عندما تجد العدوانية هي التي تحكم مجمل نظام السير، وأن الأفضلية ـ عُرْفا ـ  للأكثر عدوانية، فاعلم أنك أمام مجتمع عدواني غير قانوني
عندما تجد العدوانية هي التي تحكم مجمل نظام السير، وأن الأفضلية ـ عُرْفا ـ للأكثر عدوانية، فاعلم أنك أمام مجتمع عدواني غير قانوني

نَسْمعُ كثيرا من المَعْنيّين بالتحليل المعرفي: الاجتماعي ـ النفسي ـ الثقافي، أن أحدَ أهمَّ أدوات قياس وعي الشعوب ـ أفرادا وجماعات ـ، ومستواها في التحضّر/ التقدم هو ملاحظة مدى الالتزام بنظام المرور في السير؛ من قِبَل قائدي المركبات ومن الراجلين معا. فبمجرد إلقاءك نظرة على الطريقة التي تُدار بها المركبات في الفضاء العمومي، وعلى طريقة تعاطي السائرين/ الراجلين معها، تعرف ـ بهذا المشهد العلني/ بهذا التجليّ العيني للمضمر ـ ما يدور في دهاليز العقول. 

السلوك الذي يبدو أمامك، وخاصة المتكرّر بوتيرة واحدة، ليس سلوكا عشوائيا، ليس مجموعة مصادفات عابرة معزولة عن طرائق التفكير التي تحكم نظام الوعي الفردي، ومنه ـ وإليه ـ نظام الوعي الجمعي. فحتى الفوضى التي يُمكن رصدها وملاحظتها بفضل عنصر التكرار، لها نظامها الخاص، أي لها منطقها الخاص، الذي ينتمي إلى نمط من أنماط التفكير.  

عندما تجد الفوضى والعشوائية واللاّمبالاة مجدولة بالارتباك مع مسارات يكون الرهان فيها على الحياة (كما في نظام المرور مثلا)، فلا شك أنك أمام تخلّف عقلي يطال الوعي الجمعي، ومن قبله ـ بالضرورة ـ الوعي الفردي.

عندما تجد العدوانية هي التي تحكم مجمل نظام السير، وأن الأفضلية ـ عُرْفا ـ للأجْرَأ/ للأكثر عدوانية، فاعلم أنك أمام مجتمع عدواني/ غير قانوني؛ مهما كثرت فيه نصائح السلام الوعظية؛ ومهما كثرت وتعددت فيه الأنظمة والقوانين. 

عندما تجد الازدحامات المرورية العامة التي تتشكّل بفعل مجموع السلوكيات الفردية، وهي تخلق اختناقاتها وتأزّماتها، فاعلم أن كل فرد في خطوط السير المتفاضلة لا يرى المسارات إلا من خلال رغباته الفردية، أي لا يرى المصلحة الفردية إلا من خلال المصلحة الفردية الآنية المباشرة حصرا، ولا يستطيع رؤيتها في إطار نسق عام يجعل مصلحة الفرد مشروطة ـ على نحو غير مباشر ـ بمصلحة جميع الأفراد.    

إنها ليست سلوكيات عشوائية، ولا يمكن أن تكون كذلك؛ ما دامت تتكرر كـ"ظاهرة"؛ تتكرر عناصرها بشكل مطرّد. إنها قناعات راسخة في مدى أجيال، وبعضها يمتد في عمق التاريخ لعشرات القرون. وإذا كان شاعرنا الجاهلي/ زهير بن أبي سلمى قد قال في معلقته قبل 1500 عام:
ومَنْ لم يَذد عن حوضه بسلاحه      يُهدّم ومن لا يَظلم الناسَ يُظْلمِ

