نَسْمعُ كثيرا من المَعْنيّين بالتحليل المعرفي: الاجتماعي ـ النفسي ـ الثقافي، أن أحدَ أهمَّ أدوات قياس وعي الشعوب ـ أفرادا وجماعات ـ، ومستواها في التحضّر/ التقدم هو ملاحظة مدى الالتزام بنظام المرور في السير؛ من قِبَل قائدي المركبات ومن الراجلين معا. فبمجرد إلقاءك نظرة على الطريقة التي تُدار بها المركبات في الفضاء العمومي، وعلى طريقة تعاطي السائرين/ الراجلين معها، تعرف ـ بهذا المشهد العلني/ بهذا التجليّ العيني للمضمر ـ ما يدور في دهاليز العقول.
السلوك الذي يبدو أمامك، وخاصة المتكرّر بوتيرة واحدة، ليس سلوكا عشوائيا، ليس مجموعة مصادفات عابرة معزولة عن طرائق التفكير التي تحكم نظام الوعي الفردي، ومنه ـ وإليه ـ نظام الوعي الجمعي. فحتى الفوضى التي يُمكن رصدها وملاحظتها بفضل عنصر التكرار، لها نظامها الخاص، أي لها منطقها الخاص، الذي ينتمي إلى نمط من أنماط التفكير.
عندما تجد الفوضى والعشوائية واللاّمبالاة مجدولة بالارتباك مع مسارات يكون الرهان فيها على الحياة (كما في نظام المرور مثلا)، فلا شك أنك أمام تخلّف عقلي يطال الوعي الجمعي، ومن قبله ـ بالضرورة ـ الوعي الفردي.
عندما تجد العدوانية هي التي تحكم مجمل نظام السير، وأن الأفضلية ـ عُرْفا ـ للأجْرَأ/ للأكثر عدوانية، فاعلم أنك أمام مجتمع عدواني/ غير قانوني؛ مهما كثرت فيه نصائح السلام الوعظية؛ ومهما كثرت وتعددت فيه الأنظمة والقوانين.
عندما تجد الازدحامات المرورية العامة التي تتشكّل بفعل مجموع السلوكيات الفردية، وهي تخلق اختناقاتها وتأزّماتها، فاعلم أن كل فرد في خطوط السير المتفاضلة لا يرى المسارات إلا من خلال رغباته الفردية، أي لا يرى المصلحة الفردية إلا من خلال المصلحة الفردية الآنية المباشرة حصرا، ولا يستطيع رؤيتها في إطار نسق عام يجعل مصلحة الفرد مشروطة ـ على نحو غير مباشر ـ بمصلحة جميع الأفراد.
إنها ليست سلوكيات عشوائية، ولا يمكن أن تكون كذلك؛ ما دامت تتكرر كـ"ظاهرة"؛ تتكرر عناصرها بشكل مطرّد. إنها قناعات راسخة في مدى أجيال، وبعضها يمتد في عمق التاريخ لعشرات القرون. وإذا كان شاعرنا الجاهلي/ زهير بن أبي سلمى قد قال في معلقته قبل 1500 عام:
ومَنْ لم يَذد عن حوضه بسلاحه يُهدّم ومن لا يَظلم الناسَ يُظْلمِ
قاله يحكي نظام العلاقات الاجتماعي/ السياسي في الزمن الجاهلي الذي كان فيه العرب قبائلَ تفترس قبائلَ (أو بلغة نزار: عناكبٌ أكلت عناكب) فإن هذا المنطق/ هذا العرُف الجمعي لم يمت، بل هو حاضر وبقوة رغم تخفّيه خجلا أو مراوغة . إنه يتجلى في مسارات أخرى غير مسارات الصّراع بالسلاح؛ بعد أن احتكرت الدولة الوطنية الحديثة العنف المسلح المشروع، فذادت عن حياض الجميع، ومنعت التظالم بقوة القانون. وبالتالي، اضطر هذا المنطق الجاهلي إلى التجلي في سياق الممكن: في سياق علاقات أقلّ حدّة، ولعل أهمّها نظام السير المروري في العالم العربي، حيث لا يتجلىّ الوعي بنظام الأفضلية المروري المعمول به في العالم أجمع، وإنما التجلي الأمثل لمنطق شاعرنا القديم: "ومن لا يظلم الناس يظلم" !
