الشراكة الخليجية مع الصين تحتاج إلى رؤية أوسع كي لا تكون مصدر تهديد واضطراب بدل التهدئة والسلام
الشراكة الخليجية مع الصين تحتاج إلى رؤية أوسع كي لا تكون مصدر تهديد واضطراب بدل التهدئة والسلام

إن طبيعة الشراكة الخليجية مع الولايات المتحدة باتفاقية الأمن مقابل النفط، قد تغيرت، خاصة بعد التحولات التي قامت بها إدارة باراك أوباما، خلال ما يسمى بـ"الربيع العربي"، والالتفاف على الشركاء التقليديين بدعم تركيا و"الإخوان"، وتسليم العراق وسوريا ولبنان واليمن لإيران، مقابل توقيعها للاتفاق النووي.

كل هذه المتغيرات حفزت دول الخليج على توزيع تحالفاتها الدولية مع قوى متصاعدة عالمياً مثل الصين، فاليوم تتنافس بكين على اتفاقيات عسكرية ونفطية مليارية وكذلك إقامة محطات نووية في دول الخليج.

إن توزيع التحالفات الدولية أمر في غاية الأهمية، خاصة بعد التغييرات التي طرأت في السياسة الخارجية للولايات المتحدة إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبعد ذلك، وبشكل أكبر، في عهد الرئيس السابق أوباما حين اتخذت السياسة الأميركية اتجاها معاكسا عن السياسة التقليدية منذ عهد فرانكلين روزفلت، بابتعادها عن الشركاء التقليديين.

لكن التحالف مع دول أخرى مثل الصين لا بد أن يحلل بشكل أعمق كي لا يشكل حجر عثرة في طريق الأمن الوطني بدل أن يكون انسجاما محتملا مع نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب. فالمتتبع للدبلوماسية الصينية يجد أنها تتميز في استخدام الشراكة الاستراتيجية، كبديل عن التحالفات. فهي بنية هرمية من العلاقات، هدفها الأساسي تلبية واسعة للمصالح الصينية على المستويين الإقليمي والدولي، لكن هذه المصالح تكون أحيانا على حساب أمن ومصالح الدول الشريكة وهذا ما يجب أن تتنبه إليه دول الخليج العربية. 

لقد تطورت الشراكات الاستراتيجية الشاملة لدى السعودية والإمارات مع الصين، وعينت كل منهما مسؤولاً كبيرًا لتنسيق العلاقات الثنائية.  ففي عام 2016، أنشأت السعودية والصين لجنة مشتركة رفيعة المستوى، برئاسة كل من ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، ونائب رئيس الوزراء آنذاك تشانغ جيلي وبعد تقاعده حل محله هان زينغ، الذي كُلف أيضاً بالملف السعودي.

من الجانب الإماراتي، تم تعيين خلدون خليفة المبارك، الرئيس التنفيذي لشركة مبادلة، كأول مبعوث رئاسي خاص للصين في عام 2018، وعينت الصين يانغ جيتشي، وزير الخارجية السابق والعضو الحالي في اللجنة المركزية للمكتب السياسي ومدير مكتب مفوضية الشؤون الخارجية، كممثل خاص.

هذه الشراكات الاستراتيجية الشاملة لها عدة دلالات، فكون العلاقات الثنائية يتم تنسيقها من قبل هؤلاء المسؤولين الكبار، يشير إلى الأهمية التي توليها كل حكومة لهذه الشراكات. كما أن إنشاء آليات رسمية لإضفاء الطابع المؤسساتي على الشراكات هو دليل آخر على نهج منظم لتطوير علاقات مستدامة طويلة الأمد.

وكما قال ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد آل نهيان، خلال زيارته الرسمية للصين عام 2019: "يعمل الجانبان على إرساء ركائز لخريطة طريق للمئة عام المقبلة". 
كل هذا الكلام يبدو سليما ومنطقيا للغاية، لكن هذا التفاؤل يصطدم مع الخطوة الأكثر دراماتيكية التي اتخذتها الصين حالياً بتعاونها العسكري والاقتصادي والأمني الذي أعلنت عنه مؤخراً مع إيران. وبحسب تقارير إعلامية، وقعت بكين وطهران اتفاقية شراكة شاملة طويلة الأمد على مدى السنوات الـ 25 المقبلة، وتقول الحكومة الشيوعية الصينية إنها ستستثمر مليارات الدولارات في إيران.

