ولكن «الجامعة» اليوم هي منبر خطابي دون من يصغي إليه، عاجز عن التعبير عن مصالح موضوعية
ولكن «الجامعة» اليوم هي منبر خطابي دون من يصغي إليه، عاجز عن التعبير عن مصالح موضوعية

الفاعلون في السياسة العالمية صفّ أول، أي الدول الفاعلة والمؤثرة في العالم بأسره، وصفّ ثاني، وهي الدول الفاعلة والمؤثرة في جوارها، ثم صف ثالث، وهي الدول ذات التأثير المحدود، المفتقدة للرؤية الطويلة الأمد. وما عدا ذلك دول مفعول بها. يخلو المحيط العربي من دول الصف الأول والثاني، بل يبدو تصنيف بعض دوله على أنها من الصف الثالث محدود الصلاحية.

شهد العالم، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، توالي ثلاث مراحل  في هيئة المنظومة الدولية وترتيب العلاقات بين البلدان.

الأولى كانت المواجهة، الباردة في إطارها العام والساخنة في زواياها، بين «العالم الحر»، الولايات المتحدة وسائر الدول الغربية، وبين «المعسكر الاشتراكي»، روسيا باسم الاتحاد السوڤياتي وما حصّلته من سلطان. عنوان هذه المرحلة الأولى كان افتراض التكافؤ بين الجانبين، نتيجة نجاح موسكو بامتلاك السلاح القاضي، والذي وضعها على قدم المساواة مع واشنطن في التهديد بنهاية متساوية بالخراب للجانبين، وكذلك نتيجة التوظيف الفعّال للتوجهات الثورية على مدى العالم الثالث، الخارج للتوّ من الاستعمار الفجّ والباحث عن صيغة ارتقاء.

المرحلة الثانية ابتدأت بالسقوط المدوي للمنظومة الاشتراكية، وانكشاف وهم التوجهات الثورية، والتي انتجت، بما يقارب الحصرية، النظم السلطوية المستنزفة لموارد المجتمعات التي زعمت تحريرها. فكانت القناعة المبيته بانتصار غربي وما صاحبها من وعد بالعولمة، أي تعميم النموذج الغربي القائم على الحكم التمثيلي الخاضع للمساءلة داخلياً وللمتابعة خارجياً، وعلى حرية، تنازلياً، في حركة الأفكار والمال والسلع والأشخاص. المعترضون والمتضررون من العولمة، شعبويون، يساريون قوميون، منغمسون بصراع الحضارات، كانوا كثر، بل إن رفضهم للعولمة جعل من علو طرحها يتراجع بعد عقد ونيف وحسب، بعد أن دامت المرحلة السابقة أربعة عقود ونصف، ١٩٤٥-١٩٩٠.

فالتأسيس لمرحلة ما بعد العولمة ابتدأ في ولاية الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش، بعد أن تراجعت أسهم من دعا إلى الزخم الإقدامي في تطبيقها، أي المحافظين الجدد، وانتقال الرؤية الاستراتيجية الأميركية من السعي إلى  تولي دور القوة الفائقة السائسة للعالم، إلى إدارة التخلي الأميركي عن هذا الدور، انطلاقاً من استتباب القناعة، في أعقاب الارتباك في أفغانستان وفشل التصور في العراق، أن في الأمر استنزاف للولايات المتحدة يفوق ما تستجمعه من مصلحة في دور «شرطي العالم». والأهم هو أن الإصرار على هذا الدور، باتفاق وجهات النظر المتنافسة في واشنطن، من شأنه أن يعرقل الانتقال المرتقب والمطلوب إلى مرحلة جديدة يبقى الدور الطليعي فيها للولايات المتحدة، إنما في إطار منظومة متعددة الأقطاب.

فالخلاف بين الإدارات الأميركية المتعاقبة، بوش الابن فأوباما ثم ترامپ، ليس على الشكل النهائي للمرحلة التالية، أي عالم متعدد الأقطاب تتصدره الولايات المتحدة، بل هو كيفية بلوغ هذا الترتيب وماهية مضمونه من حيث توزيع النفوذ.

فبوش الابن في ولايته الثانية، مع انتقال مركز الثقل في إدارته من المحافظين الجدد إلى الواقعيين، كان لا يزال مثقلاً بالسياسة المتجاوزة للأطر الدولية القائمة، بعد اتهامه للأمم المتحدة وسائر المؤسسات الدولية بالبلادة الإدارية والفساد، فاقتصرت رؤيته لمرحلة ما بعد العولمة على تقليص لإطارها دون الغوص في النظريات.

والمفارقة أن الرئيس السابق أوباما، رغم اعتزازه بالانضواء الظاهر ضمن المنظومة الدولية، وتوقيعه المعاهدات والاتفاقيات، هو من أرسى الأسس النظرية للتخلي الفعلي عن العولمة، ببعض الخجل في مطلع عهده، من خلال الحديث عن استثنائية أميركية توازن بين القيم والمصالح، وإن «مؤجلة»، أي مقتصرة على النظرية دون التطبيق، وصولاً إلى إقراره بعد أعوام بأن المصلحة هي ما يحدّد المسار، وتخليه الضمني عن معظم الزخم باتجاه تعزيز مقومات النظام العالمي المعولم.

