People hold a placard depicting Turkish President Tayyip Erdogan and Ottoman sultan Mehmed II in front of the Hagia Sophia or…
فريق ينتشي فرحا بأسلمة آيا صوفيا وآخرون يلعنونه لأنه عصف بتقاليد الإسلام السمحة

يتراءى لي الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بكامل زهوه بلباس السلاطين المزركش كلما شاهدته، أو استمعت لأي من خطاباته التي يصنع فيها نجوميته كقائد، لا بل كخليفة للمسلمين الباحثين عن مجد ضائع منذ قرون طويلة.

لست في معرض الذم أو المديح لزعيم يعشقه ويناصره الملايين ممن يرونه منقذا لهم بعد سنوات من الوهن والهزيمة، ولست من الخصوم الذين يُشيطنونه ويجدونه سارقا للشعبية، ومفجرا لكل الصراعات والأزمات ما دامت تصنع منه رمزا، وعنوانا للمسلمين الذين ضربتهم الانقسامات.

آيا صوفيا الكاتدرائية، فالمسجد ثم المتحف، العنوان الجديد للصراع الذي اشتعل حين انقض إردوغان على تراث مؤسس الدولة الحديثة أتاتورك، فنقض عهده وأعاد "آيا صوفيا" إلى زمن السلطان محمد الفاتح مسجدا بعد "فتح" القسطنطينية.

لا أعرف لماذا لا يزالون يسمونه فتحا؟ ولا يقولون حتى همسا إنه احتلال، فكل سيطرة على أرض الغير سواء بالقوة أو بغيرها أجده احتلالا، ولا أحب تجميله بأوصاف أخرى، فالهزيمة تُستغل لصناعة تاريخ مزورا.

قرار أردوغان أشعل حربا في بلادنا المُقسمة والهشة

لا يهم، وما يهم أن قرار إردوغان أشعل حربا في بلادنا المُقسمة والهشة، فهذا فريق ينتشي فرحا بأسلمة "آيا صوفيا"، وذاك فريق يلعن إردوغان ويعتبر ما قام به عصفا بالتقاليد السمحة للإسلام، وما بين كل هذا الهراء على السوشيل ميديا تتأجج النزاعات الطائفية، ويتعمق شرخ لا نحتاجه في جسد أنهكته حروب الطغاة، وتُكمل ما تبقى الحروبُ السياسية بلباس الأديان.

يتصدر المشهد زعماء الأزهر مُنددين بالخطيئة التي ارتكبها إردوغان، ويساندهم علماء السعودية متحدثين بصوت واحد، وبصراحة لم أسمعهم من قبل يتحدثون عن فضائل التسامح و"احترام دور العبادة لكل الديانات".

عشّاق إردوغان الذين يرونه الخليفة العادل يفتنهم جبروته وعنفوانه في التصدي للغرب، يحلمون أنّ دولة الخلافة بأمجادها باتت قاب قوسين أو أدنى.

وعلى الضفاف بين الفريقين من يدعي أنه يُعلي صوتا للعقل بالتذكير أن إسبانيا غيرت كل تراث المسلمين في غرناطة والأندلس، وأن التباكي على التراث المسيحي والإنساني لعبة سياسية ليست أكثر، والنماذج للسكوت الفاضح على الخروقات والانتهاكات يتجلى بكل الأفعال الإسرائيلية التي استباحت مساجد كثيرة، وانقضت على تراث ومنارات للإنسانية، وعاثت بها تزويرا دون أن يُسمع صوت احتجاج.

ربما أراد إردوغان تذكيرنا أن التاريخ يكتبه المنتصرون، وأنه قُبيل الذكرى الرابعة لمحاولة الانقلاب الفاشلة على سلطته يسعى لإعادة بناء شعبيته من جديد، وهذه المرة من بوابة إعلان العصيان والتمرد أولا على دولة أتاتورك العلمانية، وثانيا يُدير ظهره للغرب الذين أوصدوا في وجهه أبواب "جنة" الاتحاد الأوروبي، وعاقبوه، وتركوه كولدٍ شقي منبوذ.

يقرأ بعض الأتراك الرسائل المشفرة من إردوغان ويجيبون عليه فورا بأن ألاعيبه السياسية مكشوفة ولا تنطلي عليهم، ويُخاطبه رئيس وزرائه السابق وخصمه السياسي حاليا أحمد داوود أوغلو "توقف عن التعامل مع رموزنا المقدسة كبطاقة للخروج من السجن كلما واجهتك مشكلة، آيا صوفيا ليست أداة بين يديك ولا ورقة للمساومة".

