Lebanese soldiers deploy after protesters blocked a bridge with flaming tyres on the Sidon-Ghazieh highway amid demonstrations…
Lebanese soldiers deploy after protesters blocked a bridge with flaming tyres on the Sidon-Ghazieh highway amid demonstrations which erupted after the sharp drop of the Lebanese pound on the black market, in the southern coastal town of Ghazieh, on June…

في لبنان نحن أمام نهاية قصة. هذه القصة بدأت قبل ١٠٠ عام تماماً، أي في العام ١٩٢٠، وها نحن نشهد نهايتها. لم يعد من مؤشر واحد يمكن التعويل عليه لتوقع النجاة. الانهيار المالي الهائل ليس سوى تتويجاً لانهيارات متلاحقة رحنا في السنوات الأخيرة نشيح النظر عنها. لبنان هذا، يقاتل في سوريا، ولبنان يستدين من نفسه ليراكم سياسيوه ثرواتهم، ولبنان الذي فشل في تحقيق إجماع واحد بين جماعاته الأهلية، ولبنان الفاسد والفاشل والعاجز. كل هذه المؤشرات كانت بدأت تلوح من سنوات طويلة، إلى أن حلت النهاية. واليوم تحكمه سلطة متشكلة من كل هذه العناصر بعد أن جرى تكثيفها. 

الانهيار لم يقتصر على البنى السياسية الظاهرية، من أحزاب وزعامات ومواقع، الانهيار وصل إلى جوهر البناء الذي قام عليه البلد في العام ١٩٢٠، والذي توج بميثاق العام ١٩٤٣. لبنان السرية المصرفية والقطاع المصرفي انتهى إلى غير رجعة. وكانت نهاية مظلمة. أقدم أصحاب المصارف على السطو على ودائع الناس. نهاية لا عودة بعدها.
 
لبنان قطاع الخدمات انتهى أيضاً. المطاعم المفلسة تُطعم روادها دجاجاً فاسداً! هذا الأمر الذي اكتُشف قبل أيامٍ قليلة، مارسته الشركة التي تبيعنا الدجاج على مدى أربع سنوات من دون أن يلاحظه مراقب أو مدقق. 

لبنان التعليم الحديث والجامعات المتقدمة في التصنيفات العالمية هوى أيضاً. أقوى الجامعات في بيروت، وهي الجامعة الأميركية، تعيش أزمة وجودية كبرى، وهي أقدمت على حماقة تؤشر إلى ترنح ادارتها، وإلى انتقال عدوى الفشل والفساد إليها. أما الجامعات الأخرى فأزماتها أكثر فداحة، ومصائرها مجهولة، ولا أثر لمنقذ.

الخراب جوهري، ولسنا هنا حيال صدوع يمكن رأبها. فتلك القطاعات كانت وظيفة لبنان، وهي الحاجة التي جعلت منه بلداً ممكناً على رغم ما اعترى التجربة ضعف ونقص. المدافعون عن لبنان اليوم، عن ماذا سيدافعون؟ أي حاجة يلبيها لهم هذا البلاد؟ حماية الأقليات؟ لم تعد هموم العالم مصبوبة على أقليات المشرق على نحو ما كانت في سنوات التأسيس. النموذج الذي يسعى العالم لتقديمه للشرق بصفته اقتراحاً؟ لبنان لم يعد نموذجاً ولا اقتراحاً، بل على العكس، إذا أردت أن تصور الفشل والفساد والاستتباع فما عليك إلا أن تشير إلى لبنان. فحين نقول إن لدى فرنسا مثلاً رغبة بإنقاذ لبنان، نكتشف أن هذه الرغبة مترافقة مع شروط يقتضي تحقيقها ولادة دولة جديدة. دولة من دون حزب الله ومن دون سعد الحريري وجبران باسيل ونبيه بري. دولة "كلن يعني كلن". 

والغريب أن فرنسا تطلب من هؤلاء أنفسهم أن يكفوا عن كونهم أركان الدولة وأركان الانهيار. المهمة غير واقعية، تماماً مثلما لبنان صار غير واقعي. ثم أنه كيف يمكن لدولة عقلاء مثل فرنسا أن تضع يدها في بلد مثل لبنان اليوم؟ لنبتعد قليلاً ونعاين المصيبة! بلد تستمر طبقته السياسية بنهبه إلى اليوم. هذه الطبقة السياسية هي نفسها من ستعود لتولي ملفات الكهرباء والنفايات والنفط، واستئناف النهب. بلد قرر حزب من أحزابه أن يقاتل في بلد آخر، فكان له ما أراد! لسنا هنا حيال قصة فشل عادية، ومن العقل الابتعاد. 

إنها النهاية، ولكن الاستعصاء يمتد إلى ما بعدها. في السابق، حين كنا نتوقع "النهاية"، كانت تلوح لنا صور ما بعدها. اليوم التوقع يكاد يكون مستحيلاً! انتهى لبنان الخدمات والمصارف والجامعات والمستشفيات، فأي شيء سيولد من هذا الخراب. الطوائف أعجز عن أن تقيم لبنانها بمعزل عن هذه الوظائف. 

القوة الحية الوحيدة في لبنان اليوم هي حزب الله. هل يمكن أن ينجم عن خراب لبنان الكبير، لبناناً آخر هو لبنان حزب الله؟ قد يكون الجواب أن لبنان هو دولة حزب الله من سنوات طويلة. الرئاسة للحزب والحكومة والغالبية النيابية. لكن لبنان هذا هو نفسه الذي هوى على رؤوسنا، وهو نفسه الذي ننتظر إعلاناً رسمياً لنهايته. فالحزب الذي أنشأ قاعدة من الشراكة الوهمية لسلطته الحقيقية على مدى سنوات، هو الذي فشل في حماية الهيكل، وهو اذا ما كان سيرث نفسه في أعقاب تهشم دولته، فأي وظيفة سيختارها للبنان الوليد؟
لبنان المسيحيين فشل في العام ١٩٧٥، ولبنان الشراكة بين النظامين السوري والسعودي أقدم على الانتحار في لحظة اغتيال رفيق الحريري. 

وبعد العام ٢٠٠٥ راح حزب الله يقضم ما تبقى لغيره من مساحات إلى أن توج نفوذه بدولة يملك فيها كل المواقع. ويبدو أننا اليوم نشهد النهاية الثالثة، من دون أن نتمكن من ضبط توقعاتنا لما بعد هذا السقوط.   

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.