العالم كله يشهد أن الحكومة الإنتقالية قد ولدت من رحم ثورة عظيمة شارك فيها ملايين السودانيين ومهروا شرعيتها بدماء مئات الشباب
العالم كله يشهد أن الحكومة الإنتقالية قد ولدت من رحم ثورة عظيمة شارك فيها ملايين السودانيين ومهروا شرعيتها بدماء مئات الشباب

أجاز مجلس السيادة السوداني الأسبوع الماضي حزمة تعديلات متنوعة على عدد من القوانين بغية إصلاح المنظومة العدلية والترقي بها لتتماشى مع المعايير العدلية الدولية, و كان من ضمن التعديلات إلغاء "حد الردة" وجرائم المعتقد والضمير وإلغاء عقوبة الجلد التعزيرية إضافة للسماح لغير المسلمين بالتعاطي والتعامل في الخمر فيما بينهم. 

وكان من بين التعديلات أيضا منح الأم حق السفر مع أطفالها دون الحاجة للحصول على موافقة والدهم بجانب تجريم ممارسة ختان الإناث, كما شملت التعديلات إعادة صياغة وتعريف النص المتعلق بجريمة "الدعارة" وجعله أكثر إنضباطا من سابقه الذي كان فضفاضا وأدى للكثير من التجاوزات عند التطبيق.

فورصدور التعديلات شنت بعض المؤسسات الدينية ورموز التيار الإسلاموي هجمة واسعة ضد الحكومة الإنتقالية تتهمها بالسعي لمحاربة الشريعة وتشجيع الانحلال، وقد بلغت الهجمة أوجها في عدد من التغريدات كتبها من مقر إقامته في تركيا رجل الدين الموالي للنظام البائد، عبد الحي يوسف.

وصف يوسف في إحدى تغريداته الحكومة "بالفاجرة" قائلا إن إسقاطها أصبح "فريضة": (العمل على اقتلاع هذه الحكومة الفاجرة هو فريضة الوقت وواجب كل قادر، فقد ضيعوا الدين والدنيا معا، وليس لبقائهم مبرر بعد أن فشلوا في إحراز أي إنجاز). وقال في أخرى: (حكومة غير منتخبة ولا مفوضة, بل هي حكومة لصوص متغلبة من حملة الجوازات الأجنبية سطت على الحكم بليل, بعد ما مارست الخداع والحيل).

لا شك أن هجمة أتباع النظام البائد المعادية للتعديلات لم تكن تهدف للنظر في الخطوة بموضوعية وإنما إتخذتها ذريعة لتهييج الشارع لإسقاط الحكومة، فاذا أخذنا على سبيل المثال قولهم أن الحكومة سمحت بممارسة الدعارة سنجده مجرد إدعاء لا علاقة له بالتعديل الذي طال المادة القانونية التي تتعلق بالموضوع.  

المادة التي تم تعديلها كانت تنص على الآتي : (يعد مرتكبا جريمة ممارسة الدعارة من يوجد في محل للدعارة بحيث "يحتمل" أن يقوم بممارسة أفعال جنسية أو يكتسب من ممارستها ويعاقب بالجلد بما لا يتجاوز مائة جلدة أو بالسجن مدة لا تتجاوز ثلاثه سنوات ... ويقصد بمحل الدعارة  أي مكان معد لإجتماع رجال ونساء لا تقوم بينهم علاقات زوجية او صلات قربى وفي ظروف "يرجح" فيها حدوث ممارسات جنسية).

جاء تعديل المادة أعلاه كالآتي: (يعد مرتكبا جريمة ممارسة الدعارة من يوجد في محل الدعارة بقصد تقديم خدمة ذات طبيعة جنسية لآخر بمقابل أو بدونه مع عدم وجود أي علاقة شرعية تربط بينهما .. يقصد بمحل الدعارة أي مكان معد لممارسة الدعارة أو سبقت إدانة حائزيه ٱو تكررت الشكوى منه للجهات المختصة).

من الجلي أن القصد من تعديل المادة هو إحكام الصياغة بحيث لا تسمح بأن يتم إستغلالها من قبل السلطة وهو الأمر الذي أثبتته التجربة العملية حيث أن وجود كلمات مثل "يحتمل" و"يرجح" تعطي ممثل السلطة الحق في تفسير المادة بحسب هواه ورغبته الشخصية مما قد يؤدي لتجريم أشخاص أبرياء.

أما بخصوص إلغاء مادة "الردة" فمن الناحية القانونية تعتبر الخطوة صحيحة لأن تلك المادة تتعارض مع الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الإنتقالية والتي تنص بوضوح على أنه (لكل إنسان الحق في حرية العقيدة الدينية والعبادة، وله الحق في إعلان دينه أو عقيدته أو التعبير عنهما عن طريق العبادة والتعليم والممارسة أو أداء الشعائر أو الإحتفالات, وذلك وفقا لما يتطلبه القانون والنظام العام, ولا يكره أحد على اعتناق دين لا يؤمن به أو ممارسة طقوس او شعائر لا يقبل بها طواعية).

