An elderly woman raises a Lebanese national flag behind riot police during clashes with anti-government protesters amidst a…
خلال التظاهرات ضد السلطة والفساد في بيروت

يشير نسيم طالب (مؤلف البجعة السوداء) إلى أن مبدأ "قوة اللامتوقع"، الذي يكاد يصبح مفهوما علميا، ينطبق على الميدان الاجتماعي والديني: "إن الأشخاص غير المتسامحين، بمعنى الأقلية المتشددة، يفرضون قانونهم على الآخرين، تحديدا بفضل تشددهم نفسه. ذلك أن التغاضي غير المحدود، وبدلا من أن يقود نحو التسامح، نجده يفضي إلى القضاء على التسامح".

وهذه حالنا في لبنان مع "حزب الله" الذي تُرك على هواه بقوة الوصاية السورية، فصادر "المقاومة" لحسابه الخاص، ثم استخدمها سلاحا للهيمنة على لبنان، بعد حرب "لو كنت أعلم" وانتصاراتها الإلهية (حرب يوليو 2006). فوصلنا إلى ما نحن فيه من إفلاس وفقر ودولة فاشلة.

حتى في عز الحرب الأهلية، لم يعرف لبنان هذا المستوى من الانهيار الشامل لجميع قطاعاته ومرافقه. إنه لأمر في منتهى الغرابة أن يجوع الناس ويموتون على أبواب المستشفيات وتقفل المدارس وتنعدم الخدمات الأساسية وتفلس الدولة بعد 20 عاما على التشدق بالتحرير وبالاقتصاد المقاوم.

وصلنا إلى هذه الحال بفضل الجهود الدؤوبة في تفخيخ المجتمع اللبناني وتجويف نظامه بتغاضي اللبنانيين وتسامحهم تحت شعارات من مثل: العيش المشترك والاستقرار والسلم الأهلي.

وإذا كانت "المقاومة" أوصلتنا إلى هنا؟ فما هو الاحتلال إذن؟

لم يعد من حق "حزب الله" الاحتفاظ بسلاحه بعد الانسحاب الإسرائيلي، إذ تحولت وظيفة الحزب في الداخل إلى وضع اليد على لبنان لمصلحة دولة أجنبية

اغتيل جورج حاوي في يونيو عام 2005 عندما بدأ يلوّح بالكشف عن دور سوريا في عمليات الاغتيال التي طالت المقاومين المنتمين إلى جبهة المقاومة الوطنية "جمّول" التي ولدت في 16 من سبتمبر 1982 إثر الاجتياح الاسرائيلي. أطلقها جورج حاوي ومحسن إبراهيم. لكنها تحولت لاحقا إلى جبهة وطنية واسعة ذات طابع شعبي وعسكري متنوع شكل مظلة لقوى وأحزاب ومجموعات مستقلة متعددة الانتماءات لا يغلب عليها طابع طائفي أو سياسي محدد.

يشير الياس عطاالله، الذي قاد تجربة جبهة المقاومة عسكريا، في مقابلة معه في العام 2016 إلى أن ولادتها عنت الخروج من زواريب الحرب الأهلية للتركيز على تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي حصرا، دون أن تهدف لأي تغيير سياسي أو للسيطرة على النظام.

نفذت العملية الأولى ضد الإسرائيليين في 20 سبتمبر في بيروت، وتوالت العمليات بشكل شبه يومي حتى العام 1987 وخلال هذه الحقبة حصل انسحابان إسرائيليان، الأول إلى صيدا والثاني في فبراير 1985 إلى الشريط الحدودي. يعني عمليا تحررت معظم الأراضي اللبنانية المحتلة. بقي الشريط الحدودي الخاضع للاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1978.

نشأ "حزب الله" في مطلع الثمانينيات على يد "الحرس الثوري الإيراني" وظل سريا إلى أن أعلن عن نفسه رسميا في 16 فبراير 1985، ملتزما في بيانه التأسيسي "بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه، وفي آية الله الموسوي الخميني"، حيث شارك في قتال إسرائيل، وفي العام 2000 أعلنت إسرائيل الانسحاب من طرف واحد. وظل الحزب وسوريا رافضين للانسحاب إلى أن اختلقوا ذريعة مزارع شبعا التي لم تعترف سوريا بلبنانيتها للإبقاء على ربط النزاع قائما.

انتشرت تقارير مؤخرا تشير أن الانسحاب الإسرائيلي الأحادي جاء كنتيجة لتفاهمات إقليمية ودولية. وجاءت قمة مبادرة السلام العربية 2002 على خلفيتها.

فما المهام التي أنجزتها "المقاومة" إذن طوال هذه السنوات؟

انهمكت منذ البداية بالقضاء على المقاومة الوطنية بمساعدة سوريا، التي طلبت في عام 1985 من جبهة المقاومة الوطنية أن تحل نفسها لمصلحة "حزب الله" بشكل واضح ومباشر. وعندما رفضت بدأت عمليات الاغتيال، مع خليل نعوس وشملت نحو 25 كادرا سياسيا وعسكريا. عملية الاضطهاد هذه مكنت الحزب عمليا من إلغاء "جبهة المقاومة اللبنانية الوطنية".