وإذا كان السلوكيات الاعتيادية التي يكشفها النظام المروري في دورته الطبيعية (أي اليومية المكرورة) تُعْطينا صورة واضحة عن نظام الوعي المجتمعي (المتضمن ضرورة لوعي الأفراد) فإن ملاحظة السلوكيات العامة للأفراد والجماعات والمؤسسات في الأزمات، في حالات الطارئ، في أزمنة الحروب والكوارث الطبيعية والأوبئة تُلقي ضوءا كاشفا على مناطق معتمة لم تُكتشف بعد، مَناطِق تنطوي على مكونات غير متوقعة، مناطق يعجز المسار الطبيعي للحياة ـ بهدوئه وانسيابيته ـ عن إبرازها للعلن؛ بحيث تكون قابلة للقراءة والتحليل.
قديما، كان بعض الحكماء يختبر صدق الأصدقاء، ويمتحن وفاء الأخلاء، بإخراجهم ـ بالغضب ـ عن سياق وضع الصداقة الطبيعي. ففي تصورهم أن الوضع الطبيعي/ السلمي/ الهادئ يجعلنا نرى الصداقة في كل من نتوهّمهم أصدقاء. لهذا، عمد هؤلاء إلى إغضاب الأصدقاء بأية حادثة مفتعلة؛ وحينئذٍ، عند الاستفزاز/ عند الخروج عن الحالة الطبيعية/ الاعتيادية، تبرز الأخلاق العميقة الراسخة، تنكشف حقائق النفوس المدفونة تحت سطح المجاملات وعلاقات الأنس والمسامرة، أو حتى علاقات الاستنفاع المادي والرمزي. سيُظْهر الصديق الغاضب رأيه الحقيقي فيك، سيَظْهر على حقيقته؛ إما نبيلا وإما لئيما؛ هل سيفشي الأسرار بعد تضعضع بنيان الصداقة ؟ هل سيحاول الإضرار بك بمحكم معرفته بكثير من الأسرار؟...إلخ السلوكيات الكاشفة التي يتعذر رصدها في المسار الطبيعي/ الاعتيادي لعلاقات الأصدقاء.
الآن، وبظهور وباء كورونا/ الفيروس الصيني باتت الفرصة سانحة لقراءة/ تحليل أنماط السلوك، ومنه الكشف عن طبيعية الوعي. وبحكم أن هذا الوباء، ليس أزمة مجتمع، بل ولا أزمة دولة أو منطقة، بل ولا هو أزمةٌ خاصة بفئة/ طبقة من هذا العالم ( أي ليس خاصا بـ: مرضى ـ فقراء ـ أميين ـ مناطق فوضى)، وإنما هو أزمة عالمية عامة، تطال كل فرد في هذا العالم، وبالتالي تُجْبِر الجميع (كل فرد، كل أسرة، كل مجتمع، كل دولة، كل مؤسسة/ منظمة) على رد فعل ما. وطبيعي أن رد الفعل هذا ليس عشوائيا (حتى وإن بدا كذلك)، بل هو نتاج قناعات عميقة حاكمة للسلوك على المستويين: الشعوري واللاّشعوري.
بدا الوعي العام، وخاصة في المجتمعات التقليدية، على صورة وعي خُرافي. منذ البداية، الخرافة دخلت على خط رؤية الأزمة، فضلا عن طرق التعامل مع الوباء. في بدايات ظهور الوباء في الصين، انتفض الوعي الخرافي ليقول إن هذا الوباء عقوبة من الله للصين خاصة؛ جراء انتهاكهم حقوق المسلمين (= أقلية الإيغور)، وعندما أخذ الوباء يتفشى في إيطاليا وإيران على نحو حاد؛ ظهر الوعي الخرافي ليقول إنه عقوبة للشيعة وللمسيحيين، وعندما انتشر الوباء كجائحة عالمية لا تستثني أحدا؛ ظهر الوعي الخرافي ليقول إنه عقوبة للبشرية جمعاء؛ لأن الجميع مستحق للعقاب الإلهي بسبب ما انتشر من الفسوق والعصيان، فضلا عن الكفر والإلحاد !
