FILE PHOTO: A handout satellite image shows a closeup view of the Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD) and the Blue Nile…
صورة من الأقمار الصناعية تظهر بدء ملء سد النهضة

ما إن يتنفس المتابع الصعداء بأن المياه الصاخبة قد ركدت قليلا، وبوادر الحل العادل تلوح في الأفق القريب، يُصعّد أحد أطراف أزمة سد النهضة الأثيوبي، كل من جانبه، ويعيد تعكير الأجواء والمياه معا.

من الواضح أن هذه الأزمة قد خرجت من توصيفها كأزمة، وكرست اليوم إعلاميا ودبلوماسيا بكونها نزاعا يحتمل تدويله في القريب العاجل، رغم الجهود الحثيثة التي تبذلها الوساطات الدولية، في مقدمها الاتحادين الأفريقي والأوروبي، وآخرها المقترح الأميركي المطالب بالتفاهم والإنصاف.

ولأن نوع هذا النزاع يعتبر أحد أخطر أنواع النزاعات لارتباطه بالمياه، أبرز القضايا الوجودية البشرية، تنذر الأمور بالأسوأ، إن من حيث البعد الزمني الذي قد يتخذه النزاع أو تدويله، أو اللجوء إلى الحل العسكري، وفي الحالتين، ستكون النتائج أكثر من كارثية على الدول الثلاث، أثيوبيا والسودان ومصر، وهي دول منهكة في الأساس، وغارقة في الفقر والأزمات الاقتصادية المتلاحقة.

احتياط السلاح القمعي أكبر من الاحتياط الاستراتيجي للمياه، والاحتياط المصرفي لعدد من المسؤولين الفاسدين، أكبر من الاحتياط الاستراتيجي للقمح

ليس خفيا أن نوعين من السياسة يتدخلان في قضية سد النهضة، أحدهما السياسة الخبيثة، وتبدو الأكثر تأثيرا، تنفخ في نار أحد الأطراف من أجل تأجيج صراع جديد في القارة الأفريقية على المدى الطويل، وتحقيق مكاسب مرجوة من آثار هذا الصراع، والأخرى عاقلة وحكيمة وتصالحية تدفع من أجل العدالة، لكن هذه الأخيرة، سياسية، تجرب حظوظها الضعيفة في ظل أجواء عالمية مشحونة، تهيمن عليها روح الكراهيات المتبادلة، وهواية الحروب، وتراجع القيم الإنسانية والأخلاقية العامة.

ورغم ضآلة فرص تحقيق نجاح سريع، تبقى السياسة التصالحية هي المرتجاة والملحة، والممكنة لو شاءت الأطراف. لأجلها، وقبل فوات الأوان، يجب أن تتضافر الجهود، الشعبية والرسمية معا، عبر الضغط لتنفيس الاحتقان وإيقاف التصعيد الاستفزازي الإعلامي بين جميع الأطراف، وهو الذي يلعب دورا محوريا مضافا في هذا النزاع.

ولأن قضية سد النهضة شأن مصيري إنساني عام، لا يخص الدول المعنية فقط، يجب الإفساح في المجال لشعوب الدول المتضررة والشعوب الصديقة بالمشاركة الحقيقية، عبر لعب دورها بالحشد والضغط الشعبي في الشارع، لإجبار حكومات الدول الثلاث الجلوس إلى طاولة الحل التصالحي، بعيدا عن النوايا السيئة المبيتة، وبدون وسطاء، أو مع وسطاء نزيهين، إن وجدوا، لأجل التفاهم وتحقيق العدالة واستدامتها، والإقرار بجوهر ومعنى المصير المشترك، بشقيه، الفناء أو الرخاء المشترك.

سيكون النجاح في حل قضية مصيرية مثل هذه، اختراقا تاريخيا وإنسانيا وأخلاقيا إن حدث، يمكن أن يؤدي مستقبلا إلى سلسلة من الحلول الجوهرية لمشاكل هذه الدول ودول الجوار، كما يمكن لقصة النجاح إن تحققت، أن تصبح نموذجا دوليا مشرفا، أية قرارات عادلة ومنصفة ستنتج عنه، يمكن أن تعمم كتجربة دولية وإنسانية قابلة للاحتذاء بها، في مواجهة كل النزاعات الدولية المتعلقة بالمياه الملوثة بالسياسة، وأبرزها النزاع التاريخي والمستمر بين تركيا وسوريا والعراق فيما يخص نهري دجلة والفرات، والذي يرتفع وينخفض منسوبه باستمرار، بحسب تقلبات السياسة وأهوائها ومزاجياتها.

الصراع على الموارد المائية صراع بشري أزلي لا تحله إلا التفاهمات، وما عداها، ليس إلا تكرارا مخزيا لتاريخ الهمجية التي أبادت أقواما، وسفكت على ضفاف الأنهار، أنهارا موازية من الدماء. 

سيكون النجاح في حل قضية مصيرية مثل هذه، اختراقا تاريخيا وإنسانيا وأخلاقيا إن حدث

وفي مواجهة احتمالات مماثلة من النزاع على المياه مستقبلا، قد تكون أكثر مرارة وضراوة، وهي احتمالات منطقية ومتوقعة، مع الازدياد المرعب لسكان العالم وشح الموارد المائية، يمكن إلقاء اللوم، على دول ذات طبيعة جغرافية وجيولوجية مماثلة لطبيعة حوض النيل بدولتيه الأبرز مصر والسودان، أي الدول التي تشكل المجرى الطبيعي للأنهار الكبرى ومصبها، والتي ترهن مصيرها، بمصير مورد مائي وحيد، مثل النيل، دون التخطيط استراتيجيا لشراسة وشراهة وتقلبات سياسات دول المنبع، ولم تفكر في التخطيط والاستفادة من البدائل الطبيعية المتاحة، وأبرزها تحلية مياه البحار المتاحة بوفرة، كحل جذري لري الأراضي الزراعية وكافة الاستعمالات البشرية، عدا الشرب، وهو الحل الحقيقي الذي أثبت جدواه في دول صحراوية ذات موارد مائية نادرة أو شحيحة، مثل دول الخليج والمملكة العربية السعودية، لكن غياب العقل الاستراتيجي، هو ما وضع دولتين عظيمتين في مقدراتهما الحقيقية مثل مصر والسودان أمام هذا المأزق الخطير في مواجهة أثيوبيا.

كان يمكن للحكومات المتعاقبة التي توالت على هاتين الدولتين، أن تخططا لمواجهة مثل هذا اليوم العسير، الذي يكتشف فيه شعبي هاتين الدولتين، وأمثالهما من الشعوب، أن احتياط السلاح القمعي أكبر من الاحتياط الاستراتيجي للمياه، والاحتياط المصرفي لعدد من المسؤولين الفاسدين، أكبر من الاحتياط الاستراتيجي للقمح.

رغم ما تقدم، ما زالت نافذة الرجاء مفتوحة أمام العثور على حل تصالحي بين الدول الثلاث، أثيوبيا ومصر والسودان، يكفل العدالة والبقاء المشترك، وينجح في مواجهة هذا الاختبار الوجودي الأخلاقي، لحكومات وشعوب حوض نهر النيل العظيم، هبة الله ورزقه، للجميع، للجميع.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.