A man takes pictures with his iPad during the unveiling ceremony of a statue of the late Apple co-founder Steve Jobs at a…
يلتقط صورة لتمثال لستيف جوبز في هنغاريا بجهاز أيباد

هل تساءلت يوما ما إذا كان هناك صفات مشتركة بين أهم المبدعين والمكتشفين في العالم؟ هذا تماما هو موضوع كتاب عالم النفس والبرفسور آدم غرانت في كتابه "الفريدون: كيف يحرك المتمردون العالم". Originals: How Non-Conformist Move the World

الكتاب يفصل بدقة ما يجمع أهم شخصيات العالم في العلم والفن والثقافة والتكنولوجيا وعالم الأعمال والذين كان لهم التأثير الأكبر على مسار البشرية من بيتهوفن وبيكاسو وحتى ستيف جوبز وجيف بيزو. 

من الصفات التي تجمع هؤلاء أنهم فكروا بطريقة إبداعية جديدة غير معهودة بدل أن يعتمد حكمهم على الأمور بناء على نجاحات الماضي أو على ما يعتمده الآخرون. لم يكونوا وحدهم المستفيدين من تفكيرهم خارج القطيع، فقد غيروا تاريخ البشرية بينما ذهب من لم يدرك عبقرتيهم إلى مزبلة التاريخ. 

خذ مثلا الكاتبة البريطانية الشهيرة جي كي راولنغ مؤلفة كتاب هاري بوتر. رفضت بعض دور النشر طباعة الجزء الأول من الكتاب عندما عرضته راولنغ عليهم لأنه لم يطابق المقاييس التقليدية ولكنه عندما نُشر أخيرا بيع منه نسخ بأكثر من خمسة وعشرين مليار دولار (نعم الرقم مليار وليس مليون).

ستيف جوبز زار الهند وتأثر بفلسفة اليوغا والتأمل وعند تصميمه لمنتجاته أراد أن يلهم حتى الصندوق الذي تأتي به المنتجات نوعا من التأمل والهدوء الروحي

ومن الصفات الأخرى التي تجمع عباقرة العالم أنهم وبغض النظر عن تخصصهم، فإن لهم دائما اهتمام بفن ثقافي إبداعي، سواء الموسيقى أو الرسم أو الشعر وما إلى ذلك... الفن يدل على رفاهية الروح وتحليقها في عالم الإبداع، فقد لاحظ الكاتب أن معظم العلماء الذين حازوا على جوائز نوبل في العلوم لديهم هوايات أو اهتمام فني وما كانوا لينجحوا بمجالهم لولا إحساسهم الفني الجمالي الذي ساعدهم على رؤية ما لم يستطيع زملاؤهم أن يروه.  

فتشارلز داروين صاحب نظرية التطور التي غيرت العالم كانت له ذائقة موسيقية رفيعة. أما غالاليو، فلو لم يكن رساما مبدعا لما استطاع أن يدرك أهمية الظلال التي رآها من منظاره لسطح القمر، وقد ساعدته موهبته بالألوان أن يلاحظ ما لم يلاحظه غيره من العلماء الذين ألموا فقط بعلوم الفلك.

الاختلاط بالثقافات الأخرى أيضا كان عاملا مشتركا بين الكثير من المبدعين. معظم المبدعين على مستوى البشرية انتقلوا لأكثر من مدينة وبلد، مما وسع مداركهم وتسامحهم مع الاختلاف وعرضهم لتجارب وأفكار متعددة. 

ستيف جوبز مثلا زار الهند وتأثر بفلسفة اليوغا والتأمل وعند تصميمه لمنتجاته أراد أن يلهم حتى الصندوق الذي تأتي به المنتجات نوعا من التأمل والهدوء الروحي. ستيف جوبز أنجز نقلة نوعية في صناعة الحاسوب والهاتف والموسيقى والأفلام واللوحات الالكترونية. 

ولأن هؤلاء الأشخاص اختلطوا بأفكار كثيرة متباينة ومتعددة، فقد أصبح لديهم القدرة على التمييز بين الأفكار واستيعاب الأصلية منها. الملفت للنظر في ذلك، أن الثقافة الغربية هي في أصلها ثقافة فردية بامتياز، ومع ذلك فقد جاء الإبداع ممن تحدوا أطر الثقافة السائدة في الغرب. 

ويشير الكتاب إلى رغبة الشركات الكبيرة مثل غوغل وأيضا الدول الديمقراطية في استقطاب أكبر عدد من الأفراد المبدعين ممن يأتون بأفكار أصلية، فترى شركة غوغل تحدد لموظفيها أوقاتا ليستكشفوا مشاريع جديدة، فيما تشجع الدول الديمقراطية الإبداع بمنظومة جوائز طائلة لا نهاية لها. لماذا؟ لأن إبداع أفراد مثل هؤلاء يدر على البلد مليارات الدولارات ويساهم في الاقتصاد ويرفع مستوى البلد الثقافي. هذا النوع من الكتب والذي يدرس قصص المبدعين ويحتفي بها يُعد من أهم أصناف الكتب في الغرب. ليس هذا فحسب بل تجد مئات، لا بل آلاف المنتجات الإعلامية من أفلام وراديو وبودكاست تلقي الضوء على هكذا مبدعين. في الواقع هي صناعة كاملة متكاملة تلهم كل من يتداولها.