يُقدم أردوغان نفسه كخليفة للمسلمين ويترك خلف ظهره إرث تركيا العلمانية

لست مؤرخا، ولست مهووسا بأن أضيف للتاريخ قصصا مزورة يحفرها المنتصرين على أجساد المهزومين، ولكن الحقيقة التي لا يُنكرها حتى إردوغان أن "آيا صوفيا" كاتدرائية بناها الأمير جستنيان الأول في القسطنطينية التي أصبحت بعد احتلالها إسطنبول، واستمر بناؤها خمس سنوات وسميت "آيا صوفيا" وتعني باللغة اليونانية "الحكمة الإلهية"، أو "حكمة الرب"، وحين شاهدها الإمبراطور بعد أن شُيدت قال "يا سليمان تفوقت عليك" في إشارة للنبي سليمان الذي قيل إنه يُسخر الجن لإقامة الأبنية العظيمة وفق روايات دينية.

"آيا صوفيا" ظلت مركزا للكنيسة الأرثوذوكسية لأكثر من 900 عام، و"الصليبيون" خلال حملاتهم حولوها إلى كاتدرائية للروم الكاثوليك، وبعد سقوط القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح أمر بتحويلها لمسجد، وأدى الصلاة بها بعد أن غطى الرسوم والنقوش المسيحية.

جاء أتاتورك للحكم فمنع إقامة الشعائر الدينية بها، وأصدر مرسوما بتحويلها إلى متحف فني للإنسانية ـ هكذا قيل.

بقيت "آيا صوفيا" ضحية بين رحى الحروب وانقلابات السياسية، ولم تسلم من شرورهما كتحفة معمارية، وتراث إنساني يستحق أن يُخلد، ويظل بمنأى عن الصراعات والاستقطابات السياسية والدينية.

تطمينات الرئيس إردوغان أن " آيا صوفيا" حتى لو أصبحت مسجدا فستبقى مفتوحة لكل الأديان ومتاحة للزوار لم توقف الغضب الدولي المتصاعد، بابا الفاتيكان فرانسيس الثاني حزين على قرار السلطات التركية ويقول "فكري مشغول بإسطنبول وأفكر بالقديسة صوفيا والألم يعتصرني"، ووزيرة الثقافة اليونانية لينا مندوني تُعلق "النزعة القومية التي يبديها إردوغان تُعيد بلاده ستة قرون إلى الوراء"، ومديرة اليونسكو أودري أزولاي تأسف لقرار السلطات التركية الذي اتخذ دون حوار مسبق، وتراه يُقوض القيمة العالمية لهذا الصرح التذكاري.

أردوغان يُعلن العصيان على دولة أتاتورك ويُدير ظهره لـ "جنة" الاتحاد الأوروبي

لم يُصغِ إردوغان لكل هذه الحملات الدولية وضرب بها عرض الحائط وخرج في "خطاب النصر" ليصف قرار أتاتورك قبل عقود بتحويل آيا صوفيا لمتحف بأنه ليس خيانة للتاريخ فحسب بل ضد القانون، ويعلن أن آيا صوفيا ليست ملكا للدولة، بل مُلك ووقف للسلطان محمد الفاتح، مقدما رواية جديدة للتاريخ مفادها أن السلطان محمد الفاتح عندما فتح إسطنبول حصل على لقب الإمبراطور الروماني، وبالتالي أصبح مالكا للعقارات المسجلة باسم الأسرة البيزنطية.

لم يلتفت إردوغان للمعارضة الدولية وكانت عينه تغازل المتظاهرين الأتراك الذين خرجوا فرحين رافعين شعار " كُسرت الأغلال" احتفاء بتحويل "آيا صوفيا" لمسجد بعد ما يُقارب ثمانية عقود، وكأنه يقول متباهيا الآن أعدت تحرير القسطنطينية، وفي خلفية المشهد خصمه رئيس بلدية اسطنبول أكرم أوغلو الذي أنزل به هزيمة لا تُنسى في الانتخابات ينتظره، ويقف له بالمرصاد.

على وقع الاستعداد للصلاة الأولى في مسجد "آيا صوفيا" في الرابع والعشرين من الشهر الجاري يظهر إردوغان ويقدم نفسه كخليفة للمسلمين، ويترك خلف ظهره إرث عقود لتركيا العلمانية، ويحرق سفنا كانت على الشاطئ مع الأوروبيين، ويكسر تابوهات في العلاقة كان يحرص على إبقائها حتى ولو باردة، ويخطو بقدمين ثابتتين نحو بناء تحالفات تُعينه على مواجهة خصومه داخل الحدود وخارجها.

تقول الأخبار الواردة من إسطنبول إن تكنولوجيا متطورة للإضاءة ستستخدم وقت الصلوات للتعتيم على اللوحات الجدارية المسيحية بالضوء الأسود، ولكن السؤال الموجه إلى إردوغان ما هي المُعينات التي سيلجأ لها لتساعده على مواجهة عتمة طريقه الطويل بعد أن تزايد الخصوم من حوله، والطامحين أن تزول مملكة خلافته وعرش سلطانه اليوم قبل الغد، فالفجور في الخصومة في عالم السياسة لا يعرف كذلك حدودا أخلاقية أو وطنية؟

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.