تم تسجيل أول حالة كورونا في الإمارات في 29 يناير لامرأة صينية، أي قبل اكتشاف أي حالة في إيطاليا أو إيران
تم تسجيل أول حالة كورونا في الإمارات في 29 يناير لامرأة صينية، أي قبل اكتشاف أي حالة في إيطاليا أو إيران

اجتمعت في دول الخليج عدة عوامل مكّنتها من التصدي بنجاح لوباء كورونا وساهمت في زيادة المعرفة بهذا الفيروس والمرض الذي يسببه، أولها الشفافية التي تعاملت بها مع هذه الجائحة، بسبب حقيقة أنها غير مسؤولة عن هذا الوباء الذي غزاها من الخارج ولأنها لم تقصّر في مواجهته، وبالتالي ليس لديها أي سبب لإخفاء حجم انتشاره كما فعلت الصين وإيران حسب الكثير من التقارير الاستخباراتية والصحفية، كما أن مستوى الخدمات الطبية في دول الخليج جيد ويضاهي أكثر الدول تطورا، ولذلك لم تجعل من جائحة كورونا قضية أمن قومي تقوم فيها بتقليل أعداد الوفيات لإخفاء ضعف وعدم جاهزية القطاع الصحي كما يتّهم البعض روسيا ومصر، وسمحت هذه الشفافية بمتابعة سير الوباء مع ما يحدثه من مضاعفات ووفيات يوما بيوم، مما أنتج قاعدة بيانات ومعلومات إحصائية واسعة متاحة أمام الجميع ولها درجة كبيرة من المصداقية.  

 وأضيف فوق ذلك الموقع الجغرافي والأهمية الاقتصادية والتجارية لدول الخليج، مع تركيبتها السكانية الفريدة التي تتميز بوجود نسب مرتفعة جدا من العمالة الأجنبية القادمة من مختلف أرجاء العالم والتي تتراوح حسب إحصاء 2019 بين 37 في المائة في السعودية حتى تصل إلى 88 في المائة في الإمارات وقطر، يضاف إليها المكانة الدينية الخاصة للسعودية وما تحويه من أماكن إسلامية مقدسة يزورها سنويا أكثر من عشرين مليون حاج ومعتمر، بحيث أدّت هذه العوامل مجتمعة إلى دخول الوباء إلى هذه الدول بشكل مبكّر. 

فقد تم تسجيل أول حالة كورونا في الإمارات في 29 يناير لامرأة صينية، أي قبل اكتشاف أي حالة في إيطاليا أو إيران، وسجلت أول إصابة في البحرين في 21 فبراير بعد يومين من الإعلان عن أول إصابتين في إيران، وبعد ثلاثة أيام لحقتها الكويت، وبعدها قطر ثم السعودية وجميع هذه الحالات كانت قادمة من إيران، وساعد تشخيصها في دول الخليج على كشف حقيقة وحجم انتشار كورونا في إيران والذي كانت حكومتها تحاول التعتيم عليه، وبعد أسبوعين أصبحت أوروبا ومصر مصدرا مرجّحا للموجة الثانية من الوباء، وفي الفترة الحالية تبدو شبه القارة الهندية مصدر الموجة الثالثة التي تتركّز في المناطق الدافئة. 

ويمكن التأكّد من أن وباء كورونا قد دخل إلى دول الخليج على مراحل وبشكل موجات متعددة، من خلال مشاهدة المنحنى البياني "لعدد الإصابات اليومية"، الذي شهد في السعودية قمة صغيرة في مايو تراجع بعدها ليرتفع في قمة أكبر في يونيو ثم عاد للتراجع ليرتفع في قمة جديدة في تموز-يوليو، وبدأ منذ أسبوع بالتراجع ببطء، ورغم مرور أكثر من أربعة أشهر فمازال الوباء بحاجة إلى مزيد من الوقت حتى يعود إلى نقطة إنطلاقه، بشكل قريب من منحنى الإصابات اليومية في بقية دول الخليج والولايات المتحدة، بخلاف المنحنيات البيانية لعدد الإصابات اليومي في أغلب دول العالم التي شهدت قمة واحدة فقط، إرتفع إليها المنحنى خلال أربعة أسابيع ثم تراجع ولم تستغرق العملية سوى ثلاثة أشهر لأن هذه الدول لم تتعرض حتى الآن سوى إلى موجة واحدة. 

كما سمح الوضع المالي الجيد لدول الخليج وعدد السكان القليل نسبيا بإجراء اختبارات الكشف عن كورونا لشرائح واسعة من السكان بإتباع أسلوب المسح النشط أو الاستقصائي مع تقديم كافة التسهيلات الممكنة للراغبين بإجراء الفحص بحيث لا يأخذ كثيرا من وقتهم ولا يعرضهم لاحتمال التقاط العدوى، بينما في بقية دول العالم بما فيها الدول الغنية مثل الولايات المتحدة وأوروبا كانت التحاليل تقتصر على الكوادر الطبية والمرضى أو من لديهم أعراض فقط، ولذلك كانت المعلومات المستقاة من دول الخليج أكثر دقة وتكشف بشكل أقرب للحقيقة عن درجة انتشار الوباء ضمن البلد.  

