اجتمعت في دول الخليج عدة عوامل مكّنتها من التصدي بنجاح لوباء كورونا وساهمت في زيادة المعرفة بهذا الفيروس والمرض الذي يسببه، أولها الشفافية التي تعاملت بها مع هذه الجائحة، بسبب حقيقة أنها غير مسؤولة عن هذا الوباء الذي غزاها من الخارج ولأنها لم تقصّر في مواجهته، وبالتالي ليس لديها أي سبب لإخفاء حجم انتشاره كما فعلت الصين وإيران حسب الكثير من التقارير الاستخباراتية والصحفية، كما أن مستوى الخدمات الطبية في دول الخليج جيد ويضاهي أكثر الدول تطورا، ولذلك لم تجعل من جائحة كورونا قضية أمن قومي تقوم فيها بتقليل أعداد الوفيات لإخفاء ضعف وعدم جاهزية القطاع الصحي كما يتّهم البعض روسيا ومصر، وسمحت هذه الشفافية بمتابعة سير الوباء مع ما يحدثه من مضاعفات ووفيات يوما بيوم، مما أنتج قاعدة بيانات ومعلومات إحصائية واسعة متاحة أمام الجميع ولها درجة كبيرة من المصداقية.
وأضيف فوق ذلك الموقع الجغرافي والأهمية الاقتصادية والتجارية لدول الخليج، مع تركيبتها السكانية الفريدة التي تتميز بوجود نسب مرتفعة جدا من العمالة الأجنبية القادمة من مختلف أرجاء العالم والتي تتراوح حسب إحصاء 2019 بين 37 في المائة في السعودية حتى تصل إلى 88 في المائة في الإمارات وقطر، يضاف إليها المكانة الدينية الخاصة للسعودية وما تحويه من أماكن إسلامية مقدسة يزورها سنويا أكثر من عشرين مليون حاج ومعتمر، بحيث أدّت هذه العوامل مجتمعة إلى دخول الوباء إلى هذه الدول بشكل مبكّر.
فقد تم تسجيل أول حالة كورونا في الإمارات في 29 يناير لامرأة صينية، أي قبل اكتشاف أي حالة في إيطاليا أو إيران، وسجلت أول إصابة في البحرين في 21 فبراير بعد يومين من الإعلان عن أول إصابتين في إيران، وبعد ثلاثة أيام لحقتها الكويت، وبعدها قطر ثم السعودية وجميع هذه الحالات كانت قادمة من إيران، وساعد تشخيصها في دول الخليج على كشف حقيقة وحجم انتشار كورونا في إيران والذي كانت حكومتها تحاول التعتيم عليه، وبعد أسبوعين أصبحت أوروبا ومصر مصدرا مرجّحا للموجة الثانية من الوباء، وفي الفترة الحالية تبدو شبه القارة الهندية مصدر الموجة الثالثة التي تتركّز في المناطق الدافئة.
ويمكن التأكّد من أن وباء كورونا قد دخل إلى دول الخليج على مراحل وبشكل موجات متعددة، من خلال مشاهدة المنحنى البياني "لعدد الإصابات اليومية"، الذي شهد في السعودية قمة صغيرة في مايو تراجع بعدها ليرتفع في قمة أكبر في يونيو ثم عاد للتراجع ليرتفع في قمة جديدة في تموز-يوليو، وبدأ منذ أسبوع بالتراجع ببطء، ورغم مرور أكثر من أربعة أشهر فمازال الوباء بحاجة إلى مزيد من الوقت حتى يعود إلى نقطة إنطلاقه، بشكل قريب من منحنى الإصابات اليومية في بقية دول الخليج والولايات المتحدة، بخلاف المنحنيات البيانية لعدد الإصابات اليومي في أغلب دول العالم التي شهدت قمة واحدة فقط، إرتفع إليها المنحنى خلال أربعة أسابيع ثم تراجع ولم تستغرق العملية سوى ثلاثة أشهر لأن هذه الدول لم تتعرض حتى الآن سوى إلى موجة واحدة.
كما سمح الوضع المالي الجيد لدول الخليج وعدد السكان القليل نسبيا بإجراء اختبارات الكشف عن كورونا لشرائح واسعة من السكان بإتباع أسلوب المسح النشط أو الاستقصائي مع تقديم كافة التسهيلات الممكنة للراغبين بإجراء الفحص بحيث لا يأخذ كثيرا من وقتهم ولا يعرضهم لاحتمال التقاط العدوى، بينما في بقية دول العالم بما فيها الدول الغنية مثل الولايات المتحدة وأوروبا كانت التحاليل تقتصر على الكوادر الطبية والمرضى أو من لديهم أعراض فقط، ولذلك كانت المعلومات المستقاة من دول الخليج أكثر دقة وتكشف بشكل أقرب للحقيقة عن درجة انتشار الوباء ضمن البلد.
