الطبيعي في كل جغرافيات الكون، حين تكتشف أن شخصا تحبه مصاب بمرض خطير، أن يسكنك الحزن والألم والخوف. أن تتذكر بعضا من صور الماضي، وأحضانا قديمة وأفراحا مؤجلة…
الطبيعي في كل جغرافيات العالم، إزاء المرض، وإزاء مرض من نحب بالتحديد، أن يسكننا بعض ألم وخوف من الفقد وترقب للآتي وحزن على ما مضى…
لكن غير الطبيعي، في جغرافياتنا البائسة، أن يسكنك كل هذا... وأن يسكنك أكثر، خوفك من المنظومة الصحية في وطنك.
تسمع من الطبيب تفاصيل المرض... وتسمع في أعماق قلبك دق الطبول: في أي دوامة ستدخل؟ أي استنزاف ستعرضك له المصحات الخاصة؟ (طبعا، فأنت تملك بعض الإمكانيات تجعلك تتفادى، تلقائيا، المستشفيات الحكومية في بلدك). ثم، أنت أمام كارثة مرض شخص تحبه (زوج، زوجة، ابن، أم...). أنت لا تشتري شقة. لن يكون لديك الوقت الكافي لكي تقارن "العروض" وتختار. ستقبل كل شيء. ستذعن لكل الشروط. ستدفع. ستستدين إن اقتضى الأمر.
مؤلم أن تجد نفسك فجأة، أمام أخطبوط اسمه "الصحة" لا القطاع الحكومي في بلدك يضمن لك، عبره، العلاج واحترام كرامة المريض... ولا القطاع الخاص فيه يجعلك في مأمن من السرقة والابتزاز
ومع ذلك، فما سر تلك الغصة في الحلق؟ ما سر القلب الذي ينقبض خوفا، ليس من المرض ولا حتى من الموت... هو الخوف من الظلم ومن التلاعب الممكن بالصحة وبالحياة... ومن الابتزاز... ومن الاستغلال البشع للمرض والمرضى، من أجل الاغتناء أكثر وأكثر.
ظلم وخوف... هما وليد غياب أبسط وأهم الحقوق. الحق في الصحة. الحق في علاج يحفظ كرامة المريض. الحق في علاج... قد لا ينفع. قد لا يواجه الموت. قد لا يقضي على المرض... لكنه، على الأقل، لا يقضي على كرامة المريض ولا على أمله.
في جغرافيتنا... نحن لا نواجه المرض فقط (كما قد يواجهه مواطن السويد أو سنغافورة مثلا...). نحن نواجه غياب العلاج... ليس لأن أطباءنا لا يملكون الكفاءة. بل لأن منظومتنا الصحية لا تملك العدالة ولأن حكومتنا لا تمتهن احترام المواطنة!
مؤلم ذاك الإحساس بالعجز حين تدرك أنك أمام واقع، لا تقرر فيه بناء على القيم التي تؤمن بها من مواطنة ومساواة في الحقوق والواجبات؛ ولا حتى تستطيع مواجهته بالإصرار والتحدي والعزيمة والإرادة كما تعودت. مؤلم أن تجد نفسك فجأة، أمام أخطبوط اسمه "الصحة" لا القطاع الحكومي في بلدك يضمن لك، عبره، العلاج واحترام كرامة المريض... ولا القطاع الخاص فيه يجعلك في مأمن من السرقة والابتزاز.
نحن نواجه غياب العلاج... ليس لأن أطباءنا لا يملكون الكفاءة. بل لأن منظومتنا الصحية لا تملك العدالة ولأن حكومتنا لا تمتهن احترام المواطنة!
الوضع برمته ليس بجديد عليك. لقد سمعت عشرات (مئات؟) الحكايا من صديقك منذ سنة، ومن زميلتك منذ شهر، ومن شخص قابلته صدفة في محطة القطار. لكنك اليوم أصبحت في قلب الحكاية. لأول مرة، تقف عاريا أمام حقيقة لم تعد مجرد حكاية تسمعها وتتعاطف مع أصحابها. اليوم، أصبحت أنت الحكاية. حتى تعاطف الآخرين، مهما كان صادقا، فهو لا يجدي. لا يغير من وجع الحقيقة في شيء. ستواجه الواقع بصدر عار. لن تفكر كثيرا في ذلك المريض الذي تحب. ستفكر أكثر في المصحة. في المصاريف. في غياب التأمين. في التلاعبات الممكنة (هل تذكر الحكايات؟). في الاستنزاف الممأسس...
تتذكر مجددا أنك، في المطلق، تحب انتماءك لهذه الجغرافيا. لكنك، أمام المرض، تكتشف أن القدر لم يكن منصفا حين رمى بك هنا... أنت بالتأكيد أفضل ممن وُلد في بلد حرب (طبعا، فأنت تحتاج الآن لشيء يعطيك بعض الأمل في أن وضعك أحسن من غيرك)... لكنك، ربما، في جغرافيات أخرى، كنت بالتأكيد ستكتفي بحضن المريض الذي تحب، دون أن تفكر في أي تفاصيل أخرى.
من يقرر التوزيع الجغرافي قبل الولادة؟ وعلى أي أساس؟