قاله يحكي نظام العلاقات الاجتماعي/ السياسي في الزمن الجاهلي الذي كان فيه العرب قبائلَ تفترس قبائلَ (أو بلغة نزار: عناكبٌ أكلت عناكب) فإن هذا المنطق/ هذا العرُف الجمعي لم يمت، بل هو حاضر وبقوة رغم تخفّيه خجلا أو مراوغة . إنه يتجلى في مسارات أخرى غير مسارات الصّراع بالسلاح؛ بعد أن احتكرت الدولة الوطنية الحديثة العنف المسلح المشروع، فذادت عن حياض الجميع، ومنعت التظالم بقوة القانون. وبالتالي، اضطر هذا المنطق الجاهلي إلى التجلي في سياق الممكن: في سياق علاقات أقلّ حدّة، ولعل أهمّها نظام السير المروري في العالم العربي، حيث لا يتجلىّ الوعي بنظام الأفضلية المروري المعمول به في العالم أجمع، وإنما التجلي الأمثل لمنطق شاعرنا القديم: "ومن لا يظلم الناس يظلم" !  

وإذا كان السلوكيات الاعتيادية التي يكشفها النظام المروري في دورته الطبيعية (أي اليومية المكرورة) تُعْطينا صورة واضحة عن نظام الوعي المجتمعي (المتضمن ضرورة لوعي الأفراد) فإن ملاحظة السلوكيات العامة للأفراد والجماعات والمؤسسات في الأزمات، في حالات الطارئ، في أزمنة الحروب والكوارث الطبيعية والأوبئة تُلقي ضوءا كاشفا على مناطق معتمة لم تُكتشف بعد، مَناطِق تنطوي على مكونات غير متوقعة، مناطق يعجز المسار الطبيعي للحياة ـ بهدوئه وانسيابيته ـ عن إبرازها للعلن؛ بحيث تكون قابلة للقراءة والتحليل. 

قديما، كان بعض الحكماء يختبر صدق الأصدقاء، ويمتحن وفاء الأخلاء، بإخراجهم ـ بالغضب ـ عن سياق وضع الصداقة الطبيعي. ففي تصورهم أن الوضع الطبيعي/ السلمي/ الهادئ يجعلنا نرى الصداقة في كل من نتوهّمهم أصدقاء. لهذا، عمد هؤلاء إلى إغضاب الأصدقاء بأية حادثة مفتعلة؛ وحينئذٍ، عند الاستفزاز/ عند الخروج عن الحالة الطبيعية/ الاعتيادية، تبرز الأخلاق العميقة الراسخة، تنكشف حقائق النفوس المدفونة تحت سطح المجاملات وعلاقات الأنس والمسامرة، أو حتى علاقات الاستنفاع المادي والرمزي. سيُظْهر الصديق الغاضب رأيه الحقيقي فيك، سيَظْهر على حقيقته؛ إما نبيلا وإما لئيما؛ هل سيفشي الأسرار بعد تضعضع بنيان الصداقة ؟ هل سيحاول الإضرار بك بمحكم معرفته بكثير من الأسرار؟...إلخ السلوكيات الكاشفة التي يتعذر رصدها في المسار الطبيعي/ الاعتيادي لعلاقات الأصدقاء.

الآن، وبظهور وباء كورونا/ الفيروس الصيني باتت الفرصة سانحة لقراءة/ تحليل أنماط السلوك، ومنه الكشف عن طبيعية الوعي. وبحكم أن هذا الوباء، ليس أزمة مجتمع، بل ولا أزمة دولة أو منطقة، بل ولا هو أزمةٌ خاصة بفئة/ طبقة من هذا العالم ( أي ليس خاصا بـ: مرضى ـ فقراء ـ أميين ـ مناطق فوضى)، وإنما هو أزمة عالمية عامة، تطال كل فرد في هذا العالم، وبالتالي تُجْبِر الجميع (كل فرد، كل أسرة، كل مجتمع، كل دولة، كل مؤسسة/ منظمة) على رد فعل ما. وطبيعي أن رد الفعل هذا ليس عشوائيا (حتى وإن بدا كذلك)، بل هو نتاج قناعات عميقة حاكمة للسلوك على المستويين: الشعوري واللاّشعوري.