ولا يقتصر الوعي الخرافي على التسبيب، أي على التعليل السببي للمرض، بل يتعدى ذلك إلى سُبُلِ التعاطي معه وقاية وعلاجا. ظهر الوعي الخرافي دائما وكأنه يتعمّد معاندة العلم كِفَاحا. فابتداء من الزعم أن الوباء من أوله إلى آخره مجرد وَهْمٍ لا حقيقة له على أرض الواقع، إلى الزعم بأنه مجرد عَرَضٍ مرضي تافه لا يستحق الانتباه؛ فضلا عن الاستنفار وإعلان حالات الطوارئ، وصولا إلى الزعم بأنه مجرد عارض صحي طبيعي تكفي بعض المأكولات الشعبية أو بعض الفواكه للوقاية منه ابتداء، وللتعافي منه بعد الإصابة به انتهاء.
أما الوعي الانغلاقي المتخم بمقولات المؤامرة (والذي هو ليس بعيدا عن الوعي الخرافي، بل هو تنويع عليه؛ بشكل مباشر أو غير مباشر) فقد وجد الفرصة سانحة في هذه الجائحة للتعبير عن مقولاته، ولتأكيدها ـ من خلاله ـ لصالح مواقع / مواضيع مؤامراتية أخرى. وهي ـ في جميع الأحوال التي يتمثلها الوعي المؤامراتي ـ مؤامرات تستهدف الذات من قبل آخر ما؛ حتى ولو كانت بعض منطلقاتها تآمراً بين آخرين يقعون خارج نطاق الذات؛ لأنهم ـ في النهاية ـ ليسوا بأفعالهم خارج المجال الحيوي للذات.
في الوعي المؤامراتي الذي طفح على السطح بقوة، تبدو الصين ـ وخاصة في البدايات ـ متآمرة على الغرب تحديدا، تريد تدميره بتدمير اقتصادياته لتنفرد بقيادة العالم اقتصاديا، ومن ثم قيادته عسكريا وسياسيا. وبما أن الوعي المؤامراتي ليس بريئا من الوعي الخرافي، فلن يستطيع الخرافي رؤية العالم (في دينامية شبكة علاقاته المتنوعة) كما هو، بل يكتفي بتأكيد مسارات المؤامرة التي يكتشفها بحدسه المرهف الذي غاب عن كبار محللي مراكز الأبحاث والدراسات العالمية. ليست المعلومة هنا هي فقط ما يفتقده الوعي المؤامراتي الذي يمتاز بفقر معرفي مُدْقِع، بل هو هذا الفقر مضافا إليه مُخَلّفات الوعي الانغلاقي التي تتخذ "نظرية المؤامرة" مِتْراسا لها لتأكيد كل مقولاتها المُعزِّزة لروح الانغلاق.
وحيث الوعي المؤامراتي هو منظومة حلقات متداخلة، يُعَزِّز بعضها بعضا، ويُحِيل بعضها إلى بعض، فلن تكون الصين دائما هي الجاني/ المتآمر، بل سيَجْنَح فريق مؤامراتي آخر (وربما هو الفريق الآخر الذي يؤكد احتمالية المؤامرة من جهتين؛ من باب "الموضوعية" وعدم الانحياز) إلى جعل الوباء/ الجائحة مؤامرة غربية/ أمريكية تحديدا على الصين؛ لقمع المارد الصيني، وإجهاض اقتصاده الذي بدأ يهدد النفوذ الغربي على أكثر من صعيد. هكذا، تتحول الصين من النقيض إلى النقيض بجرة قلم: من جان/ متآمر (يفترض بالقائل أنه يمتلك عشرات الأدلة، أو على الأقل عشرات القرائن الدالة على التآمر القصدي) إلى مجني عليه، كما يتحول الغرب من مجني عليه، مستهدف بالعدوان، إلى جان/ متآمر يحمل الحقد الأعمى على كل ناجح، ولا يرى نجاحه إلا بتدمير الآخرين.
