A handout picture provided by the Saudi Royal Palace on July 23, 2017 shows Turkish President Recep Tayyip Erdogan (L) shaking…
الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز مستقبلا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال زيارة الأخير للسعودية في العام 2017

خلال العقد الفائت، بدا أن الصراع على "زعامة" العالم الإسلامي، يكاد ينحصر بين دولتين اثنتين: السعودية (عربيا) وإيران (إقليميا)... في هذا الصراع، كان واضحا أن كفّة السعودية هي الراجحة على الدوام، أقله بفعل الغَلَبة العددية للمسلمين السنّة على الشيعة، لكن ذلك لم يمنع إيران، دولة المركز الشيعي، من الاستمرار في المنافسة والتحدي...

امتلكت السعودية عناصر قوة واقتدار أهّلتها للقيام بهذا الدور، فهي تتوفر على عوائد مالية ـ نفطية هائلة، وهي تحتضن أهم مسجدين للمسلمين في مكة والمدينة، وعلاوة على هذا وذاك، فلطالما انتهجت المملكة سياسة أكثر اتزانا وتوازنا في تعاطيها مع الصراعات العربية والإسلامية البينية...

كل هذا تغير الآن، فالإيرادات النفطية في تآكل مستمر، والحضانة السعودية للمسجدين تتعرض لانتقادات حادة من قبل خصومها ومنافسيها، أما دورها الإقليمي، فقد بات يتسبب لها بخصومات وعداوات، لن تجعلها قادرة على مواصلة دورها التقليدي، والأرجح أن هذا الدور، سيتعرض لهزة أقوى، إن حصل الانتقال في السلطة من الجمهوريين إلى الديمقراطيين في انتخابات نوفمبر الرئاسية القادمة في الولايات المتحدة.

وربما من "سوء طالع" زعيمة العالم الإسلامي السنّي، أنها بدأت خلال العشرية الأخيرة، تواجه منافسا قويا على الزعامة، من داخل العائلة السنيّة ذاتها، وبما يجعله تهديدا أشد خطورة على مكانتها...

التقارير المتواترة من اليمن، تتحدث عن بداية "تسلل" تركي إلى هذا البلد، من بوابة تعز ـ مأرب ـ أبين

فمع اندلاع ثورات "الربيع العربي"، وبعد الطفرة الاقتصادية المثيرة للانطباع التي سجلتها تركيا في العقدين الأخيرين، وتفاقم "الطموحات العثمانية" لدى قيادتها ذات المرجعية الإسلامية ـ السنيّة، بدا أن تركيا، أكثر من غيرها من دول منظمة التعاون، مرشحة لقيادة العالم الإسلامي، ومنافسة السعودية على دورها التقليدي.

تكاد أنقرة تشتبك مع الرياض، في مختلف ساحات الصراع والأزمات المفتوحة في الإقليم، من سوريا والعراق، وصولا إلى ليبيا... تركيا تحقق تقدما، وتحفظ مصالحها وتُنمّيها، إن لم يكن بالوسائل والأدوات الناعمة، فبالوسائل والأدوات الخشنة إن اقتضى الأمر...

خرجت السعودية من الأزمة السورية منذ زمن، وأمسكت تركيا بتلابيب شمالها، وهي ركن ركين في مسار أستانا ـ سوتشي، من دون أن تقطع مع مسار جنيف والعلاقة مع واشنطن و"الأطلسي"...

خرجت السعودية من العراق، لتظل إيران لاعبا رئيسا على أرضه، تزاحمها تركيا على ورقتي "السنة والأكراد" سواء بسواء... في ليبيا، كانت المفارقة الكبرى: ألقت السعودية وحليفتيها، مصر والإمارات، بكل ثقلها خلف الجنرال خليفة حفتر، إلى أن جاء التدخل العسكري التركي في يناير هذا العام، ليقلب المشهد رأسا على عقب، وفي أشهر معدودات، وليحدث تبدلا جوهريا في توازنات القوى وديناميكياتها في هذا البلد الغني بنفطه وموقعه الجيوبوليتيكي المميز.

في ليبيا، تبدو تركيا لاعبا رئيسا اليوم، مدعومة من الولايات المتحدة وإيطاليا (إلى حد ما)، وعدد من الأطراف العربية، أهمها قطر وجماعة الإخوان المسلمين، في مواجهة لاعبين آخرين من مثل مصر وروسيا وفرنسا، فيما موائد الحوار والتفاوض في ليبيا وحولها، لن تحتفظ بمقاعد للوفد السعودي حين تلتئم مستقبلا، بعد أن فقدت الرياض قدرتها على التأثير في مسار الأحداث والتقرير بشأنها.

الجديد في التزاحم التركي ـ السعودي، ما نشهده اليوم في اليمن ولبنان، الدولتان اللتان كانتا حتى الأمس القريب، ساحتي نفوذ منفرد للسعودية، أقله في أوساط "أهل السنة والجماعة" فيهما... التقارير المتواترة من اليمن، تتحدث عن بداية "تسلل" تركي إلى هذا البلد، من بوابة تعز ـ مأرب ـ أبين، وتحت مظلة التجمع اليمني للإصلاح (إخوان اليمن المسلمين)، والتقارير ذاتها تكشف عن استخدام تركيا لمزيج من الأدوات الناعمة والخشنة، من الإغاثة والمساعدات، إلى التسليح والتدريب.

