In this photo taken on Wednesday, April 15, 2020, a COVID-19 patient lies on a bed at one of the intensive care units (ICU) of…
مؤلم أن تجد نفسك فجأة، أمام أخطبوط اسمه "الصحة" لا القطاع الحكومي في بلدك يضمن لك، عبره، العلاج واحترام كرامة المريض... ولا القطاع الخاص فيه يجعلك في مأمن من السرقة والابتزاز

الطبيعي في كل جغرافيات الكون، حين تكتشف أن شخصا تحبه مصاب بمرض خطير، أن يسكنك الحزن والألم والخوف. أن تتذكر بعضا من صور الماضي، وأحضانا قديمة وأفراحا مؤجلة…

الطبيعي في كل جغرافيات العالم، إزاء المرض، وإزاء مرض من نحب بالتحديد، أن يسكننا بعض ألم وخوف من الفقد وترقب للآتي وحزن على ما مضى…

لكن غير الطبيعي، في جغرافياتنا البائسة، أن يسكنك كل هذا... وأن يسكنك أكثر، خوفك من المنظومة الصحية في وطنك.

تسمع من الطبيب تفاصيل المرض... وتسمع في أعماق قلبك دق الطبول: في أي دوامة ستدخل؟ أي استنزاف ستعرضك له المصحات الخاصة؟ (طبعا، فأنت تملك بعض الإمكانيات تجعلك تتفادى، تلقائيا، المستشفيات الحكومية في بلدك). ثم، أنت أمام كارثة مرض شخص تحبه (زوج، زوجة، ابن، أم...). أنت لا تشتري شقة. لن يكون لديك الوقت الكافي لكي تقارن "العروض" وتختار. ستقبل كل شيء. ستذعن لكل الشروط. ستدفع. ستستدين إن اقتضى الأمر.

مؤلم أن تجد نفسك فجأة، أمام أخطبوط اسمه "الصحة" لا القطاع الحكومي في بلدك يضمن لك، عبره، العلاج واحترام كرامة المريض... ولا القطاع الخاص فيه يجعلك في مأمن من السرقة والابتزاز

ومع ذلك، فما سر تلك الغصة في الحلق؟ ما سر القلب الذي ينقبض خوفا، ليس من المرض ولا حتى من الموت... هو الخوف من الظلم ومن التلاعب الممكن بالصحة وبالحياة... ومن الابتزاز... ومن الاستغلال البشع للمرض والمرضى، من أجل الاغتناء أكثر وأكثر.

ظلم وخوف... هما وليد غياب أبسط وأهم الحقوق. الحق في الصحة. الحق في علاج يحفظ كرامة المريض. الحق في علاج... قد لا ينفع. قد لا يواجه الموت. قد لا يقضي على المرض... لكنه، على الأقل، لا يقضي على كرامة المريض ولا على أمله.

في جغرافيتنا... نحن لا نواجه المرض فقط (كما قد يواجهه مواطن السويد أو سنغافورة مثلا...). نحن نواجه غياب العلاج... ليس لأن أطباءنا لا يملكون الكفاءة. بل لأن منظومتنا الصحية لا تملك العدالة ولأن حكومتنا لا تمتهن احترام المواطنة!

مؤلم ذاك الإحساس بالعجز حين تدرك أنك أمام واقع، لا تقرر فيه بناء على القيم التي تؤمن بها من مواطنة ومساواة في الحقوق والواجبات؛ ولا حتى تستطيع مواجهته بالإصرار والتحدي والعزيمة والإرادة كما تعودت. مؤلم أن تجد نفسك فجأة، أمام أخطبوط اسمه "الصحة" لا القطاع الحكومي في بلدك يضمن لك، عبره، العلاج واحترام كرامة المريض... ولا القطاع الخاص فيه يجعلك في مأمن من السرقة والابتزاز.

نحن نواجه غياب العلاج... ليس لأن أطباءنا لا يملكون الكفاءة. بل لأن منظومتنا الصحية لا تملك العدالة ولأن حكومتنا لا تمتهن احترام المواطنة!

الوضع برمته ليس بجديد عليك. لقد سمعت عشرات (مئات؟) الحكايا من صديقك منذ سنة، ومن زميلتك منذ شهر، ومن شخص قابلته صدفة في محطة القطار. لكنك اليوم أصبحت في قلب الحكاية. لأول مرة، تقف عاريا أمام حقيقة لم تعد مجرد حكاية تسمعها وتتعاطف مع أصحابها. اليوم، أصبحت أنت الحكاية. حتى تعاطف الآخرين، مهما كان صادقا، فهو لا يجدي. لا يغير من وجع الحقيقة في شيء. ستواجه الواقع بصدر عار. لن تفكر كثيرا في ذلك المريض الذي تحب. ستفكر أكثر في المصحة. في المصاريف. في غياب التأمين. في التلاعبات الممكنة (هل تذكر الحكايات؟). في الاستنزاف الممأسس...

تتذكر مجددا أنك، في المطلق، تحب انتماءك لهذه الجغرافيا. لكنك، أمام المرض، تكتشف أن القدر لم يكن منصفا حين رمى بك هنا... أنت بالتأكيد أفضل ممن وُلد في بلد حرب (طبعا، فأنت تحتاج الآن لشيء يعطيك بعض الأمل في أن وضعك أحسن من غيرك)... لكنك، ربما، في جغرافيات أخرى، كنت بالتأكيد ستكتفي بحضن المريض الذي تحب، دون أن تفكر في أي تفاصيل أخرى.

من يقرر التوزيع الجغرافي قبل الولادة؟ وعلى أي أساس؟

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.