ولكن «الجامعة» اليوم هي منبر خطابي دون من يصغي إليه، عاجز عن التعبير عن مصالح موضوعية
ولكن «الجامعة» اليوم هي منبر خطابي دون من يصغي إليه، عاجز عن التعبير عن مصالح موضوعية

الفاعلون في السياسة العالمية صفّ أول، أي الدول الفاعلة والمؤثرة في العالم بأسره، وصفّ ثاني، وهي الدول الفاعلة والمؤثرة في جوارها، ثم صف ثالث، وهي الدول ذات التأثير المحدود، المفتقدة للرؤية الطويلة الأمد. وما عدا ذلك دول مفعول بها. يخلو المحيط العربي من دول الصف الأول والثاني، بل يبدو تصنيف بعض دوله على أنها من الصف الثالث محدود الصلاحية.

شهد العالم، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، توالي ثلاث مراحل  في هيئة المنظومة الدولية وترتيب العلاقات بين البلدان.

الأولى كانت المواجهة، الباردة في إطارها العام والساخنة في زواياها، بين «العالم الحر»، الولايات المتحدة وسائر الدول الغربية، وبين «المعسكر الاشتراكي»، روسيا باسم الاتحاد السوڤياتي وما حصّلته من سلطان. عنوان هذه المرحلة الأولى كان افتراض التكافؤ بين الجانبين، نتيجة نجاح موسكو بامتلاك السلاح القاضي، والذي وضعها على قدم المساواة مع واشنطن في التهديد بنهاية متساوية بالخراب للجانبين، وكذلك نتيجة التوظيف الفعّال للتوجهات الثورية على مدى العالم الثالث، الخارج للتوّ من الاستعمار الفجّ والباحث عن صيغة ارتقاء.

المرحلة الثانية ابتدأت بالسقوط المدوي للمنظومة الاشتراكية، وانكشاف وهم التوجهات الثورية، والتي انتجت، بما يقارب الحصرية، النظم السلطوية المستنزفة لموارد المجتمعات التي زعمت تحريرها. فكانت القناعة المبيته بانتصار غربي وما صاحبها من وعد بالعولمة، أي تعميم النموذج الغربي القائم على الحكم التمثيلي الخاضع للمساءلة داخلياً وللمتابعة خارجياً، وعلى حرية، تنازلياً، في حركة الأفكار والمال والسلع والأشخاص. المعترضون والمتضررون من العولمة، شعبويون، يساريون قوميون، منغمسون بصراع الحضارات، كانوا كثر، بل إن رفضهم للعولمة جعل من علو طرحها يتراجع بعد عقد ونيف وحسب، بعد أن دامت المرحلة السابقة أربعة عقود ونصف، ١٩٤٥-١٩٩٠.

فالتأسيس لمرحلة ما بعد العولمة ابتدأ في ولاية الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش، بعد أن تراجعت أسهم من دعا إلى الزخم الإقدامي في تطبيقها، أي المحافظين الجدد، وانتقال الرؤية الاستراتيجية الأميركية من السعي إلى  تولي دور القوة الفائقة السائسة للعالم، إلى إدارة التخلي الأميركي عن هذا الدور، انطلاقاً من استتباب القناعة، في أعقاب الارتباك في أفغانستان وفشل التصور في العراق، أن في الأمر استنزاف للولايات المتحدة يفوق ما تستجمعه من مصلحة في دور «شرطي العالم». والأهم هو أن الإصرار على هذا الدور، باتفاق وجهات النظر المتنافسة في واشنطن، من شأنه أن يعرقل الانتقال المرتقب والمطلوب إلى مرحلة جديدة يبقى الدور الطليعي فيها للولايات المتحدة، إنما في إطار منظومة متعددة الأقطاب.

فالخلاف بين الإدارات الأميركية المتعاقبة، بوش الابن فأوباما ثم ترامپ، ليس على الشكل النهائي للمرحلة التالية، أي عالم متعدد الأقطاب تتصدره الولايات المتحدة، بل هو كيفية بلوغ هذا الترتيب وماهية مضمونه من حيث توزيع النفوذ.

فبوش الابن في ولايته الثانية، مع انتقال مركز الثقل في إدارته من المحافظين الجدد إلى الواقعيين، كان لا يزال مثقلاً بالسياسة المتجاوزة للأطر الدولية القائمة، بعد اتهامه للأمم المتحدة وسائر المؤسسات الدولية بالبلادة الإدارية والفساد، فاقتصرت رؤيته لمرحلة ما بعد العولمة على تقليص لإطارها دون الغوص في النظريات.

والمفارقة أن الرئيس السابق أوباما، رغم اعتزازه بالانضواء الظاهر ضمن المنظومة الدولية، وتوقيعه المعاهدات والاتفاقيات، هو من أرسى الأسس النظرية للتخلي الفعلي عن العولمة، ببعض الخجل في مطلع عهده، من خلال الحديث عن استثنائية أميركية توازن بين القيم والمصالح، وإن «مؤجلة»، أي مقتصرة على النظرية دون التطبيق، وصولاً إلى إقراره بعد أعوام بأن المصلحة هي ما يحدّد المسار، وتخليه الضمني عن معظم الزخم باتجاه تعزيز مقومات النظام العالمي المعولم.