ونتيجة القيام بإختبارات كورونا على نطاق واسع فقد وصل مجموع الإصابات في دول الخليج إلى 577 ألفا "عند كتابة هذا المقال"، وهو رقم كبير مقارنة مع عدد السكان البالغ 50 مليون بما يجعل أعداد المصابين يتجاوز 1.15 في المائة من السكان، وتصل هذه النسبة في قطر إلى 3.8 في المائة من عدد السكان وهي الأعلى عالميا، وتصل في البحرين إلى 2.2 في المائة، والكويت 1.4، وسلطنة عمان 1.3، بينما في الولايات المتحدة أكثر دول العالم تأثرا بالوباء فقد كانت النسبة أكثر قليلا من واحد في المائة، وللمقارنة فإن إيطاليا مع كل ما مر عليها لم تصل نسبة الإصابات المؤكدة فيها إلى نصف في المائة من عدد السكان. 

وبما أن سبب أعداد الإصابات الكبيرة في دول الخليج هو إجراء التحاليل على شرائح واسعة من السكان وليس نتيجة استفحال الوباء، فقد كانت أعداد الوفيات فيها منخفضة، فقد بلغ عدد الوفيات الإجمالي "أثناء كتابة المقال" 3832 فقط، بما يجعل معدل الوفيات بكورونا في دول الخليج دون السبعة في الألف وهي نسبة أقل بكثير من بقية دول العالم، بل إن هذه النسبة هي دون 2 في الألف في قطر، ودون 4 في الألف في البحرين، وبما أن دول الخليج تحتوي نسبة أعلى من المعدلات العالمية في الإصابة بالسمنة وارتفاع التوتر الشرياني وأمراض القلب والسكري وجميعها عوامل ترفع إحتمال الوفاة بكورونا، فإن نسبة الوفاة الحقيقية بهذا الوباء أقل حتى من نسبة الوفيات المنخفضة التي تسجلها إحصائيات دول الخليج. 

 ولا تقترب منها في هذا المعدل المنخفض سوى إسرائيل التي تجري أيضا تحاليل على شرائح واسعة من سكانها ولذلك كانت نسبة الوفيات عندها بحدود 8 بالألف، رغم أن إسرائيل قد تم تصنيفها الأولى عالميا في التصدي لوباء كورونا في دراسة لمركز أبحاث بريطاني نشرته مجلة دير شبيغل الألمانية في شهر نيسان-إبريل الماضي وأتت بعدها ألمانيا وسويسرا والنمسا بينما حلت الأمارات في هذا الجدول بالمرتبة 18 عالميا والأولى عربيا وكانت مرتبة الكويت 24 وقطر 27، بينما أتت الولايات المتحدة في المرتبة 70، وربما إذا أعيدت الدراسة اليوم لنالت دول الخليج مراتب أفضل، وفي النتيجة فإن إحصائيات كورونا في دول الخليج وإسرائيل قد طمأنت العالم بأن معدل الوفيات من كورونا أقل بكثير من التقديرات السابقة التي كانت تدور حول اثنين في المائة وقد وصلت في بعض الدراسات حتى 7 في المائة من عدد المصابين. 

ويبدو اليوم أن دول الخليج والولايات المتحدة وإسرائيل تدفع ثمن تداخلها البشري الواسع مع بقية أنحاء العالم، والذي جعل وباء كورونا يأتيها على شكل موجات متتالية، ففي الولايات المتحدة أصابت الموجة الأولى ولايات الغرب الأميركي وكان مصدرها من الصين، وقدمت الموجة الثانية من إيطاليا وتركّزت في ولايات الشمال الشرقي والموجة الثالثة خلال الشهر الحالي أتت من المكسيك والبرازيل وتصيب الولايات الجنوبية، وفي دول الخليج أتت الموجة الأولى من إيران والثانية من أوروبا ومصر والثالثة من المناطق الحارة وشبه القارة الهندية، وفي إسرائيل هناك كذلك موجات من الشرق الأقصى وأوروبا وأميركا اللاتينية. 

وهناك بعض المؤشرات على أن هجمة كورونا الحالية التي تتركز في المناطق الحارة مازالت في أوّلها وقد تنتقل لمناطق أخرى، بل بدأت فعلا في الانتقال إلى اليابان وأستراليا حيث تشهد أعداد الإصابات الجديدة ارتفاعا هناك، ويجب اعتبار ذلك كإنذار لبقية دول العالم حتى تأخذ الاحتياطات اللازمة، ولتعمل على الاستفادة من تجارب دول الخليج وإسرائيل في التعامل مع هذه الجائحة لتقليل الخسائر الناجمة عنها قدر الإمكان. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.