ذلك العالم القديم، الذي كان مُتخماً بكل أشكال العنف والذكورة والقوة المحضة، كان يستند على ترسانة من أدوات الهيمنة العرقية والدينية والطائفية
ذلك العالم القديم، الذي كان مُتخماً بكل أشكال العنف والذكورة والقوة المحضة، كان يستند على ترسانة من أدوات الهيمنة العرقية والدينية والطائفية

ثمة تطابق تفصيلي بين شبكة التدخلات العسكرية والأمنية ونوعية العلاقات السياسية التي تتفاعل فيها تركيا مع محيطها الإقليمي، وبين ما كانت عليه أحوال الدولة العثمانية قبل أكثر من قرن كامل. هناك أشكال من الخطابات والتوازنات والنزعات والأدوات والأدبيات السياسية والعسكرية التي تسلكها تركيا راهناً، مطابقة لما كانت عليه السلطنة العثمانية، بالذات خلال سنواتها الأخير، حتى أن الباحثين المختصين بالشؤون التركية المعاصرة صاروا مُلزمين بمعرفة تفصيلية عن علم التاريخ التركي/العثماني. 

تتدخل تركيا في ليبيا وشرق المتوسط بزخم منقطع النظير، وكأنها مسألة حياة أو موت بالنسبة لها، مستعيدة حروب الأساطيل القديمة، بينها وبين الممالك الإيطالية واليونانية والفرنسية طوال قرون، الذي أضيف له الصراع المصري العثماني منذ زمن محمد علي باشا، في أوائل القرن التاسع العشر، وهو يُستعاد راهناً تفصيلاً.

تهدد تركيا "جارتها" أرمينيا، ليس دفعاً عن نفسها، بل فقط مناصرة لجار آخر، هو دولة أذربيجان، لرابط قومي/عرقي بين شعبي الدولتين، وفقط لذلك السبب!!، شيء يشبه لطم وجه الحاضر بكتلة من الدماء والذكريات والمجازر التي ارتكبتها الدولة العثمانية بحق أبناء الأرومة الأرمنية، لأسباب مثل هذه بالضبط، قبل قرن من الآن.
على جنبات ذلك، تتمدد تركيا عسكرياً في إقليم كردستان العراق، وتتهيأ لاستقرار مديد هناك، وتصعد من الخطابات القومية التي تدعي بأن ولاية الموصل القديمة هي جزء "شرعي" من تركيا، حسب الميثاق الملي. لا تتوقف تركيا عن ربط المناطق السورية التي تحتلها بنفسها، اقتصاديا ورمزيا وسياسيا، وكأنها عملية ضم وتبعية شاملة، مثلما كانت تفعل في أزمنة "الفتوحات". تمارس حروبا رمزية في كل حين، تغير من سمة متحف آيا صوفيا مثلاً، تهدد الأوروبيين بملايين المهاجرين، وتهيئ الحياة العامة لزعامة عائلية وأبدية لأردوغان. 

كل تلك التفاصيل، ومثلها ما يصعب إحصائه، هو عود قهقري إلى ماضٍ كان يُعتقد بأن تلاشى، بسقوط الإمبراطورية العثمانية القروسطية، وانبعاث الكيانات الحديثة، بما في ذلك تركيا نفسها.

 ذلك العالم القديم، الذي كان مُتخماً بكل أشكال العنف والذكورة والقوة المحضة، كان يستند على ترسانة من أدوات الهيمنة العرقية والدينية والطائفية، لعنصر مركزي في مجتمعات منطقتنا، هُم الأتراك المسلمون السُنة الأحناف من سكان الأناضول، على كُل ما يحيط بهم، من مناطق وكيانات وشعوب وأعراق وأديان ومذاهب ونزعات سياسية. الذي تحطم، وبتحطمه انبثقت عوالم دولنا الحديثة، التي تملك اشكالاً أكثر عدالة وتوازناً، ولو نسبياً، بين مختلف التكوينات المجتمعية والسياسية والعرقية والدينية والطائفية لشعوب منطقتنا.

 كانت الحرب العالمية الأولى قد انتهت على شكل مساومة كبرى بين المنتصرين –بريطانيا وفرنسا- وبين ورثة الإمبراطورية العثمانية المنهزمة، من القوميين الأتاتوركيين. تلك المساومة التي خُطت في اتفاقية لوزان عام 1923، كبديل عن معاهدة سيفر عام 1919، كان جوهرها تفصيلين صغيرين: يقوم الأول على تخلي الأتاتوركيين عن كل النزعات السياسية والعسكرية الإمبراطورية التي كانت للدولة العثمانية، وأن يكتفوا بالعيش داخل حدودهم الوطنية الراهنة، كدولة مدنية وطنية "طبيعية". مقابل ذلك، تعترف الدول المنتصرة بهم كحلفاء مُقربين، وبهيمنتهم على تلك الجغرافيا، وأن يغضوا النظر عن الفظائع التي ارتكبوها بحق الأرمن والسريان والأكراد واليونان، طوال عقد الحرب الطويل والدامي، التي مُحقت فيها شعوب كاملة، وأن لا يناصروا أي من تلك الشعوب التي مُحقت حقوقهم، وأحياناً وجودهم. 

