأصولية التي لا تحتمل وجود ما يخالف معتقداته

وخلال افتتاحه لتلك المساجد كان إردوغان يلقي خطابات يتحدث فيها عن أهمية السلام والإخاء ورفض خطاب الكراهية وأنه لا فرق بين الأديان السماوية فجميعها تدعو للسلام والمحبة، وفي نفس الوقت يقوم بتحويل الكنائس في بلاده إلى مساجد، أي أن إردوغان يحاضر في مدن الغرب عن الاعتدال وضرورة تقبّل وجود الآخر وفي بلده تظهر حقيقته الأصولية التي لا تحتمل وجود ما يخالف معتقداته.

لا يمكن فهم إصرار المنظمات الإسلامية على تحويل آيا صوفيا إلى مسجد إلا بأنها تعتبر الكنائس مراكز للكفر موجودة في بلاد الإسلام، وضمن هذه النظرة سيطالب المتشددون منهم بإزالة الرسوم والصلبان من على جدران آيا صوفيا، بينما سيقترح الأقل تشددا الاكتفاء بتغطية هذه الرسوم في الوقت الحالي حتى يأتي ظرف دولي مناسب لإزالتها، لأنهم لا يختلفون عن المتطرفين في الجوهر لكنهم يفضلون استعمال الحكمة، فهم يرون أن الأمة الإسلامية في حالة وهن حاليا ومن الأفضل تأجيل مثل هذه القرارات إلى أن تقوى شوكة المسلمين، ولا يختلف عن الطرفين من هلّل لهذه الخطوة واعتبرها نصرا للإسلام رغم أنه يشبه انتصار حركة طالبان عندما قامت بتدمير تماثيل باميان وما نجم عنها من مآسي بحق المسلمين في الدول ذات الأغلبية البوذية.

واستخدم إردوغان في خطابه بعد قرار المحكمة عبارة أن آيا صوفيا قد أعيد افتتاحها مجددا كمكان للعبادة، فإذا كان مصرّا على إغلاق المتحف وإذا كانت دعوته تنطلق حقا من نهج الاعتدال ومن الإيمان بأن أماكن العبادة المسيحية "صوامع وبيع يذكر فيها اسم الله كثيرا" كما هو مذكور في القرآن، وأنها وإن اختلفت في تصميمها لكنها تعبد إلها واحدا، ولو كان هناك اهتمام حقيقي بسعادة الشعب التركي وازدهاره الاقتصادي ورخائه، وبوضع الجاليات التركية والإسلامية في المغتربات، لكان هذا الافتتاح قد تضمّن جعل آيا صوفيا مكان عبادة إسلامي ومسيحي في نفس الوقت.

فمبنى الكاتدرائية كبير ويتسع لمسجد وكنيسة متجاورين، ولكان من الممكن إقامة احتفال عالمي كبير يدعو إردوغان إليه قادة الغرب الذين شاركوه احتفالات افتتاح مساجد في مدنهم، مع توجيه دعوة لكافة المسيحيين للقدوم إلى آيا صوفيا بشعار "أحضر صليبك وتعال" مثل دعوة أحضر سجادتك وتعال للمسلمين، ولكانت هذه خطوة تاريخية شجاعة تؤشّر لبداية عصر جديد يتم فيه طي صفحة الماضي وتجاوز الأخطاء والتطلّع نحو المستقبل.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.