ظريف مع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي
ظريف مع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي

طوال سبعة عشر عاما لم تكن سياسة العراق الخارجية تعبر عن كونها دولة طبيعية تنطلق في علاقاتها مع محيطها الإقليمي والدولي على أساس تحقيق المصلحة الوطنية أولا. ومن مفارقات الخطاب السياسي العراقي الخارجي للحكومات السابقة محاولته تقديم رسائل اطمئنان إلى جواره الإقليمي بأن سياسته الخارجية تعتمد مبدأ الحياد والتوازن بين الأقطاب المتصارعة والمتنافسة.

ويبدو أن صانع القرار كان موهوما بأن العراق "دولة" مؤثرة في التفاعلات الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط ولذلك نجده يكرر بطريقة مملة ذلك الخطاب، في حين يؤكد واقع الحال أن العراق ليس إلا ساحة للصراع بين القوى الدولية والاقليمية. ولا يزال العراق عاجزا عن المبادرة بأن يكون فاعلا في محيطه الإقليمي وليس تابعا. فهو لا يستطيع أن يخرج من دائرة النفوذ الإيراني والتدخلات التركية والخليجية، ولا تعول عليه الولايات المتحدة كحليف استراتيجي.

وعندما يكون الوصف الدقيق للعراق بأنه "دولة هشة" فلا يمكن أن تكون سياسته الخارجية تعمل على وفق مبدأ حفظ سيادة العراق وحدوده! لأن واقع الدولة الهشة يفتقد للممانعة أمام استقطاب صراعات النفوذ التي تدار على أرضه والتي تتعامل مع الجماعات بعناوينها الطائفية والقومية وتتجاهل التعامل الرسمي مع العراق بعنوان "دولة" وليس جماعات وطوائف. والسبب الرئيس هو فقدان ملامح الدولة ومقوماتها في العراق، الأمر الذي ينعكس على إداراتها لعلاقاتها الخارجية. 

ولا تتحمل هشاشة الدولة في العراق وحدها المسؤولية، فالواقع الاقليمي للعراق محكوم بتنافس وصراع بين دول تريد أن تلعب دور الشرطي في منطقة يحكمها منطق الصراع القائم على أساس ايديولوجيات دينية وطائفية وأخرى قومية تسعى لاستعادة أمجادها الامبراطورية. ويعمل ذلك في ظل غياب شبه تام لفاعلية المنظمات الدولية والاقليمية في جمح رغبات الدول المتصارعة على بسط سيطرتها ونفوذها.

وفي أجواء هذه البيئة المتوترة والمتصارعة وواقع الدولة الهشة في العراق، تتجه حكومة الكاظمي إلى زيارة عواصم إقليمية ودولية تبدأ جولتها إلى زيارة الرياض وطهران ومن ثم التوجه نحو واشنطن. ويبدو أن الكاظمي يدرك تماما بأن ترتيب الأوضاع الاقتصادية والأمنية لن تتم من دون إعادة ترتيب الأوراق مع الرياض وطهران قبل تحديد موعد لزيارة البيت الأبيض. 

يحتاج الكاظمي إلى إقناع الرياض أن التماثل الشكلي بالمصالح بين البلدين يتم من خلال الشراكة الاقتصادية فهي الطريق الأنجع في توثيق العلاقات الثنائية بين البلدين. وبذلك يحتاج العراق الانتقال من اللقاءات الدبلوماسية والبروتكولات السياسية إلى تنفيذ مشاريع الشراكة على أرض الواقع. والبداية تكون بتنفيذ المشاريع التي تم الاتفاق عليها في المجلس التنسيقي لتطوير العلاقات بين البلدين الذي انعقد في 2017، ومن أهمها إعادة العمل بمنفذ عرعر مع السعودية ودخول الاتفاقيات بشأن توفير الطاقة للعراق حيز التنفيذ. 

وقبل التفكير بوساطات بين الرياض وطهران، يجب أن تكون الأولوية لدى حكومة الكاظمي هي التركيز على جعل طهران فاعلة ومؤثرة في مساعدة حكومته بجهودها لاستعادة الدولة من الكيانات الموازية، وهذا يحتاج إلى التعاطي المباشر مع من بيده القرار السياسي الخارجي الفعلي في طهران، فالتعامل مع القنوات والمؤسسات الرسمية في طهران يجب أن يقابله تعامل بالمثل. واعتقد أن هذه الورقة الوحيدة التي يمكن للكاظمي أن يربحها في قبال التدخل بعنوان الوساطة وتهدئة الأجواء بين الرياض وطهران، وقد تكون البداية لترسيخ مبدأ التعامل مع العراق باعتباره شريكاً وليس تابعاً. 

ومن دون ترتيب الأوراق والأولويات داخليا وإقليما لن تكون زيارة الكاظمي إلى واشنطن أكثر من محطة لتلقي الرسائل من واشنطن وقبل زيارة البيت الأبيض يجب أن يكون لدى الحكومة خارطة طريق لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني في العراق، فواشنطن تحتاج إلى الاستماع لرؤية حكومة الكاظمي بخصوص الملفات التي تتعلق بحماية تواجدها في العراق والخطوات التي تسعى الحكومة لاتخاذها في مواجهة الجماعات المسلحة التي تهدد تمثيلها الدبلوماسي ومواقعها العسكرية بصواريخ الكاتيوشا. والأهم من ذلك كيف يمكن فك الارتباط بين قرار العراق السياسي والأمني والاقتصادي والتأثيرات الإيرانية؟ 

تدرك حكومة الكاظمي بأن الظروف قد تكون مؤاتية لتوثيق علاقات العراق مع جيرانه، فهو رئيس جهاز المخابرات قبل أن يكون رئيسا للحكومة، ويبدو أنه يملك تصورا كاملا عما تريده دول الجوار من العراق. بيد أنه اليوم أمام اختبار حقيقي لمصداقية الشعار الذي رفعه في بداية تسنمه المنصب (العراق أولا)، فمن رحب بتكليف بالمنصب قد يكون أول من يتخلى عنه في حال لم يثبت قدرته على تحويل شعاراته إلى واقع في السياسة الداخلية والخارجية. لاسيما بعد الانفتاح السعودي على العراق الذي بدأ من حكومة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي واستمر في حكومة عادل عبد المهدي. 

كل هذا القراءات والفرضيات لن تتم إذا لم تكن الحكومة العراقية قادرة على إقناع الأطراف التي تتصارع على توسيع دائرة نفوذها في العراق، بوجود رؤية ونسق سياسي جديد يقوم على أساس مبدأ "العراق أولا"، ولا يمكن أن يبقى ساحة لتصفية الحسابات وإرسال رسائل التهديد. وهذا المبدأ يحتاج أولا وأخيرا بأن تكون الحكومة قوية بعلاقتها مع الشعب وتحقيق مصلحة المواطن وليس الأحزاب والقوى السياسية التي تعلوا ولاءاتها الخارجية على الولاء للعراق. وهنا تحديدا يختصر المفكر المغربي عبد الله العروي هذه السردية بقوله: "إن التشدد على ضرورة تقوية الدولة باستمرار دليل على أنها ضعيفة باستمرار. إذا لم يقنع هذا الدليل الجدلي القارئ، فما عليه إلا أن يلقي نظرة على السياسة الخارجية ليتأكد من نفس النتيجة، لأن المحك الحقيقي لصلابة أية دولة يكمن في علاقاتها مع الخارج".
 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.