بدا الوعي العام، وخاصة في المجتمعات التقليدية، على صورة وعي خُرافي. منذ البداية، الخرافة دخلت على خط رؤية الأزمة، فضلا عن طرق التعامل مع الوباء. في بدايات ظهور الوباء في الصين، انتفض الوعي الخرافي ليقول إن هذا الوباء عقوبة من الله للصين خاصة؛ جراء انتهاكهم حقوق المسلمين (= أقلية الإيغور)، وعندما أخذ الوباء يتفشى في إيطاليا وإيران على نحو حاد؛ ظهر الوعي الخرافي ليقول إنه عقوبة للشيعة وللمسيحيين، وعندما انتشر الوباء كجائحة عالمية لا تستثني أحدا؛ ظهر الوعي الخرافي ليقول إنه عقوبة للبشرية جمعاء؛ لأن الجميع مستحق للعقاب الإلهي بسبب ما انتشر من الفسوق والعصيان، فضلا عن الكفر والإلحاد !

ولا يقتصر الوعي الخرافي على التسبيب، أي على التعليل السببي للمرض، بل يتعدى ذلك إلى سُبُلِ التعاطي معه وقاية وعلاجا. ظهر الوعي الخرافي دائما وكأنه يتعمّد معاندة العلم كِفَاحا. فابتداء من الزعم أن الوباء من أوله إلى آخره مجرد وَهْمٍ لا حقيقة له على أرض الواقع، إلى الزعم بأنه مجرد عَرَضٍ مرضي تافه لا يستحق الانتباه؛ فضلا عن الاستنفار وإعلان حالات الطوارئ، وصولا إلى الزعم بأنه مجرد عارض صحي طبيعي تكفي بعض المأكولات الشعبية أو بعض الفواكه للوقاية منه ابتداء، وللتعافي منه بعد الإصابة به انتهاء.  

أما الوعي الانغلاقي المتخم بمقولات المؤامرة (والذي هو ليس بعيدا عن الوعي الخرافي، بل هو تنويع عليه؛ بشكل مباشر أو غير مباشر) فقد وجد الفرصة سانحة في هذه الجائحة للتعبير عن مقولاته، ولتأكيدها ـ من خلاله ـ لصالح مواقع / مواضيع مؤامراتية أخرى. وهي ـ في جميع الأحوال التي يتمثلها الوعي المؤامراتي ـ مؤامرات تستهدف الذات من قبل آخر ما؛ حتى ولو كانت بعض منطلقاتها تآمراً بين آخرين يقعون خارج نطاق الذات؛ لأنهم ـ في النهاية ـ ليسوا بأفعالهم خارج المجال الحيوي للذات.   

في الوعي المؤامراتي الذي طفح على السطح بقوة، تبدو الصين ـ وخاصة في البدايات ـ متآمرة على الغرب تحديدا، تريد تدميره بتدمير اقتصادياته لتنفرد بقيادة العالم اقتصاديا، ومن ثم قيادته عسكريا وسياسيا. وبما أن الوعي المؤامراتي ليس بريئا من الوعي الخرافي، فلن يستطيع الخرافي رؤية العالم (في دينامية شبكة علاقاته المتنوعة) كما هو، بل يكتفي بتأكيد مسارات المؤامرة التي يكتشفها بحدسه المرهف الذي غاب عن كبار محللي مراكز الأبحاث والدراسات العالمية. ليست المعلومة هنا هي فقط ما يفتقده الوعي المؤامراتي الذي يمتاز بفقر معرفي مُدْقِع، بل هو هذا الفقر مضافا إليه مُخَلّفات الوعي الانغلاقي التي تتخذ "نظرية المؤامرة" مِتْراسا لها لتأكيد كل مقولاتها المُعزِّزة لروح الانغلاق.

وحيث الوعي المؤامراتي هو منظومة حلقات متداخلة، يُعَزِّز بعضها بعضا، ويُحِيل بعضها إلى بعض، فلن تكون الصين دائما هي الجاني/ المتآمر، بل سيَجْنَح فريق مؤامراتي آخر (وربما هو الفريق الآخر الذي يؤكد احتمالية المؤامرة من جهتين؛ من باب "الموضوعية" وعدم الانحياز) إلى جعل الوباء/ الجائحة مؤامرة غربية/ أمريكية تحديدا على الصين؛ لقمع المارد الصيني، وإجهاض اقتصاده الذي بدأ يهدد النفوذ الغربي على أكثر من صعيد. هكذا، تتحول الصين من النقيض إلى النقيض بجرة قلم: من جان/ متآمر (يفترض بالقائل أنه يمتلك عشرات الأدلة، أو على الأقل عشرات القرائن الدالة على التآمر القصدي) إلى مجني عليه، كما يتحول الغرب من مجني عليه، مستهدف بالعدوان، إلى جان/ متآمر يحمل الحقد الأعمى على كل ناجح، ولا يرى نجاحه إلا بتدمير الآخرين.    