هذه الاتفاقيات ليست فقط ضد السياسة الأميركية، بل أيضا الخليجية التي تعتبر النظام الإيراني التهديد الأساسي لأمنها الوطني.  فالاتفاقيات العسكرية بين إيران والصين في المحيط الهندي هي تطور سيأخذه الجيش الأميركي بأكبر قدر من الجدية، والذي سيقوي نفوذ إيران في جميع أنحاء المنطقة.  كما أن هذه الاتفاقيات ستشكل مصدر قلق لدول الخليج لأنها تنص على تأسيس قواعد عسكرية مشتركة في الخليج وبحر عمان والمحيط الهندي. كذلك تتعهد الصين تأسيس معامل إنتاج أسلحة صينية على الأراضي الإيرانية، مما يعفيها من مواجهة أي مشاكل مع العقوبات الدولية أو الأميركية خلال تزويد إيران بالسلاح. كذلك من ضمن الاتفاقيات، ستساعد الصين الإيرانيين في إعادة بناء مراكزهم النووية، ومن ضمنها مفاعل أراك للماء الثقيل حسب الاتفاق النووي

وكما أفادت مصادر بأن طهران ستعطي الصين امتيازات كبيرة لتغيير طريق الحرير الشهير الذي خصصت له بكين مبلغ خمسة آلاف مليار دولار ليمر عبر إيران بدل الجزيرة العربية.  ومن هذه الامتيازات، أن تضمن إيران مدّ وتأمين الطريق الذي يشمل خطَّ سكة حديد من مينائي بندر عباس وشابهار الإيرانيين إلى البحر الأبيض المتوسط عبر العراق وسوريا.

أما في المجال الثقافي، فقد اتفق البلدان على تأسيس مراكز ثقافية تروج للغتيهما، كما ستقوم جامعة المصطفى التابعة للحوزة العلمية في مدينة قم بتأسيس مراكز تعليم وتثقيف ديني في المناطق المسلمة في الصين، وستسمح الصين لهذه الجامعة بترويج التشيع في تلك المناطق. وحسب المصدر، فإن جامعة المصطفى سوف تقوم بإعطاء ألف وخمسمئة منحة تعليمية لطلاب العلوم الدينية من الصينيين كي يدرسوا في الحوزات العلمية في إيران كل عام ويعودوا إلى الصين للترويج للفقه الشيعي بين المسلمين هناك.

ما أبرمته الصين من اتفاقيات مع إيران من شأنه أن يثير عدم الاستقرار وتدهور الأمن في المنطقة وخاصة الخليج، فإيران تستخدم حروب الوكالة من خلال ميليشياتها لدفع الدول الأخرى في المنطقة إلى اتباع أجندتها السياسية، متخذة من الأيديولوجية الدينية سلاحا لتحقيق مآربها. وهذه الاتفاقيات ستعزز تصميم إيران على توسيع أنشطتها في المنطقة، ما سيزيد احتمال تصعيد التوترات.  وبالرغم من أن الصين موقعة على شراكات استراتيجية شاملة مع دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، لكن يبدو أنها غير آبهة بأمن الخليج، فمصالحها فوق أي اعتبار حتى لو تضرر الطرف الآخر.

لذلك سيكون من الصعب على دول الخليج الاستمرار في عقد صفقات كبرى مع الصين، في الوقت الذي تقيم فيه بكين علاقات اقتصادية وعسكرية متقدمة مع إيران، مهددة بذلك أمن تلك الدول الوطني. فشراكات دول الخليج مع الصين لا بد أن تكون مشروطة بالتزامات أمنية صينية تجاه الدول الشريكة وتكون داعمة لمواقف السعودية والإمارات من إيران وتركيا كخصمين إقليميين.

لقد اختارت دول الخليج أن تنفتح على شراكة أوسع مع الصين في سياق استراتيجية جديدة تقوم على تنويع الشركاء وعدم رهن مصالحها إلى شريك واحد مثل الولايات المتحدة، لكن تحتاج هذه الشراكة إلى رؤية أوسع حتى لا تكون مصدر تهديد واضطراب بدل التهدئة والسلام.   

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.