إنصات الإنسان إلى صوته الداخلي وحده لا يكفي، لأن المؤثرات المحيطة به كبيرة وقوية لدرجة أنها قد تضلله
إنصات الإنسان إلى صوته الداخلي وحده لا يكفي، لأن المؤثرات المحيطة به كبيرة وقوية لدرجة أنها قد تضلله

يلفت نظري كثيرا حين أشاهد مقابلات مع بعض المشاهير في أميركا، مثل أوبرا أو بيل غيتس أو غيرهم، أو أيضا بعض المشاهير في العالم العربي، مثل كاظم الساهر وغيره، كيف أنهم وسط الشهرة والمال والأضواء المحيطة بهم من كل جانب، مع ذلك لديهم القدرة على أن يقيموا فاصلا بين كل ذلك وبين أنفسهم فيملكوا الإمكانية للتمييز بين ما هو خارجهم وبين ما هو داخلهم، أو بالأحرى ما يخصهم كأفراد وذوات وبين ما يخص العالم بوصفهم مشاهير. كما لو أنهم يبتعدون، في لحظة ما، عن الضجيج القادم إليهم من الخارج، حتى يخفت ويتوارى، ما يتيح لهم الانصات إلى دواخلهم.

وسط الزحام

في العادة فإن كثيرا منا يضيع في وسط زحام الحياة والشهرة والثروة والمجد، حتى أننا نتماهى تماما مع الأجواء المحيطة بنا، فلا نكاد نفرق بين تلك الصورة التي يصنعها الجمهور أو العالم الخارجي عنا، وبين من نكون نحن أنفسنا. إننا نتصرف وفق تلك الصورة التي نعتبر أنها حقيقة تمثلنا والتي يتم تغذيتها باستمرار من قبل المحيطين، القريبين أو البعيدين عنا. 

طبعا هذه الصورة لا تدوم، فهي تتغير بتغير أذواق الناس واهتماماتهم وتصوراتهم وأيضا بحكم الزمن وتعاقب الأحوال. لذلك مع الوقت ترتفع أسهم بعض المشاهير أو تنخفض. ومعها تتبدل تلك الصورة، وما يرافق ذلك من إصابة صاحب الشهرة بالاكتئاب أو القلق أو الغضب. والسبب في ذلك أن الناس هم من صنعوا هذه الصورة للإنسان وهم من يغيرونها، وهذا أمر يحدث في كل وقت ومكان، لكن المشكلة ليست في الناس وإنما في الإنسان حين يصدق هذه الصورة أو يعتبر أنها هي صورته الحقيقية ويتصرف في ضوء ذلك.

خمس صور

لكل إنسان خمس صور تقريبا، واحدة هي تلك التي يكوّنها العالم عنه ويعكسها على الإنسان نفسه، وثانية هي تلك التي يعتقد الإنسان أن العالم يراه بها، وثالثة هي تلك التي يكوّنها هو عن نفسه، ورابعة هي الصورة التي يتمناها لنفسه وخامسة هي التي يكون عليها.

الصورة الأولى ليست حقيقية لأنها الصورة التي يريد العالم أن يراها في ذلك الشخص. والصورة الثانية أيضا ليست حقيقية لأنها ما يرغب الإنسان أن يراه الناس من خلالها، والصورتان الثالثة والرابعة كذلك ليستا حقيقيتين لأنهما اللتان يريد ذلك الشخص أن يراهما في نفسه. بينما الصورة الخامسة هي الحقيقية لأنها هي الصورة التي يكون عليها فعلا.

السؤال هو طبعا كيف يستطيع الإنسان أن يصل إلى صورته الحقيقية أو يميز ما بين هذه الصور الخمس؟

معظمنا يضيع بين هذه الصور، فإن تخطينا الأولى فإننا قد لا نتخطى الثانية أو الثالثة أو الرابعة، والسبب هو أن رغبة الإنسان أو "الأنا" أو "النفس" لديه تكون قوية إلى درجة أنها تقف حاجزا بينه وبين أي سعي لمعرفة الصورة الحقيقية. فالطبيعة في الإنسان تجعله يألف ويأنس ما تعود عليه أو ما وافق هوى في نفسه، وما استثمر فيه من وقت وجهد، بينما التغيير يتطلب عكس ذلك تماما.  

الصوت الداخلي

لعل أول خطوة يمكن للإنسان أن يخطوها كي يفهم ويدرك حقيقة تلك الصور، هي إسكات ذلك الهدير القادم إليه من الخارج وإفساح المجال لصوته الداخلي. ما هو الصوت الداخلي؟ إنه إحساس الإنسان وشعوره الخاص، إنه ما يحدثه به قلبه حين يخلو بنفسه. الواقع أن لدى كل إنسان مثل هذا الصوت مهما كان ضعيفا. فالإنسان يمكنه أن يغالط العالم كله، وقد يغالط نفسه أحيانا، وربما يستطيع أن يتجاهل أو ينكر ما يسمع، لكنه لا يستطيع أن يلغيه تماما من الوجود.

لكن إنصات الإنسان إلى صوته الداخلي وحده لا يكفي، لأن المؤثرات المحيطة به كبيرة وقوية لدرجة أنها قد تضلله، لذلك من المفيد، وهذه هي الخطوة الثانية، أن يجتهد الإنسان في خلق حيز ومساحة من الوعي داخله كي يستطيع أن يسمح فيها لذلك الصوت بأن ينمو وتتوضح معالمه ومقاصده. هذه المساحة هي الخاصة بالتعبير عن المشاعر والأحاسيس. 

الرحلة في الوعي 

السيطرة على التأثير الخارجي وتنمية المشاعر الداخلية، تسمح للإنسان، وهذه هي الخطوة الثالثة، بأن يعيد اكتشاف نفسه، ليس وفق معايير الآخرين، وإنما وفق معياره هو. ولكن هذه المرة سوف يكون المعيار مجردا من تأثيرات "الأنا" أو "النفس"، سيكون شيئا نابعا من منطقة أبعد في الإنسان. وحين أقول معيار الإنسان نفسه، فالقصد هو نظرته إلى نفسه انطلاقا من وعيه بنفسه.

هذه العملية طويلة بطبيعتها وتأخذ الإنسان إلى عوالم ومناطق في وعيه، لم يكن منتبها لها أو عارفا بوجودها أصلا. فحتى الآن فإن الواحد منا يعرّف نفسه انطلاقا من واحدة أو أكثر من الهويات المختلفة، التي ارتبطت بنا أو ارتبطنا بها عبر المجتمع، مثل الاسم والانتماء العائلي أو القبلي أو الديني أو القومي أو الوطني أو الوظيفي أو الجنسي.. الخ، لكن بمجرد أن نزيح هذه الهويات جانبا، ولو على مستوى الوعي، فماذا يتبقى؟ يتبقى الإنسان في صورته الأصلية، وهي صورته الحقيقية.

وحتى إذا عاد الإنسان من جديد إلى تلك الهويات المجتمعية، فإنه هذه المرة سوف يعود مختلفا، ومسلحا بالوعي بعد الرحلة التي قطعها داخل نفسه، وسوف يكون قادرا على التمييز بين ما يخصه فعلا وما يخص الآخرين. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.