ربما ستذوي صرخة أحلام قبل أن تتحقق العدالة، والمُتيقن منه أن صرخات أحلام تحولت إلى كوابيس مُفزعة
ربما ستذوي صرخة أحلام قبل أن تتحقق العدالة، والمُتيقن منه أن صرخات أحلام تحولت إلى كوابيس مُفزعة

كل صرخات النساء المظلومات والمغدورات تتشابه وإن اختلفت تفاصيل الروايات والجرائم في هذا العالم العربي الممتد من البحر إلى البحر، كلهن نتاج هذا القهر الخاضع لسلطة ذكورية مُستبدة، أو لسلطة غاشمة لا تُعلي من شان الحرية والحياة، أو لفكر ظلامي يوظف الخطاب الديني وخرافات القيم والعادات لخدمة نزواته، وشهواته، وإرادته المُطلقة.

صرخة أحلام التي قُتلت غيلة وغدرا قبل أيام في الأردن على يد أبيها بالاسم والهوية، تستحضر صرخة إسراء غريب التي ألقيت من النافذة، ويسمع صداها مع توسلات فاطمة أبو عكليك التي فقأت عيناها من "وحش" يُسمى زوجها، ولا تبتعد كثيرا ألاف الصرخات التي لا تُسمع في أغلب الأحيان لنساء وفتيات يُقتلن بدم بارد تحت ما يُسمى في عالمنا المُثخن بالتخلف "جرائم الشرف".

تذكرت واستحضرت ما تقوله الكاتبة جمانة حداد في مقدمة إحدى حلقات برنامجها "كلمة حق" الذي تبثه قناة الحرة "من يقتل أخته، أو زوجته، أو ابنته، أو قريبة له بحجة الشرف هو بلا شرف، ومن يعتبر أن قيمة المرأة تكمن بين فخذيها هو بلا شرف، ومن يختصر عقلا وروحا وقلبا بعضو تناسلي هو بلا شرف، من ينظر إلى النساء كشيء يُقتنى، هو بلا شرف".

ربما ينظر الكثير في مجتمعنا إلى ما تبوح به جمانة حداد بأنه خارج المألوف، وتغريد خارج السرب، وتجديف عكس التيار، وفكر تغريبي يُطيح "بشرف" هذه الأمة، إلا أن الجرائم المتلاحقة والمتكررة بحق النساء ربما تحتاج إلى من يدق "جدار الخزان" ويكسر حاجز الصمت المُخزي واللاإنساني، حين يتوقف العقل ويكثر التنظير بلا جدوى، وتدفع النساء الضريبة أرواحهن ودمائهن.

استمعوا لقصة أحلام وكأنها فيلم رعب، ففي شهر مايو الماضي أوقفت أحلام في دار آمنة لحماية النساء المُعرضات للخطر مؤقتا، ولم يستمر مكوثها أكثر من يومين إذ أحيلت بعدها وأوقفت في مركز إصلاح وتأهيل الجويدة على خلفية قضية لم يُفصح عنها، وقبل ما يزيد على ثلاثة أسابيع بقليل سُلمت أحلام الضحية لذويها بكفالتهم.

عادت أحلام بوعود الأمان من أسرتها، ولكن الأب لم يصن وعوده واعتدى عليها بأداة حادة في البيت، لكنها لم تمت، وهربت مستغيثة بدمها النازف ليلحق بها، ويجهز عليها، ويهوي على رأسها بصخرة، ويتركها بالشارع مرددا أنه غسل عاره الذي ألحقته به، وليجلس قرب رأسها المُهشم ويتناول كوبا من الشاي بانتظار إلقاء القبض عليه من قبل قوات الأمن.

أي قصة يمكن أن يجود بها هذا الأب إلى مخيلة كُتّاب السيناريو، وأي ظمأ هذا للانتقام يمكن أن تختزله هذه الجريمة.

الجريمة أصبحت حديث السوشيال ميديا بالتأكيد، والبشع والمقرف أن تجد من يُدين الضحية ويُبرأ المجرم، وتُختلق الأعذار، أسهلها أن أحلام بأفعالها الشائنة أوجبت هذا "القصاص" كما يجدونه، فهم يُصدرون أحكامهم نيابة عن سلطة الأرض والسماء، ولا يتورع فريق من هؤلاء باستخدام لبوس ديني ليُرهب الآخرين ويمنعهم من الرد، وفريق آخر يُمثل دور حراس الفضيلة مُدافعا عن الوطن في وجه دعاة "الإباحية" والتغريب، والليبرالية.

لفتني جرأة المحامية والناشطة الحقوقية هالة عاهد بتغريدة لها على توتير "الهجوم على المدافعات عن حقوق المرأة لأنهن ضد الدين، والحقيقة أننا ضد من خطف الخطاب الديني لصالح سلطته وامتيازاته، إن كنتم ترون أن الدين براء من العنف ضد النساء، فلماذا ترون في المطالبة بحمايتهن خطابا مُعادا؟ ولماذا ترفعون المصاحف على الرماح عند تعديل قانون يمنع إفلات مجرم من العقاب؟".