ونتيجة القيام بإختبارات كورونا على نطاق واسع فقد وصل مجموع الإصابات في دول الخليج إلى 577 ألفا "عند كتابة هذا المقال"، وهو رقم كبير مقارنة مع عدد السكان البالغ 50 مليون بما يجعل أعداد المصابين يتجاوز 1.15 في المائة من السكان، وتصل هذه النسبة في قطر إلى 3.8 في المائة من عدد السكان وهي الأعلى عالميا، وتصل في البحرين إلى 2.2 في المائة، والكويت 1.4، وسلطنة عمان 1.3، بينما في الولايات المتحدة أكثر دول العالم تأثرا بالوباء فقد كانت النسبة أكثر قليلا من واحد في المائة، وللمقارنة فإن إيطاليا مع كل ما مر عليها لم تصل نسبة الإصابات المؤكدة فيها إلى نصف في المائة من عدد السكان.
وبما أن سبب أعداد الإصابات الكبيرة في دول الخليج هو إجراء التحاليل على شرائح واسعة من السكان وليس نتيجة استفحال الوباء، فقد كانت أعداد الوفيات فيها منخفضة، فقد بلغ عدد الوفيات الإجمالي "أثناء كتابة المقال" 3832 فقط، بما يجعل معدل الوفيات بكورونا في دول الخليج دون السبعة في الألف وهي نسبة أقل بكثير من بقية دول العالم، بل إن هذه النسبة هي دون 2 في الألف في قطر، ودون 4 في الألف في البحرين، وبما أن دول الخليج تحتوي نسبة أعلى من المعدلات العالمية في الإصابة بالسمنة وارتفاع التوتر الشرياني وأمراض القلب والسكري وجميعها عوامل ترفع إحتمال الوفاة بكورونا، فإن نسبة الوفاة الحقيقية بهذا الوباء أقل حتى من نسبة الوفيات المنخفضة التي تسجلها إحصائيات دول الخليج.
ولا تقترب منها في هذا المعدل المنخفض سوى إسرائيل التي تجري أيضا تحاليل على شرائح واسعة من سكانها ولذلك كانت نسبة الوفيات عندها بحدود 8 بالألف، رغم أن إسرائيل قد تم تصنيفها الأولى عالميا في التصدي لوباء كورونا في دراسة لمركز أبحاث بريطاني نشرته مجلة دير شبيغل الألمانية في شهر نيسان-إبريل الماضي وأتت بعدها ألمانيا وسويسرا والنمسا بينما حلت الأمارات في هذا الجدول بالمرتبة 18 عالميا والأولى عربيا وكانت مرتبة الكويت 24 وقطر 27، بينما أتت الولايات المتحدة في المرتبة 70، وربما إذا أعيدت الدراسة اليوم لنالت دول الخليج مراتب أفضل، وفي النتيجة فإن إحصائيات كورونا في دول الخليج وإسرائيل قد طمأنت العالم بأن معدل الوفيات من كورونا أقل بكثير من التقديرات السابقة التي كانت تدور حول اثنين في المائة وقد وصلت في بعض الدراسات حتى 7 في المائة من عدد المصابين.
ويبدو اليوم أن دول الخليج والولايات المتحدة وإسرائيل تدفع ثمن تداخلها البشري الواسع مع بقية أنحاء العالم، والذي جعل وباء كورونا يأتيها على شكل موجات متتالية، ففي الولايات المتحدة أصابت الموجة الأولى ولايات الغرب الأميركي وكان مصدرها من الصين، وقدمت الموجة الثانية من إيطاليا وتركّزت في ولايات الشمال الشرقي والموجة الثالثة خلال الشهر الحالي أتت من المكسيك والبرازيل وتصيب الولايات الجنوبية، وفي دول الخليج أتت الموجة الأولى من إيران والثانية من أوروبا ومصر والثالثة من المناطق الحارة وشبه القارة الهندية، وفي إسرائيل هناك كذلك موجات من الشرق الأقصى وأوروبا وأميركا اللاتينية.
وهناك بعض المؤشرات على أن هجمة كورونا الحالية التي تتركز في المناطق الحارة مازالت في أوّلها وقد تنتقل لمناطق أخرى، بل بدأت فعلا في الانتقال إلى اليابان وأستراليا حيث تشهد أعداد الإصابات الجديدة ارتفاعا هناك، ويجب اعتبار ذلك كإنذار لبقية دول العالم حتى تأخذ الاحتياطات اللازمة، ولتعمل على الاستفادة من تجارب دول الخليج وإسرائيل في التعامل مع هذه الجائحة لتقليل الخسائر الناجمة عنها قدر الإمكان.