بل يصحّ القول بأن الاختلاف، بالإجمال دون التفاصيل، في توجه السياسة الخارجية لأوباما وترامب يختلف وحسب بالتورية التي لجأ إليها الأول إلى حد النفاق، والصراحة التي اعتمدها الثاني إلى درجة الفجاجة.

فالمرحلة الثالثة، والتي يعيشها العالم اليوم، لم تبلغ مقومات الاستقرار، أي أنها تبقى انتقالية، من عولمة مبتورة بالقوة الأحادية، إلى ترتيب جديد متعدد الأقطاب لم تتضح معالمه بعد.

السجال، أو التجاذب، ضمن الصف الأول عالمياً، هو بين أربعة أطراف. الطرف الأول هو الولايات المتحدة، والتي رغم ما يظهر على رئيسها الحالي من اعتباطية، تبقى القوة الأولى حاضراً ومستقبلاً، المستشفة لمن ينافسها، الصين تحديداً، والعاملة على ضبط إيقاع صعود هذا الخصم الشريك. الثاني هو الصين نفسها بمقومات ضخمة استجمعتها على مدى العقود الماضية، ولكن بهشاشة في أكثر من موضع، ولا سيما في العلاقة بين السلطة والمجتمع. الثالث هو روسيا، الهابطة اقتصاداً وقدرة على التأثير من حيث الموارد، ولكن الناجحة بفعل قيادة صارمة ورصيد قوة ضاربة، في الاحتفاظ بمركز عالمي في الهيبة والتأثير لا ينسجم للتوّ مع حجم اقتصادها. والرابع هو الاتحاد الأوروپي، والذي انتقل بصيغته من أن يكون القدوة والنموذج لسائر التحالفات الإقليمية، إفريقيا، جنوبي شرقي آسيا، أميركا الجنوبية، إلى مجموعة تحديات تتطلب الانكفاء والانطواء وتحطم الزخم السابق.

موقع المحيط العربي، بمكوناته المختلفة، في القراءات الاستراتيجية لهذه الأطراف الكبيرة ثانوي موضوعياً، وإن ثابر على الظهور والبروز الإعلاميين نتيجة عوامل ذاتية. ضبط أسعار النفط، وإمكانية التعويل على الأرصدة التي استجمعتها بعض دول المنطقة من الأمور التي تبقى قائمة، وإن على الهامش، بالنسبة للولايات المتحدة. على أن أمن إسرائيل هو الشأن الأكثر أهمية، لاعتبارات يمتزج فيها الداخلي بالخارجي، والمصلحة بالقيم. أما التعاطي مع إيران أميركياً، فملف أصيل، كما كوريا الشمالية، لخروج كل من البلدين عن الالتزام بقواعد التعامل الدولي. فمن شأن إيران الاحتجاج قدر ما شاءت أنها تحترم الاتفاقات، غير أن اختراقها لدول جوارها خارج إطار شرعية هذه الدول، هو نقض لا يمكن تجاوزه من وجهة نظر أميركية.

فالرؤية الاستراتيجة الأميركية للأمن الوطني تضع في الواجهة الصين وروسيا كغريمين، ثم كوريا الشمالية وإيران كدولتين مارقتين تهددان الاستقرار العالمي، ومن ثم ما عدا ذلك من مخاطر ومحاذير، بما في ذلك الإرهاب الجهادي. وفي حين أن توقيع الصين وإيران على أسس شراكة بعيدة الأمد يلوّح بدخول صيني فاعل إلى المنطقة، غير أن وتيرة الانتشار الصيني تبقى هادئة، وإن بدا أن الجائحة قد دفعت باتجاه تسريعها النسبي.

صحيح أن سوريا ليست هامشية بالنسبة لروسيا، بل هي شكلت فرصة غير محسوبة لعودة روسية إلى مقام الدولة العظمى، نتيجة تقصير وقصور في القرار الأميركي. غير أن العودة الروسية إلى الشرق الأوسط تركن في موقع خلفي بالمقارنة مع الزخم المتحقق روسيا لإعادة التموضع في أوروبا الشرقية، أوكرانيا تحديداً، وفي القوقاز وآسيا الوسطى.

على أن اختلاف المقادير يوحي بما يتعارض مع الأحجام الحقيقية للمواضيع. فالاهتمام الروسي بسوريا قد يشغل المكانة الرابعة أو الخامسة، ويبقى دون الواجهة، روسياً. ولكنه بالنسبة للمعنيين بالشأن السوري، في سوريا وسائر المنطقة، هو العامل الفاعل الأول. وكذلك الحال بالنسبة للولايات المتحدة، إذ أن المكانة التي تحظى بها سوريا في مركز القرار في الولايات المتحدة هي بالتأكيد بعيدة عن الواجهة، ومتضائلة بالمقارنة مع مجموعات واسعة من الشؤون والمواضيع. على أن ما يخصص لهذا الشأن الهامشي، كما لغيره، وهو الذي لا يحظى بالعناية من البيت الأبيض إلا فيما ندر، وطأته لدى المتلقي ضخمة، ومؤثرة، وفاعلة.