أما من الناحية الدينية فلا يوجد إتفاق بين الفقهاء على حد الردة، فالقرآن لم يذكر أي عقوبة دنيوية تطبق على المرتد من الدين، ولم يثبت أن الرسول محمد أمر بقتل أحد لارتداده عن الإسلام، ويرى العديد من الفقهاء أن حساب المرتد يكون عند الله في الآخرة وليس من حق أي جهة محاسبته آنيا في الدنيا. فالقاعدة التشريعية الكلية في القرآن التي قررتها الآية (256) من سورة البقرة تقول "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".

لقد أكد القرآن على حرية البشر في الاختيار بين الإيمان أو الكفر، وفى مقابل هذا فإن مسئوليتهم تجاه هذه الحرية تتبين يوم الحساب حيث سيحاسبهم الله على اختيارهم، وهذا ما قررته الآية (29) من سورة الكهف: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".

غير أن الأمر المهم في هذا الخصوص هو دعوة يوسف لإسقاط الحكومة لأنها بزعمه "غير منتخبة وغير مفوضة" وبالتالي فليس من حقها أن تجري تعديلات في القوانين, وهو ما يكشف تناقضا أساسيا يوضح بجلاء غرض الهجمة على التعديلات, فالكل يعلم أن النظام البائد الذي وضع القانون الجنائي لعام 1991 متضمنا حد الردة وجريمة الدعارة لم يكن نظاما منتخبا أو مفوضا من قبل الشعب بل جاء للسلطة عبر الإنقلاب العسكري, ومع ذلك إرتضى يوسف مساندته وتأييده !

ومن ناحية أخرى، فالعالم كله يشهد أن الحكومة الإنتقالية قد ولدت من رحم ثورة عظيمة شارك فيها ملايين السودانيين ومهروا شرعيتها بدماء مئات الشباب، ولا يوجد تفويض أكبر من هذا، ومع ذلك فإن الحكومة لم تخرق تفويضها بالسعي لإجازة دستور دائم للبلاد لأن ذلك خارج عن مهمتها ويجب أن يتم عبر توافق وطني وعن طريق جمعية تأسيسية منتخبة مما يعني أنها ملتزمة بالصلاحيات الممنوحة لها ومن ضمنها تعديل القوانين.

أما دعوة يوسف لإسقاط الحكومة، فتكشف عن بؤس التفكير وعدم المبدئية في المواقف إذ أن ذات الرجل كان داعما بشدة لنظام الإستبداد البائد الذي دمر البلاد وأشعل الحروب الأهلية وأفقر الشعب، وعندما كانت الجماهير تخرج للشوارع مطالبة بسقوط الطاغية الجنرال عمر البشير، كان هو يعتلي منبر المسجد و يقول   (ما ينبغي الخروج في المظاهرات وما تعبدنا الله بالمظاهرات، فالدعوة لمظاهرات في مثل هذه الظروف لا معنى أو هدف لها، إلا إثارة الفتن والدعوة إلى القلاقل) !

عدم المبدئية في المواقف يتجلى أيضا في حقيقة أن يوسف الذي هرب من السودان خوفا من الملاحقة القانونية إختار الإقامة في دولة تركيا مع عدد كبير من قيادات النظام البائد من الإسلامويين، ولكن المفارقة هى أن البلد التي إحتضنتهم تم تقنين الدعارة فيها بموجب قانون أعدته حكومة "حزب العدالة والتنمية" في عام 2004 وتقول الإحصاءات أن "تجارة الجنس" تدر على خزينة البلاد دخلاً قدره 4 مليارات دولار سنويا ومع ذلك لم يجرؤ الداعية الإسلامي الأممي على المطالبة بإسقاط حكومة إردوغان "الفاجرة"! 

قد أضحى معروفا للكل أن النظام البائد كان يغدق على عبد الحي يوسف الأموال و المنح والعطايا، وهو الأمر الذي كشفت عن جزء يسير منه التسجيلات التي بثتها قناة "العربية" لمؤتمر "الحركة الإسلامية" وفيه حديث موثق للرجل الثاني في النظام البائد، علي عثمان محمد طه، يؤكد فيه أن 90 في المئة من تمويل فضائية "طيبة" المملوكة ليوسف يأتي من الحكومة البائدة، مما يوضح بجلاء أن السبب الحقيقي وراء دعوة الرجل لإسقاط الحكومة الإنتقالية هو ضياع الإمتيازات وليس الخوف على الدين. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.