النشاط المهم الآخر كان تأطير الطائفة الشيعية وتزوير ثقافتها، بتغاضٍ من الدولة اللبنانية الخاضعة للنفوذ السوري. وصار معلوما الآن أن "حزب الله" نجح في تغيير البيئة الداخلية اجتماعيا وثقافيا وسياسيا وديمغرافيا وعقاريا حتى تخوم البيئات الأخرى إلى أن قفز فوق الحدود بنفس النهج والخطة.

يتنكر "حزب الله"، محتكر لقب المقاومة والمنكّل باللبنانيين باسمها، لواقع أن المقاومة لم تستمر إلا بدعم الحكومة والشعب اللبناني بجميع مكوناته. وأنها شُرِّعت بالاعتراف الدولي بها كمقاومة بفضل الجهود الكبيرة التي بذلها الشهيد رفيق الحريري، فتوصل إلى اتفاق نيسان 1996 الذي أحدث توازنا في الصراع اللبناني الإسرائيلي وأكد على دور الدولة اللبنانية كطرف أساسي في المفاوضات وحق لبنان بتحرير أرضه.

نفس النكران حصل أثناء حرب 2006. بذلت الحكومة، برئاسة فؤاد السنيورة، جهدها للتوصل إلى القرار 1701 ومنعت وضعه تحت البند السابع معتبرة أن معالجة سلاح الحزب يتم بالتفاهم الداخلي. فما كان منه إلا أن حوّل الحكومة من مقاومة إلى عميلة في ظرف أيام معدودة متنكرا للإقرار الذي وقّعه وتحمل فيه مسؤوليته عن الحرب.

لقد استغل "حزب الله" "طربوش المقاومة" للسيطرة على السياسية الداخلية وإضعاف بنية النظام فحوّل لبنان إلى ساحة للصراعات الإقليمية دون موافقة الحكومة، فعزله عن محيطه العربي والعالم جاعلا منه مجرد ورقة ضغط بيد إيران لحماية نفسها.

سبق أن كتبت عن سياسة إيران المزدوجة، التي تتصرف تارة كدولة وتارة كثورة. "حزب الله" يتصرف بازدواجية مماثلة في لبنان؛ فيمتلك باسم المقاومة أجهزة وأعتدة أمنية وعسكرية تخدم أجندته الخاصة العابرة للحدود بمعزل عن إرادة الشعب والحكومة، ويسمح لنفسه بالقيام بنشاطات أمنية وعسكرية وتجارة غير مشروعة على طول الكرة الأرضية وعرضها. بل استخدم سلاحه لترهيب الداخل ففرض الرئيس وقانون الانتخاب والحكومة ليصبح مكونا أساسيا في الحكم والحكومة؛ بينما يعلن أن تمويله وولاءه وسلاحه إيراني وخاضع لإيران.

تعرّف وثيقة "مفهوم الإرهاب والمقاومة" المقاومة كالتالي: "هي استخدام مشروع لكل الوسائل بما فيها القوة المسلحة لدرء العدوان، وإزالة الاحتلال والاستعمار، وتحقيق الاستقلال، ورفع الظلم المسنود بالقوة المسلحة، بوصفها أهدافا سياسية مشروعة، وهو ما يتفق مع القانون الدولي وتؤيده الشريعة الإسلامية".

الأوقات القادمة صعبة، لنصلّ، لا من أجل أن نكون بمأمن من المخاطر، بل حتى لا نعرف الخوف حين نواجهها

بحسب هذا التعريف لم يعد من حق "حزب الله" الاحتفاظ بسلاحه بعد الانسحاب الإسرائيلي، إذ تحولت وظيفة الحزب في الداخل إلى وضع اليد على لبنان لمصلحة دولة أجنبية، مع الأحكام التي صدرت وستصدر عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. إضافة إلى مباشرته حروبا خارجية لمصلحة إيران وافتضاح نشاطاته في تجارة المخدرات. لقد تحول من "مقاومة" إلى إرهاب كما تعرفه نفس الوثيقة المذكورة: "استخدام غير مشروع للعنف أو تهديد باستخدامه ببواعث غير مشروعة، يهدف أساسا إلى بث الرعب بين الناس، ويعرض حياة الأبرياء للخطر، سواء أقامت به دولة أم مجموعة أم فرد، وذلك لتحقيق مصالح غير مشروعة، وهو بذلك يختلف كليا عن حالات اللجوء إلى القوة المسلحة في إطار المقاومة المشروعة".

تجربة "مقاومة حزب الله" أساءت لمفهوم المقاومة نفسه وربطته بالإرهاب ما يسيء إلى نضالات حركات التحرر المحقة.

إن أي أمل للخروج من المأزق اللبناني لن يتم إلا بالمطالبة باعتراف دولي بحياد لبنان قانونيا بمساعدة من الشرعية الدولية لملاقاة جهود البطريرك الماروني والفاتيكان. وإلى أن يتحقق ذلك تمارس سياسية التحييد بحسب ما جاء في إعلان بعبدا.

لم يعد من متسع للتسامح غير المحدود مع المتشددين لأنهم يقضون على العيش المشترك نفسه. والمطلوب أمام هذا الامتحان أن نكون متشددين وغير متسامحين مع المتصلبين الخارجين عن الشرعية. وإلا سننجرف جميعا إلى التعصب والعنف الذي يمهدون له جراء اتهام بعض المناطق به لشيطنتها على غرار شيطنتهم لعرسال.

الأوقات القادمة صعبة، لنصلّ، لا من أجل أن نكون بمأمن من المخاطر، بل حتى لا نعرف الخوف حين نواجهها، بحسب روبندرونات طاغور.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.