بل يصحّ القول بأن الاختلاف، بالإجمال دون التفاصيل، في توجه السياسة الخارجية لأوباما وترامب يختلف وحسب بالتورية التي لجأ إليها الأول إلى حد النفاق، والصراحة التي اعتمدها الثاني إلى درجة الفجاجة.

فالمرحلة الثالثة، والتي يعيشها العالم اليوم، لم تبلغ مقومات الاستقرار، أي أنها تبقى انتقالية، من عولمة مبتورة بالقوة الأحادية، إلى ترتيب جديد متعدد الأقطاب لم تتضح معالمه بعد.

السجال، أو التجاذب، ضمن الصف الأول عالمياً، هو بين أربعة أطراف. الطرف الأول هو الولايات المتحدة، والتي رغم ما يظهر على رئيسها الحالي من اعتباطية، تبقى القوة الأولى حاضراً ومستقبلاً، المستشفة لمن ينافسها، الصين تحديداً، والعاملة على ضبط إيقاع صعود هذا الخصم الشريك. الثاني هو الصين نفسها بمقومات ضخمة استجمعتها على مدى العقود الماضية، ولكن بهشاشة في أكثر من موضع، ولا سيما في العلاقة بين السلطة والمجتمع. الثالث هو روسيا، الهابطة اقتصاداً وقدرة على التأثير من حيث الموارد، ولكن الناجحة بفعل قيادة صارمة ورصيد قوة ضاربة، في الاحتفاظ بمركز عالمي في الهيبة والتأثير لا ينسجم للتوّ مع حجم اقتصادها. والرابع هو الاتحاد الأوروپي، والذي انتقل بصيغته من أن يكون القدوة والنموذج لسائر التحالفات الإقليمية، إفريقيا، جنوبي شرقي آسيا، أميركا الجنوبية، إلى مجموعة تحديات تتطلب الانكفاء والانطواء وتحطم الزخم السابق.

موقع المحيط العربي، بمكوناته المختلفة، في القراءات الاستراتيجية لهذه الأطراف الكبيرة ثانوي موضوعياً، وإن ثابر على الظهور والبروز الإعلاميين نتيجة عوامل ذاتية. ضبط أسعار النفط، وإمكانية التعويل على الأرصدة التي استجمعتها بعض دول المنطقة من الأمور التي تبقى قائمة، وإن على الهامش، بالنسبة للولايات المتحدة. على أن أمن إسرائيل هو الشأن الأكثر أهمية، لاعتبارات يمتزج فيها الداخلي بالخارجي، والمصلحة بالقيم. أما التعاطي مع إيران أميركياً، فملف أصيل، كما كوريا الشمالية، لخروج كل من البلدين عن الالتزام بقواعد التعامل الدولي. فمن شأن إيران الاحتجاج قدر ما شاءت أنها تحترم الاتفاقات، غير أن اختراقها لدول جوارها خارج إطار شرعية هذه الدول، هو نقض لا يمكن تجاوزه من وجهة نظر أميركية.

فالرؤية الاستراتيجة الأميركية للأمن الوطني تضع في الواجهة الصين وروسيا كغريمين، ثم كوريا الشمالية وإيران كدولتين مارقتين تهددان الاستقرار العالمي، ومن ثم ما عدا ذلك من مخاطر ومحاذير، بما في ذلك الإرهاب الجهادي. وفي حين أن توقيع الصين وإيران على أسس شراكة بعيدة الأمد يلوّح بدخول صيني فاعل إلى المنطقة، غير أن وتيرة الانتشار الصيني تبقى هادئة، وإن بدا أن الجائحة قد دفعت باتجاه تسريعها النسبي.

صحيح أن سوريا ليست هامشية بالنسبة لروسيا، بل هي شكلت فرصة غير محسوبة لعودة روسية إلى مقام الدولة العظمى، نتيجة تقصير وقصور في القرار الأميركي. غير أن العودة الروسية إلى الشرق الأوسط تركن في موقع خلفي بالمقارنة مع الزخم المتحقق روسيا لإعادة التموضع في أوروبا الشرقية، أوكرانيا تحديداً، وفي القوقاز وآسيا الوسطى.

على أن اختلاف المقادير يوحي بما يتعارض مع الأحجام الحقيقية للمواضيع. فالاهتمام الروسي بسوريا قد يشغل المكانة الرابعة أو الخامسة، ويبقى دون الواجهة، روسياً. ولكنه بالنسبة للمعنيين بالشأن السوري، في سوريا وسائر المنطقة، هو العامل الفاعل الأول. وكذلك الحال بالنسبة للولايات المتحدة، إذ أن المكانة التي تحظى بها سوريا في مركز القرار في الولايات المتحدة هي بالتأكيد بعيدة عن الواجهة، ومتضائلة بالمقارنة مع مجموعات واسعة من الشؤون والمواضيع. على أن ما يخصص لهذا الشأن الهامشي، كما لغيره، وهو الذي لا يحظى بالعناية من البيت الأبيض إلا فيما ندر، وطأته لدى المتلقي ضخمة، ومؤثرة، وفاعلة.