الوعي المؤامراتي من حيث هو وعي خرافي، ومن حيث هو جهل مجاني (أي لا يحتاج مُمَارسه إلى جهد، ولا حتى لتلفيق "الأدلة") يتناسل تلقائيا بمستوى مجانية الجهل الذي يشتغل عليه/ به. وهكذا، بعد تآمر الصين على الغرب، ثم تآمر الغرب على الصين، يصبح الغرب والصين في سياق تحالف سري تآمري، يعلن العداء ظاهرا؛ بينما هو يستهدف بقية العالم، العالم المستغفل الذي سيقع في فخ الخدعة الكبرى. فهي خدعة الدول الصناعية الكبرى التي تقود الإنتاج العالمي لبقية العالم/ المستهلكين (يغيب عن هذا الوعي أن دول الإنتاج الأولى هي ذاتها دول الاستهلاك الأولى؛ لأن القدرة الشرائية لديها أقوى).
يستمر الوعي المؤامراتي في التناسل، حتى يقول إنها ليست مؤامرة العالم الصانع/ المنتج: الصين والغرب، على العالم المستهلك، بل هي مؤامرة كل العالم على المسلمين تحديدا، وبتحديد أكبر، هي مؤامرة عالمية على شرائع المسلمين في أظهر تجلياتها: الصلاة والحج. ففي هذا المنطق الغائب وعيا: العالم؛ بنشره هذا الوباء حقيقة، أو بنشره؛ كوهم له قوة الحقيقة، يقصد تعطيل الصلوات في المساجد، وتعطيل الحج كاجتماع إسلامي أممي عام.
ويصل الأمر بالوعي المؤامراتي إلى ما أهو أشد إيغالا في جنون المؤامرة؛ ليؤكد أن هذا الوباء وَهْمٌ، والحكومات الإسلامية تعرف أنه وَهْمٌ، ولكنه ـ بتحالف تآمري مع الغرب والشرق ـ تستغله للتحكّم بشعوبها، بل ـ وهذا منطق بعضهم ! ـ لتُبْعِد هذه الشعوب عن فرائض دينها (ما أقوله هنا كنماذج على مسارات جنون الوعي الجمعي، ليس تخيّلا عنهم، بل منطق بعضهم المعلن، المتردد في أوساط جماهيرهم الشعبوية، ولا تسل: كيف لا يرون العالم كله معطلا، كيف يكون العالم كله مشلولا؛ فتصورهم أصلا عن العالم تصور محدود جدا إلى درجة انعدام الرؤية تماما).
أخيرا، ليس خداع الذات بتكذيب تقارير مراكز البحوث ونصائح وزارات الصحة على امتداد العالم أجمع؛ كرغبة في التحلل من أعباء الالتزام الوقائي، هو أقل ما يكشفه هذا الوباء من أعطاب نظام الوعي الجمعي. فهذا الخداع إذْ لا يَنْفكّ عن مسارات التفكير الرغبوي، وإذْ يتغذى من ضعف إرادوي رهيب، يكشف عن كون الإنسان ـ في سياق هذا الوعي ـ ابن لحظته المباشرة المحسوسة؛ بقدر ما هو أسير ذاكرةٍ قصيرة جدا، بل وبلا ذاكرة أحيانا. إنه محدود القدرة على رؤية المستقبل في احتمالاته الواسعة المُتَقررّة علميا. وأكثر من ذلك: هو لا يرى إلا ما يتوهمّ أنه يراه؛ من حيث هو يريد أن يراه. وبهذا تتحوّل الأوهام التي تخلقها الرغبات والأهواء الصبيانية في الوعي الخرافي إلى يقينٍ بات يفصل في خيارات مصيرية: الصحة والمرض/ الموت والحياة.