تكاد أنقرة تشتبك مع الرياض، في مختلف ساحات الصراع والأزمات المفتوحة في الإقليم، من سوريا والعراق، وصولا إلى ليبيا

في اليمن، كما في ليبيا، وخلافا لسوريا، تستظل تركيا بورقة "الشرعية"، وفي كلتا الحالتين تراهن أنقرة على "حصتها" في هذه "الشرعية": الإخوان، الذين تقول التقارير إنهم ينقسمون إلى تيارين: تركي وسعودي، وبينهما صراع محتدم، تغذيه "الجماعة الأم" بدعواتها المتكررة لفرعها اليمني، لـ"الاستقواء" بالدعم التركي الفاعل، في مواجهة "الباطنية" السعودية، التي تقيم تحالفا مع الإخوان في اليمن، وتستعديهم في كل مكان آخر، فضلا عن ضعف كفاءة المملكة في إسناد الحلفاء ونجدتهم...

تركيا قلبت الموازين في ليبيا في خمسة أشهر، فيما لم تنجح السعودية في حرب السنوات الخمس بإعادة عبد ربه منصور هادي إلى صنعاء، بل وأخرجته من عدن، عاصمة "ملكه السعيد" المؤقتة.

أما في لبنان، فمنذ مدة بدأت ترتفع الرايات التركية فوق أسطح البنايات وفي المسيرات الراجلة والسيّارة بين بيروت وطرابلس والبقاع الغربي، وسط تقارير مؤكدة عن انقسامات داخل "الحريرية السياسية" المحسوبة تاريخيا على السعودية، بين مؤيد لتركيا وموالٍ للسعودية، وثمة معلومات عن توجيه أنقرة لجهود مكثفة من أجل استقطاب الطائفة السنيّة اللبنانية، بعد أن تبدد شملها في الانتخابات الأخيرة، ونخرتها انقساماتها الداخلية، وتآكلت مكانة قيادتها المترددة والمتلعثمة... فهل تطمح تركيا لـ"وراثة" الدور السعودي في لبنان، بوصفها "راعية" للطائفة السنيّة، في مقابل إيران، الحاضنة الإقليمية لـ"الثنائي الشيعي"؟

وإلى جانب التقارير التي تتحدث عن "موسم حجيج" لبناني صامت إلى أنقرة، وأموال تدفع عبر قنوات اجتماعية وإغاثية، ومحاولات لا تهدأ لإحياء "الموروث العثماني" في البلاد، فضلا عن واقعة استهداف إعلامي لبناني انتقد تركيا في ذكرى "المجزرة الأرمنية"، وترحيب الجماعات الدينية السنية بقرار تحويل "آيا صوفيا" من متحف إلى مسجد، وانتقال الصراع بين أجنحة "الحريرية السياسية" من السر إلى العلن، ثمة ما يكفي من المؤشرات الدالّة على أن الدور التركي قادم إلى لبنان، وليس مستبعدا أن نرى إيران وتركيا، تشقان "مسار أستانا -2" لهذا البلد، فيما البحث جارٍ على ما يبدو عن "راعٍ دولي" للمكون المسيحي (غير روسيا)، لتكتمل بذلك "ثلاثية أستانا" وإن بصيغة جديدة.

النجاحات الإقليمية التركية، على صعوبة الاحتفاظ بها وبرغم كلفها الباهظة، تظهر الفارق بين السياستين السعودية والتركية

قبل كل هذه التطورات على مستوى الإقليم وأزماته المفتوحة على احتمالات توسع الدور التركي فيها، كانت أنقرة والدوحة، تسعيان في كسر الاحتكار السعودية لقيادة منظمة التعاون الإسلامي، في هذا السياق، يمكن النظر إلى قمة كوالالمبور (ديسمبر 2019)، بوصفها أكبر وأوضح تحدٍ لزعامة السعودية... القمة جمعت إيران بتركيا وماليزيا وقطر، ولولا ضغوط اللحظة الأخيرة المكثفة، لرأينا عمران خان يمثل بلاده (باكستان) في القمة، وهو الاحتمال الذي ما زال قائما على أية حال.

والحقيقة أن النجاحات الإقليمية التركية، على صعوبة الاحتفاظ بها وبرغم كلفها الباهظة، تظهر الفارق بين السياستين السعودية والتركية، إن على مستوى الإرادة والتصميم وطول النفس والمرونة، أو على مستوى التخطيط طويل الأجل فضلا عن تفاوت القدرات المؤسسية لكل منهما...

تركيا، العضو الفاعل في "الأطلسي" تحتفظ بأوثق العلاقات مع إيران والولايات المتحدة، وعلاقتها بروسيا ضربا من "الزواج الكاثوليكي"، وهي قادرة على الإبقاء على "شعرة معاوية" حتى مع ألد خصومها السياسيين في المنطقة (حوارات فنية مع القاهرة حول ترسيم الحدود البحرية، وتبادل تجاري نشط مع إسرائيل)، وهذا ما تفتقده السياسة السعودية التي جنحت في السنوات الخمس الأخيرة للمغامرات غير المحسوبة، واعتمدت سياسة "من ليس معنا فهو ضدنا"، ودخلت في حرب مفتوحة مع أطراف عديدة، داخلية وخارجية، شلّت قدرة المملكة على القيام بدور قيادي فاعل، لا في العالمين العربي والإسلامي فحسب، بل وحتى في إطار مجلس التعاون الخليجي ذاته، والذي بات منقسما على نفسه، ومتمردا على "زعامته التاريخية".

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.