Iraqi Prime Minister Mustafa al-Kadhimi speaks to journalists during his visit to Basra, Iraq, Wednesday, July 15, 2020. (Ahmed…
يتطلع الكاظمي إلى عروض سعودية مريحة، تساعده على تخطي عقبات كبيرة

اختار رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي العاصمة السعودية الرياض وجهة لأول زيارة خارجية له بعد تسلمه السلطة. الزيارة لها مبرراتها الاقتصادية التي تفرض عليه وعلى الدولة العراقية تقديم أولوياتهم الاقتصادية على السياسة، التي أضرّت بمصالح العراق والعراقيين عندما تم ربطها بمواقف عقائدية ومصالح غير وطنية منذ 17 عاما.

مما لا شك فيه أن هذه الزيارة ستُغضب خصومه ومعارضيه، وترفع نسبة قلقهم من توجهاته الداخلية والخارجية، خصوصا أنها تملك احتمالات نجاح كبيرة، الأمر الذي سيساعده على تعزيز حضوره داخل مؤسسات الدولة وتعطيه دفعة قوية في تنفيذ سياسة التمكين الحذرة التي يتَبعها منذ تشكيله الحكومة. 

كما أن هذه الزيارة ستضاعف علامات الاستفهام الإيرانية حول مواقف مصطفى الكاظمي تجاهها، وهي على ما يبدو أنها سترسل وزير خارجيتها بشكل عاجل إلى بغداد عشية الزيارة للرياض ليس فقط بهدف الاستطلاع ولكن أيضا بداعي الاستفهام.

قبل وصوله إلى الرياض توقف الكاظمي في المحطة الأكثر ألما، وخاطب الكويتيين دولة وشعبا بلغة الجار الأقرب إلى الحدود والقلوب

لا يمكن لطهران أن تفرض شروطها على الكاظمي كما فعلت مع أسلافه، فهي داخليا وخارجيا وعراقيا ليست في الموقع القوي القادر على التحكم كما كانت سابقا، وحتى خيار إشغاله داخليا وإرباكه بات مكشوفا وتداعياته خطيرة عليها وعلى أتباعها، الذين تراجعت مصداقيتهم وفشلت طروحاتهم بعدما خسروا فرصتهم التاريخية التي لن تتكرر في حكم العراق.

في المقابل حتى الآن يمارس الكاظمي سياسة واقعية مع بعض التمرد المدروس، فواقعيته تُحتم عليه تفهم الحساسية الإيرانية والاعتبارات الجغرافية والثقافية والروحية التي فرّطت بها طهران لصالح مشاريع مسلحة أضرّت بعلاقتها مع العراقيين الذين يحملونها بشكل من الأشكال مسؤولية ما وصلت إليه الأمور في بلادهم. ولكن بالرغم من تراجع دورها وتشتت جماعتها، إلا أنه ليس بوارد التصادم معها أو معهم، لما فيه من خدمة لجهات لم تعد ترى غير الفوضى للحفاظ على هيمنتها.

مأزق طهران الحالي مع العراق يمكن اختصاره بمقولة "فاقد الشيء لا يعطيه" فما يحتاجه العراق في هذه المرحلة بعيد جدا عن عروضها العقائدية ومشاريعها المُسلحة وسياسات المحاور، وأزمتها العميقة أنها غير مستعدة للاعتراف أن ما يحتاجه العراق حتى يحافظ على ما تبقى من استقراره إلى سياسة حياد إيجابي والابتعاد عن سياسات المحاور وبناء علاقة ثقة واحترام مع كافة جيرانه.

على أبواب الرياض يتطلع الكاظمي إلى عروض سعودية مريحة، تساعده على تخطي عقبات كبيرة ورثها، وأخرى جديدة وُضعت في طريقه هدفها منعه من تحقيق أي إنجاز داخلي أو خارجي. ولأن الخارج بات مؤثرا جدا في هذه المرحلة التي يمر بها العراق، فإن الرياض أقرب إلى أن تكون فرصة فعلية للعراقيين وليس للكاظمي فقط للمساعدة في تجاوز جزء من عقبات تواجههم على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. فبوسع الرياض إذا حصلت على بعض التطمينات المنطقية أن تقوم بخطوة نوعية نحو تطوير علاقة العراق مع عمقه العربي عامة والخليجي خاصة.

تحديات ما بعد الرياض صعبة ومعقدة، فالقوى المتضررة ليست بوارد التراجع لأنها تدرك جيدا أن مكاسبها باتت مهددة

قبل وصوله إلى الرياض توقف الكاظمي في المحطة الأكثر ألما، خاطب الكويتيين دولة وشعبا بلغة الجار الأقرب إلى الحدود والقلوب، متحدثا بصراحة عن ضرورة طيّ صفحة الماضي، والتطلع إلى بناء مستقبل جديد للعلاقة ما بين البلدين، التي تطلب وفقا لما قاله الكاظمي ورشة عمل واسعة بين البلدين تعالج كافة الأزمات العالقة وتؤسس لبناء الثقة وتعاون مستقبلي على كافة الصعد.

تراهن دول الخليج لأول مرة منذ سقوط نظام صدام حسين على دور الكاظمي في إعادة التوازن في علاقات العراق الخارجية، لكن الأهم إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة العراقية، ففرص الاستثمار الخليجي في العراق ستبقى مرتبطة باستقراره السياسي، واستقراره السياسي مرتبط باستقراره الأمني خصوصا أن الأمن يسبق الاقتصاد، وهذا ما يفرض على الكاظمي استكمال مشروع استعادة المؤسسات وتحريرها من قوى الهيمنة العقائدية التي ستستخدم ما تمتلكه من إمكانيات للحفاظ على امتيازاتها.

تحديات ما بعد الرياض صعبة ومعقدة، فالقوى المتضررة ليست بوارد التراجع لأنها تدرك جيدا أن مكاسبها باتت مهددة والأخطر ردة فعل الجار الشرقي الذي لا يرى جارا غيره للعراق.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.