ما يحدث راهناً، هو تخلي تركيا عن التام عن الخلاصة والتفصيل البسيط الأول الذي أنهى الحرب وقتئذ.    
***
الطبيعة السياسية والروحية لحزب العدالة والتنمية هي دافع أولي نحو إحياء مثل تلك الأشياء. فهذا الحزب في جوهره، ينتمي إلى ذلك التيار التركي التقليدي الذي كان يعترض على الأتاتوركية، بروحها الوطنية ورمزيتها العلمانية. ذلك التيار الديني/القومي المحافظ الذي مثلته الكثير من أحزاب وتيارات يمين الوسط في تركيا، لكنها جميعا كانت تتمركز حول رؤية تقول بأن مصدر ثراء وقوة ومركزية العنصر التركي في منطقة الشرق الأوسط متأتية من تبني تلك النزعة الإمبراطورية الإسلامية "السُنية"، وأن الأتاتوركية التي تسعى لحجر تركيا في الحدود الجغرافية الحديثة، أنما هي تحطيم لعنصر القوة ذاك. حزب العدالة والتنمية سليل تقليدي لجماعة الإخوان المُسلمين، تلك الجماعة التي انبعثت أساساً كتيار رافض لإلغاء الخلافة والسلطنة، وبالتالي الإمبراطورية العثمانية. 
إلى جانب ذلك، فأن إحياء ذلك العالم القديم، بأدواته وديناميكيات فعله، يُلبي حاجة أردوغان تماماً، كسياسي عقائدي وشعبوي في الآن ذاته.

فهي تسمح له بتحقيق تطلعاته وخيالاته الذاتية حول شخصه، كزعيم سياسي قروسطي، شبيه وندٍ لنظراء مثل بوتين وخامنئي.

كذلك فأنها تمده بمصادر اقتصادية ومالية غير قليلة، تستر فشل مشروعه الاقتصادي الداخلي، وتعثر أية وعود تنموية كان يقوم عليها برنامجه السياسي التقليدي. 

فوق ذلكم، فأنها تدفع عنه الكثير من المماحكات السياسية الداخلية، مثل انتقادات المعارضة لفساد عائلته، أو تعثر مسألة المصالحة الكردية، من خلال إغراق تركيا بكم هائل من الملفات والصراعات "الوهمية"، التي بكل وهميتها، تظهر للجمهور التركي وكأنها كثيرة المس بالأمن القومي التركي.  
 
***
طوال العقد الأخير، كان أردوغان والمقربون منه، في الحلقة العائلية والحزبية الضيقة المحيطة به، يشاهدون ويحسدون قدرات النظام الإيراني على التمدد في كل بقاع المنطقة، الذين كانوا يشيدون شكلاً من الإمبراطورية الفارسية القديمة، وإن مشوهة البُنيان، ومعتمدة على حروب مذهبية ضروسة. أغلب الظن أنهم قرروا تقليد ذلك في كل تفصيل، ولم يكن لهم من معين في ذلك الدرب مثل إحياء الديناميكيات والخبرات القديمة للسلطنة العثمانية. 

لكن ذلك ما كان له أن يحدث، لولا تفاصيل تتعلق بالتحولات الكيانية الخاصة بكل دولة من دول المنطقة، وما يناظرها من آليات للعلاقات الدولية، حدثت جميعها في نفس الفترة. 

فتركيا اليوم مستفيدة تماماً من تحطم المجال الوطني في كل دولة تتدخل فيها، من سوريا والعراق إلى ليبيا، مروراً بمحيطها القوقازي والبلقاني. التفاصيل الداخلية في هذه البلدان تشبه زمن المماليك المرير، الذي على تفتت بناه قامت السلطنة العثمانية، ملبية حاجة المجتمعات المتحطمة جراء صراعات المماليك، فالدولة العثمانية كانت شديدة المركزية ومرهوبة الجانب. 

على نفس المنوال، تستفيد تركيا من تفاقم الصراع الطائفي في المنطقة، الذي يعززه النظام الإيراني وأدواته منذ أكثر من ربع قرن، فتمنح تركيا مركز الند الوظيفي، المتكامل والمتحالف والمستفيد فعلياً وعمليا من مثل تلك النزعة. شيء مطابق لما حدث قبل قرون كثيرة، أثناء الصراع/التكامل الصفوي العثماني. 

أخيراً، لم يكن لتركيا القدرة على إحياء كل ذلك العالم القديم، الذي ستدفع كل مجتمعات المنطقة، والعالم، أثمانه البالغة، لولا تفتت القوى العالمية التي كانت ترعى تقليدياً التوازنات بين القوى الإقليمية والكيانات الأصغر في منطقتنا، بالذات كانت تضبط الجموح الإيراني والتركي التقليديان للاستيلاء على المنطقة. فالولايات المُتحدة التي احتلت المكانة التقليدية التي كانت لكل من فرنسا وبريطانيا، كانت مخولة على الدوام للممارسة مثل ذلك الضبط، وهي لم تعد تفعل ذلك، فتمارس تركيا ما تُمارس. 

 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.