Healthcare workers give a thumbs-up at a temporary testing centre for the novel coronavirus in the Spanish Basque city of…
عمال في القطاع الصحي في إسبانيا

انتشر فيروس كورونا في بقاع الأرض دون مجاملة لأحد، فهو فيروس لا يعرف احتراما للحدود وينتشر أينما استطاع. وفي وسط انتشار هذا الوباء اللعين، الذي أودى بحياة مئات الآلاف من البشر، نستطيع أن نرى جليا ثلاثة أنواع من الأفعال وردود الفعل، فهناك "الجميل" وهي الأفعال التي قد تفخر الإنسانية كلها بها في المستقبل، وهناك أفعال قد توصف بأنها "سيئة"، وهناك للأسف بعض الأفعال التي لا يمكن وصفها بأقل من أنها "بشعة".

ومن الأفعال الجميلة ما قام به الطبيب الصيني الرائع، لي ونليانج (رحمه الله)، والذي أخبر العالم عن وجود المرض وقد يكون دفع حياته ثمنا لذلك إن صحت الأنباء عن احتمالية قتله كنتيجة لذلك. ولولا تصرف هذا الطبيب الرائع لربما استفحل الأمر بشكل أكبر وأودى المرض بحياة الملايين من البشر.

تدخل الرئيس الأميركي بنفسه لدعم التحرك تجاه إجراء اختبارات إكلينيكية للتأكد من فاعلية الدواء لهو تدخل محمود ولا يوصف بأقل من أنه "جميل"

أما المثل الثاني هنا فهو إقدام العالم الفرنسي دكتور "ديدير راوول" على إجراء تجربة ناجحة لدراسة فاعلية عقار كلوروكين والأزيثروميسن كعلاج لمرض كورونا ففتح أعين العالم على احتمال وجود عقار ليس فقط للشفاء من المرض ولكن أيضا للوقاية منه، ولا يجب أن ننسى في هذا المضمار دور مؤسسة "فوكس نيوز" الأميركية في إعطاء الفرصة لطاقم البحث الفرنسي لينشر نتائج بحثه عبر شبكاتهم التلفزيونية في جميع أنحاء العالم.

وبالإضافة لذلك فإن تدخل الرئيس الأميركي بنفسه لدعم التحرك تجاه إجراء اختبارات إكلينيكية للتأكد من فاعلية الدواء لهو تدخل محمود ولا يوصف بأقل من أنه "جميل".

أما عن التصرفات التي يمكن وصفها بأنها "سيئة" فهي، على سبيل المثال، موقف بعض الصحف والقنوات الإعلامية المنحاز ضد دواء الكلوروكين ومحاولة وصفه بأنه العقار الذي يضر بالقلب بالرغم من أن منظمة الصحة العالمية أقرت بأنه دواء آمن فهو يستخدم من أكثر سبعين عاما.

وكما ذكرت المنظمة لم يتسبب في حالة وفاة واحدة كنتيجة لتأثيره المحدود على ضربات القلب في بعض الحالات، فالتركيز على مضاعفات الدواء المحتملة وعدم إظهار أنه دواء "آمن" بكل الأعراف والمقاييس الطبية لهو تصرف سيء بجميع المقاييس، لأنه قد يتسبب رفض بعض المرضى استخدامه كعلاج لهم، وهذا قد يتسبب في وفاة بعضهم، والأمر لم يقف عند ذلك فحسب، فقد أهملت هذه الصحف والمواقع الإعلامية حقيقة أن "الكلية الأميركية لأمراض القلب" ـ وما أدراك ما الكلية الأميركية لأمراض القلب وثقلها العلمي ـ أقرت استخدام الدواء في حالات فيروس كورونا، ووصفت طريقة وإمكانية استخدامه حتى في العيادات الخارجية وليس فقط في المستشفيات.

"البشاعة" في قصة فيروس كورونا فهي محاولة بعض الجهات إظهار العقار وكأنه فاشل

فهل تقر مثل هذه الهيئة العملاقة استخدام عقار الكلوروكين لعلاج مرضى كورونا دون إدراك لتأثير هذا الدواء على القلب ومدى خطورته المحتملة؟

أما "البشاعة" في قصة فيروس كورونا فهي محاولة بعض الجهات إظهار العقار وكأنه فاشل بعد تحليل غير علمي لنتائج استخدامه، ففي أحد الأبحاث عن العقار تم الإعلان في العديد من مصادر الإعلام المناهض للرئيس الأميركي ترامب عن فشله في التقليل من معدلات الوفاة بالمقارنة بالمرضى الذين لم يستخدموه في التجربة، بالرغم من أن العقار تم استخدامه فقط في مرضى كورونا المصابين "أيضا" بمرض السكر ومشاكل في الرئتين وبنقص شديد في الأوكسيجين في الدم وبمشاكل شديدة في الكبد، في حين أن المرضى الذين تم استخدامهم للمقارنة (أي لم تتعاط الدواء) لم يكن لديهم أي من هذه المشاكل الصحية.

وهذه المقارنة ليست فقط غير علمية بل مضللة إلى أبعد الحدود، فمن غير المعقول أن أحكم على فاعلية الدواء (باستخدامه فقط في حالات حرجة ولديها العديد من الأمراض المصاحبة، وأقول إن نتيجته ليست أفضل من عدم تناوله استنادا إلى عينة كم من الذين لم يأخذونه وهم في الأصل لا مشاكل صحية أخرى لديهم على الإطلاق.

مقارنة غير علمية بجميع المقاييس ولا توصف إلا بأنها محاولة بشعة للي البحوث العلمية ونتائجها.

وللحديث بقية!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.