وما ينطبق على سوريا هنا، يصحّ كذلك على سائر ملفات المنطقة، باستثناء إسرائيل وإيران.

والهبوط إلى هذا الصف الثاني من الدول يكشف بدوره عن حقيقة يجب أن تكون مقلقلة عربياً. وهي أن هذا الصفّ يتمثّل في المنطقة بكل من إيران وإسرائيل، بالإضافة إلى تركيا، وكذلك إثيوپيا، إذ هي دول لها استراتيجية واضحة، تبتدئ بسياسات هادفة إلى ضمان البقاء وتبني عليها لضمان الاستقرار والازدهار والنفوذ. وضوح الرؤية لا يقتضي ضمان النجاح. وقد تبدو سياسات هذه الدول، من خلال التقييم الخارجي لها، وكأنها تفريط بالصالح الذاتي لها. ينطبق ذلك على إصرار إيران على منطق ثورة يتنافى مع منطق الدولة ويؤسس لعداء مع أكثر من طرف بجوارها وفي العالم أجمع. وكذلك على جنوح تركي إلى سلطوية شعبوية تبدد إنجازات قرن كامل وتفتح الباب أمام مجهول يضعضع الثقة العالمية بها. وأيضاً على نهج سياسي إسرائيلي ينفي إمكانية التسوية مع الفلسطينيين في إطار الدولتين، ويعرّض التصور المتوافق عليه عالمياً للإسقاط. بالإضافة إلى استعداء حاصل ومرتقب من إثيوپيا لكل من مصر والسودان من جراء تبديلها لما هو قائم من توافق على حصص مائية.

ولكن ما لا يمكن إنكاره هو أنه لهذه الدول رؤى واضحة متجانسة تعمل على تحقيقها. أي أن سياسات هذه الدول تندرج في إطار قراءاتها الاستراتيجية لصالحها.

 أما ما يجاور هذه الدول، أي المحيط العربي، بدوله المنفردة وتكتلاته القائمة والمفترضة، فالجلي هو أن العمق الاستراتيجي للسياسات غائب، أو على الأقل قاصر بضموره وبتغلّب الشؤون الآنية عليه. ولا ينتفي هذا التقييم بالإشارة إلى التوجهات المستقبلية والتي تعتمدها بعض هذه الدول، في تقديمها طروح اقتصادية تنموية وعلمية للمراحل المقبلة. فالطرح التنموي المستقبلي هو جزء بالتأكيد من  الرؤية الاستراتيجية ولكنه ليس بديلاً عنها.

المعضلة، وأصل القصور، هو أن هذه الدول ليس متفقة على تعريف الإطار الذي من شأن الاستراتيجية أن تبنى عليه. ربما أن «جامعة الدول العربية» كانت في أمس غابر هي المنصة التي يمكن افتراضها إطاراً، رغم أنها لم ترتفع يوماً إلى تجسيد فعلي لهذا الافتراض. ولكن «الجامعة» اليوم هي منبر خطابي دون من يصغي إليه، عاجز عن التعبير عن مصالح موضوعية، أو حتى عن قناعات مشتركة. بل التجربة التي اقتربت من النجاح دون غيرها كإطار تنسيق وتحضير لرؤية مشتركة في المحيط العربي، أي مجلس التعاون لدول الخليج، قد انحدرت وتدحرجت اليوم إثر المواجهة بين السعودية والإمارات، ومعهما البحرين ثم مصر، من جهة، وقطر من جهة أخرى، مع استدعاء الدوحة لأنقرة استنجاداً وتعويلها على كل من طهران وواشنطن ضماناً.

ففي حين أن العالم ككل يشهد تحولات خطيرة كانت تتوجب الوعي والحضور من الأطراف العربية، بشكل تجمعات ترتقي بها إلى الصف الثاني، إذ بها تنشغل بالاتهامات والضغون والتي تكاد أن تحرمها من موقع في الصف الثالث، في هذا العالم الجديد المرتسم، بل تنتقل بالصراعات العقيمة إلى ما تبقى من المحيط العربي، فبصماتها جلية في اليمن، وواضحة في ليبيا، وتناطحها قد حرم سوريا إمكانية الانتهاء من نظام القتل.

أكبر الصحاري العربية ليست الصحراء الكبرى، من مصر إلى المغرب، ولا الربع الخالي، في عمق الجزيرة العربية. بل هي صحراء الاستراتيجية، والتي تبدو دول هذا المحيط مفتقدة لأدوات اجتيازها.
 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.