Muslim faithful seen through an opening on minba prays inside the grand mosque in capital Pristina, Kosovo on Thursday, May 28,…
لماذا يحتاج الدين إلى شخص يقوم بشرحه وتقديمه إلى الآخرين؟

بعد كل هذه القرون التي قطعها الإنسان في مسار التطور العلمي والاقتصادي والسياسي والروحي، وفي مجال التشريع والقانون وفي مختلف مناحي الحياة، ربما من المنطقي أن ينشأ السؤال التالي: هل يحتاج الانسان المعاصر إلى رجل دين؟ وإذا كان يحتاج إلى رجل دين ففي أي مجال بالضبط؟

علاقة خاصة

يمكن صياغة هذا السؤال على النحو التالي: ما الذي يستطيع رجل الدين ـ وهنا أتحدث عن وظيفة رجل الدين وليس عن رجل الدين نفسه كإنسان ـ أن يقدمه لغيره من البشر، إذا تعلق الأمر بنواحي الحياة المادية المختلفة؟

ويمكن أن نطور السؤال إلى مستوى آخر، فنقول: لماذا يحتاج الدين إلى شخص يقوم بشرحه وتقديمه إلى الآخرين، أو شخص يقدم نفسه على أنه وحده من يملك مفاتيح الدين ووحده القادر على أن يدخل فيه من يشاء ويخرج منه من يشاء؟

طوال التاريخ، لم تكن وظيفة رجل الدين تخرج عن أمرين، إما السيطرة على عقول الناس لمصلحة السياسي/الحاكم، أو السيطرة على عقولهم باسم فكرة أو عقيدة

أعلم بأن هناك من سوف يقفز لكي يقارن هذه الوظيفة بالطبيب والمهندس والمحامي...إلخ، أي مثل كل صاحب اختصاص، ولكن هذه المقارنة الباطلة، يفوتها أمر بسيط وهو أن الدين ليس معارف أو معلومات يقدمها من يعرف لمن لا يعرف، الدين في المبتدأ والمنتهى هو اعتقاد وعلاقة خاصة بين الإنسان وما يعتقده. ولهذا لا أحد يستطيع أن يشق قلب الإنسان لكي يعرف كيف يكون هذا الاعتقاد أو يقيس درجته أو شدته وما إلى ذلك. وبالطبع لا أحد يستطيع أن يبرهن عليه أو على عدمه من خلال المظاهر الخارجية وحدها.

من ينقذ من؟

من الأمور الملفتة أن الإنسان يتصور أن اتباعه لرجل الدين يمكن أن ينقذه (من ماذا؟ ليس مؤكدا) أو يجنبه المزالق والمهالك! لماذا لا يثق الإنسان بأنه إذا كان ثمة إنقاذ فهو الأقدر على أن يقوم به، بدلا من تسليم نفسه وعقله إلى شخص آخر مثله؟ هل من المعقول أنه لا يدرك بأن الله قد خلق جميع البشر مختلفين في كل شيء، إلا في أمر واحد وهو العلاقة معه، وهي علاقة لا تحتاج إلى وسطاء.

إن الحاجة إلى الوسيط، وهو رجل الدين في هذه الحالة، فيها انتقاص من قدر الإنسان، ومن قدرته على أن يكون.

إذا كان الإنسان يعبد الله فالله موجود في كل مكان، وليس هناك بين الإنسان والله من حجاب سوى نفسه، وهذا الحجاب يستطيع الإنسان أن يزيله عبر تهذيب النفس والسمو بالأخلاق والارتقاء بالمسؤولية الفردية وتقديم الخدمة للآخرين والعناية بالشخصية، وهي أمور كلها متعلقة بالضمير وبالأخلاق. ولا علاقة لرجل الدين بها.

بعبارة أخرى، فإن إصلاح الإنسان لنفسه كفيل بأن يوصله إلى أسمى الغايات وأن يقربه من الإله الذي يعبده، بوصفه النموذج أو المثل الأعلى.

دور رجل الدين

طوال التاريخ، لم تكن وظيفة رجل الدين تخرج عن أمرين، إما السيطرة على عقول الناس لمصلحة السياسي/الحاكم، أو السيطرة على عقولهم باسم فكرة أو عقيدة بهدف وضعهم تحت الوصاية الجمعية أو الحزبية أو ما شابه.

طبيعة وظيفة رجل الدين تقوم على جلب الأتباع، وذلك يقتضي التمييز بين الناس، بما يتضمنه من خفض أناس وإعلاء آخرين

وصلب هذا العمل الذي يقوم به رجل الدين في الحالتين، هو الاستحواذ على عقل الإنسان وقلبه وتجييرهما لمصلحة دنيوية ما. وحين يفعل ذلك فإنه لا يفعله من منطلق المحبة للإنسان الذي يسعى للسيطرة عليه. إنه لا ينظر إلى هذا الإنسان سوى على أنه أداة أو وسيلة. وهو حين يسيطر على عقل هذا الأخير، فهو يوجهه وجهة لا تخدم مصلحة الإنسان نفسه. لماذا؟ لأن هذه السيطرة أو فكرة السيطرة تتعارض مع مصلحة كل إنسان.

احترام الإنسان

إن أولى الإشارات الدالة على احترام الإنسان، هي عدم الحكم عليه، أو "قصفه" بالإملاءات أو معاملته معاملة القاصر أو محاولة زرع عقدة الذنب لديه، وإنما قبوله كما هو ومن دون مسبقات أو اشتراطات. 

لكن معظم رجال الدين لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك. لماذا؟ لأن طبيعة وظيفة رجل الدين تقوم على جلب الأتباع، وذلك يقتضي التمييز بين الناس، بما يتضمنه من خفض أناس وإعلاء آخرين. إنه لا يخاطب هنا قلب الإنسان أو روحه وإنما يخاطب "الأنا" فيه. فهو يغرس في أتباعه فكرة أنهم الأفضل وهم السائرون على الطريق المستقيم وهم "الناجون من النار"، بينما غيرهم ليسوا كذلك. 

إنه ببساطة، مثل السياسي، يريد أن يظل هؤلاء الأتباع في حالة ولاء وانقياد تامين له. وهو بهذا لا يرفعهم أو يقربهم من المثال الأعلى. وبعض رجال الدين يفعل العكس تماما حين يفترش سجاده بعبارات الكراهية والضغينة والشتائم واللعنات!

فلماذا، والحالة هذه، يسمح الإنسان للسموم الناتجة عن الأنا المتضخمة بأن تتسلل إلى عقله وجسده فتفسدهما وتمرضهما؟ هذا سؤال ينبغي التفكير فيه مليا.

قد يبدو في حديثي أعلاه بعض التعميم، ولكن الحقيقة هي أنني أتحدث هنا عن الوظيفة التي يقوم بها رجال الدين وليس عنهم كأشخاص، أما أولئك الذين كفوا عن هذه الوظيفة فهم وإن بدا عليهم مظهر رجل الدين من الخارج، إلا أنهم في الواقع لم يعودوا كذلك.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.