وما ينطبق على سوريا هنا، يصحّ كذلك على سائر ملفات المنطقة، باستثناء إسرائيل وإيران.

والهبوط إلى هذا الصف الثاني من الدول يكشف بدوره عن حقيقة يجب أن تكون مقلقلة عربياً. وهي أن هذا الصفّ يتمثّل في المنطقة بكل من إيران وإسرائيل، بالإضافة إلى تركيا، وكذلك إثيوپيا، إذ هي دول لها استراتيجية واضحة، تبتدئ بسياسات هادفة إلى ضمان البقاء وتبني عليها لضمان الاستقرار والازدهار والنفوذ. وضوح الرؤية لا يقتضي ضمان النجاح. وقد تبدو سياسات هذه الدول، من خلال التقييم الخارجي لها، وكأنها تفريط بالصالح الذاتي لها. ينطبق ذلك على إصرار إيران على منطق ثورة يتنافى مع منطق الدولة ويؤسس لعداء مع أكثر من طرف بجوارها وفي العالم أجمع. وكذلك على جنوح تركي إلى سلطوية شعبوية تبدد إنجازات قرن كامل وتفتح الباب أمام مجهول يضعضع الثقة العالمية بها. وأيضاً على نهج سياسي إسرائيلي ينفي إمكانية التسوية مع الفلسطينيين في إطار الدولتين، ويعرّض التصور المتوافق عليه عالمياً للإسقاط. بالإضافة إلى استعداء حاصل ومرتقب من إثيوپيا لكل من مصر والسودان من جراء تبديلها لما هو قائم من توافق على حصص مائية.

ولكن ما لا يمكن إنكاره هو أنه لهذه الدول رؤى واضحة متجانسة تعمل على تحقيقها. أي أن سياسات هذه الدول تندرج في إطار قراءاتها الاستراتيجية لصالحها.

 أما ما يجاور هذه الدول، أي المحيط العربي، بدوله المنفردة وتكتلاته القائمة والمفترضة، فالجلي هو أن العمق الاستراتيجي للسياسات غائب، أو على الأقل قاصر بضموره وبتغلّب الشؤون الآنية عليه. ولا ينتفي هذا التقييم بالإشارة إلى التوجهات المستقبلية والتي تعتمدها بعض هذه الدول، في تقديمها طروح اقتصادية تنموية وعلمية للمراحل المقبلة. فالطرح التنموي المستقبلي هو جزء بالتأكيد من  الرؤية الاستراتيجية ولكنه ليس بديلاً عنها.

المعضلة، وأصل القصور، هو أن هذه الدول ليس متفقة على تعريف الإطار الذي من شأن الاستراتيجية أن تبنى عليه. ربما أن «جامعة الدول العربية» كانت في أمس غابر هي المنصة التي يمكن افتراضها إطاراً، رغم أنها لم ترتفع يوماً إلى تجسيد فعلي لهذا الافتراض. ولكن «الجامعة» اليوم هي منبر خطابي دون من يصغي إليه، عاجز عن التعبير عن مصالح موضوعية، أو حتى عن قناعات مشتركة. بل التجربة التي اقتربت من النجاح دون غيرها كإطار تنسيق وتحضير لرؤية مشتركة في المحيط العربي، أي مجلس التعاون لدول الخليج، قد انحدرت وتدحرجت اليوم إثر المواجهة بين السعودية والإمارات، ومعهما البحرين ثم مصر، من جهة، وقطر من جهة أخرى، مع استدعاء الدوحة لأنقرة استنجاداً وتعويلها على كل من طهران وواشنطن ضماناً.

ففي حين أن العالم ككل يشهد تحولات خطيرة كانت تتوجب الوعي والحضور من الأطراف العربية، بشكل تجمعات ترتقي بها إلى الصف الثاني، إذ بها تنشغل بالاتهامات والضغون والتي تكاد أن تحرمها من موقع في الصف الثالث، في هذا العالم الجديد المرتسم، بل تنتقل بالصراعات العقيمة إلى ما تبقى من المحيط العربي، فبصماتها جلية في اليمن، وواضحة في ليبيا، وتناطحها قد حرم سوريا إمكانية الانتهاء من نظام القتل.

أكبر الصحاري العربية ليست الصحراء الكبرى، من مصر إلى المغرب، ولا الربع الخالي، في عمق الجزيرة العربية. بل هي صحراء الاستراتيجية، والتي تبدو دول هذا المحيط مفتقدة لأدوات اجتيازها.
 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.