أكثر ما يؤلم أن أحلام هي الضحية التاسعة في سجل الجرائم المرتكبة بحق النساء خلال العام 2020 في الأردن، والسجال حول ضرورة إنجاز تعديلات تشريعية، واتخاذ إجراءات وتدابير فعالة لحماية النساء ووقف العنف ضدهن لم يقطع دابر هذه الجرائم، وحتى الفتوى الصريحة من دائرة الإفتاء عام 2016، وتنص "أن ما يُسمى جرائم الشرف من أبشع الجرائم التي تنشر في مجتمعاتنا، ويظن القاتل أنه يُطهر نفسه من العار والمذمة، ولا يدري أنه يرتكب ما هو أخطر وأكبر وهو سفك الدم الحرام" -هذه الفتوى الصريحة- لم توقف بعض الألسن التي تسوق الذرائع للقتلة.

بيسان جابر تكتب على حسابها في توتير تحت وسم صرخات أحلام "في عام 2020 توفي 11 مواطنا أردنيا بفيروس كورونا بينما توفيت 9 مواطنات أردنيات –ممن علم عنهن- بجرائم عنف أسري، في الحالة الأولى أعلنت قوانين الدفاع وأغلقت البلاد وتم تتبع الجد العاشر لمخالطي حالات كورونا، بالمقابل لم تتخذ أي خطوة جدية أو تحرك للدفاع عن الإناث".

ربما تكون مقاربة صادمة كثيرا، وظالمة في إنكار جهود بذلتها الدولة للحد من جرائم العنف ضد النساء، وقد يكون حقها وحق المجتمع أن يسأل لماذا حتى الآن لم تضع نهاية حاسمة لهذا الدم الذي يُراق؟
انتفضت الحكومة على وقع صرخات أحلام وتعهد رئيس الوزراء في كلمة مصورة أن "يد العدالة ستطال من يخرج على القانون"، وقال " في موضوع الجرائم التي حصدت ثلاثة أرواح، وبالرغم من تغليظ العقوبات لا تزال هذه الظواهر المؤسفة والمؤلمة ترافقنا"، مؤكدا على قيام الحكومة بمراجعة كافة الإجراءات والأدوار بالتعاون مع المجلس الوطني لحماية الأسرة للحد من الجرائم".

وقبل أن تتلاشى صرخات أحلام كان مدير الأمن العام يتعهد هو الآخر بإعادة هيكلة إدارة حماية الأسرة، وإعادة النظر باختصاصاتها لتوسيعها لتشمل كل الجوانب الأسرية المتعلقة بالمرأة والطفل، وأكد أن حماية النفس البشرية، ومنع التعدي عليها وتعريضها للقتل أو الإيذاء تحت أي ذريعة كانت هو الأساس للهيكلة بما في ذلك النظر في كل القوانين والأنظمة، مطالبا بالابتعاد عن الأساليب القديمة لحماية النساء المعنفات أو المهددة حياتهن، ووضع إجراءات جديدة تضمن الحماية الأكيدة من العنف والاعتداء.

قد تُسهم هذه التصريحات في إطفاء حالة الغضب التي سادت المجتمع والمنظمات النسوية التي يجري شيطنة العديد من مطالبهن، ولكن الأكيد أن حزمة التشريعات التي عُدل بعضها منذ سنوات قليلة تحتاج إلى مراجعة جذرية بما يُنهي ويضع حدا لاستخدام العذر المُخفف في جرائم قتل النساء، والذي يُتيح تخفيف العقوبة، والأهم أيضا وقف المواد التي تُجيز للأسرة إسقاط الحق الشخصي عمن يرتكبون الجريمة من عائلتهم.
الجدل القانوني لن ينتهي ولن يتوقف، ولكن القتلة يفلتون بجرائمهم متسللين بين نصوص المواد القانونية والتي لا يحقق بعضها شروط العدالة الناجزة.

معهد تضامن النساء ذهب إثر جريمة أحلام أبعد من نصوص القانون ليُطالب بإنشاء مرصد وطني لحالات قتل النساء والفتيات، وعدم قبول تعهد الأسرة بحماية بناتهن في حال وجود أي خطورة، والتوسع في إنشاء دور للنساء المُعرضات للخطر.

ربما ستذوي صرخة أحلام قبل أن تتحقق العدالة، والمُتيقن منه أن صرخات أحلام تحولت إلى كوابيس مُفزعة، والحقيقة المُرة والقاسية أن مسلسل قتل النساء في عالمنا العربي سيستمر ما داموا يستحضرون "حروب القبيلة" ويوظفونها افتراء وكذبا وتدليسا في نحر النساء قربانا لشرف مزعوم وموهوم.
 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.