الوعي المؤامراتي من حيث هو وعي خرافي، ومن حيث هو جهل مجاني (أي لا يحتاج مُمَارسه إلى جهد، ولا حتى لتلفيق "الأدلة") يتناسل تلقائيا بمستوى مجانية الجهل الذي يشتغل عليه/ به. وهكذا، بعد تآمر الصين على الغرب، ثم تآمر الغرب على الصين، يصبح الغرب والصين في سياق تحالف سري تآمري، يعلن العداء ظاهرا؛ بينما هو يستهدف بقية العالم، العالم المستغفل الذي سيقع في فخ الخدعة الكبرى. فهي خدعة الدول الصناعية الكبرى التي تقود الإنتاج العالمي لبقية العالم/ المستهلكين (يغيب عن هذا الوعي أن دول الإنتاج الأولى هي ذاتها دول الاستهلاك الأولى؛ لأن القدرة الشرائية لديها أقوى). 

يستمر الوعي المؤامراتي في التناسل، حتى يقول إنها ليست مؤامرة العالم الصانع/ المنتج: الصين والغرب، على العالم المستهلك، بل هي مؤامرة كل العالم على المسلمين تحديدا، وبتحديد أكبر، هي مؤامرة عالمية على شرائع المسلمين في أظهر تجلياتها: الصلاة والحج. ففي هذا المنطق الغائب وعيا: العالم؛ بنشره هذا الوباء حقيقة، أو بنشره؛ كوهم له قوة الحقيقة، يقصد تعطيل الصلوات في المساجد، وتعطيل الحج كاجتماع إسلامي أممي عام. 

ويصل الأمر بالوعي المؤامراتي إلى ما أهو أشد إيغالا في جنون المؤامرة؛ ليؤكد أن هذا الوباء وَهْمٌ، والحكومات الإسلامية تعرف أنه وَهْمٌ، ولكنه ـ بتحالف تآمري مع الغرب والشرق ـ تستغله للتحكّم بشعوبها، بل ـ وهذا منطق بعضهم ! ـ لتُبْعِد هذه الشعوب عن فرائض دينها (ما أقوله هنا كنماذج على مسارات جنون الوعي الجمعي، ليس تخيّلا عنهم، بل منطق بعضهم المعلن، المتردد في أوساط جماهيرهم الشعبوية، ولا تسل: كيف لا يرون العالم كله معطلا، كيف يكون العالم كله مشلولا؛ فتصورهم أصلا عن العالم تصور محدود جدا إلى درجة انعدام الرؤية تماما).  

أخيرا، ليس خداع الذات بتكذيب تقارير مراكز البحوث ونصائح وزارات الصحة على امتداد العالم أجمع؛ كرغبة في التحلل من أعباء الالتزام الوقائي، هو أقل ما يكشفه هذا الوباء من أعطاب نظام الوعي الجمعي. فهذا الخداع إذْ لا يَنْفكّ عن مسارات التفكير الرغبوي، وإذْ يتغذى من ضعف إرادوي رهيب، يكشف عن كون الإنسان ـ في سياق هذا الوعي ـ ابن لحظته المباشرة المحسوسة؛ بقدر ما هو أسير ذاكرةٍ قصيرة جدا، بل وبلا ذاكرة أحيانا. إنه محدود القدرة على رؤية المستقبل في احتمالاته الواسعة المُتَقررّة علميا. وأكثر من ذلك: هو لا يرى إلا ما يتوهمّ أنه يراه؛ من حيث هو يريد أن يراه. وبهذا تتحوّل الأوهام التي تخلقها الرغبات والأهواء الصبيانية في الوعي الخرافي إلى يقينٍ بات يفصل في خيارات مصيرية: الصحة والمرض/ الموت والحياة. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.