لا يخلو عالمنا الناطق بالعربية من العباقرة والمبدعين أيضا، حتى لو لم يكن هناك احتفاء مشابه بهم وتقليد عريق بدراسة قصص نجاحهم لضمان استمرارها وتكرارها. لكن هذا لا يعني أن عالمنا العربي خالٍ من الإبداع. فلحسن الحظ، الإبداع لا يميز بين الجنسيات وإن كان بلا شك أكثر عطاء في بلاد تضمن الحريات الشخصية، لذلك ترى المهاجرين إلى الدول الغربية من أصول شرق أوسطية عادة ما ينجحون نجاحا باهرا متى ما اندمجوا في منظومات تحترم حقوقهم وتضمن حرياتهم. ولكن حتى داخل العالم العربي، هناك من يدفع بعجلة التقدم للأمام ولو قليلا وبدون الاهتمام باحتفاء إعلامي.

خذ مثلا مبادرة "رواد التنمية" في الأردن والتي أسسها رجل الأعمال فادي غندور وتديرها سمر دودين. هذه المبادرة والتي تمتد فروعها من الأردن إلى مصر ولبنان وفلسطين، تُظهر فكرا إبداعيا مسؤولا ومهتما بخلق أجيال قد تستطيع أن تنقذ العالم العربي من أزماته الفكرية والاقتصادية. 

ما يميز هذا المبادرة عن غيرها من عشرات بل مئات المنظمات أنها تزرع في أفرادها الصفات التي تخلق أجيالا تحل مشاكل من دون أن تخلق بالضرورة أية مشكلة أمنية سواء محلية أو دولية. 

توفر مبادرة رواد التنمية منحا دراسية للطلاب في مقابل أن يقوم هؤلاء بمبادرات لحل مشاكل في مجتمعاتهم من خلال أعمال تطوعية. سمر دوين مديرة المؤسسة والتي درست الفنون في ولاية كاليفورنيا وحصلت على منح زمالة في أرقى مؤسسات العالم للقيادة والبحث مثل مؤسسة آسبن في الولايات المتحدة وغيرها.. تدرك أيضا أهمية الحس الفني والإبداعي ولذا تقوم بتغذيته في طلاب رواد. عند زيارتي للمؤسسة دهشت من حجم الإبداع الطلابي من رسومات وصناعات محلية وغيرها.

معظم المبدعين على مستوى البشرية انتقلوا لأكثر من مدينة وبلد، مما وسع مداركهم وتسامحهم مع الاختلاف وعرضهم لتجارب وأفكار متعددة

وكذلك يشارك جميع شباب رواد في "دردشات" وهي عبارة عن جلسات تداول أفكار. الفكر الإبداعي الخلاق ينمو مع التحدي وتداول أفكار أخرى بسلمية وتقبل لاختلاف الآخرين. تغذي رواد في شبابها مُثل التعددية والإبداع والعطاء للمجتمع. فادي غندور كان رجلا ذا رؤية متميزة منذ فترة طويلة، فقد كان من أهم المستثمرين في "مكتوب"، أول بريد إلكتروني بالعربي والذي اشترته ياهو YAHOO!. بأكثر من ثمانين مليون دولار.  

صادفت زيارتي للأردن قبل سنتين الاجتماع العام لجميع مدراء رواد في المنطقة فطلبت أن أكون ضمن الحاضرين في الاجتماع. أبهرني أسلوب فادي غندور في القيادة ونوع تعامله مع شباب رواد. أتذكر أنى تمنيت لو هناك آلاف من أمثاله وأمثال سمر دودين، بل عشرات الآلاف.

قصص النجاح هذه وغيرها تتواجد في بلادنا لكن لا يتم الاحتفاء بها وتعميمها، والكتابة عنها كما يحدث في الدول الغربية التي تدرك أهمية نشر قصص النجاح لإلهام الآخرين ليحذوا حذوهم، فترى بلادهم تقفز من اختراع إلى آخر، بينما بلادنا من حروب إلى حروب أخرى. 

في نفس الوقت، ترى مؤسسات حكومية وتعليمية في الكثير من الدول العربية تكرس في المقابل التقليد الأعمى ولا تسمح بأي مثل عليا، بل ولا تقدم في المحصلة سوى قصص حفنة من الرجال قتلوا وسبوا وغنموا وفتحوا بلدانا منذ ألف عام، وهذا بالنسبة لهم قمة المجد والعطاء للبشرية، وفعلا لقد ألهمت قصصهم شباب المسلمين، وعشرات الآلاف منهم حول العالم، ليأتوا للعراق وسوريا ويعيدوا مجد الخلافة من سبي وفتح.

فكيف يا ترى نستطيع كأشخاص أن نخلق نماذج جديدة، ونحتفل بالقدوة البناءة التي يقدمها أفراد فريدون ومؤسسات فريدة من هذا القرن؟

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.