وقفت السويد والتي عرف عنها انها لم تغلق أنشطة الدولة، لتعلن عن نمو إيجابي جيد في الربع الأول من العام الحالي
وقفت السويد والتي عرف عنها انها لم تغلق أنشطة الدولة، لتعلن عن نمو إيجابي جيد في الربع الأول من العام الحالي

حينما بدأت جائحة كورونا في الانتشار تعددت التوقعات حول معدلات الوفيات التي ستحدث بسبب هذه الجائحة، وسارعت العديد من الدول إلى  اتخاذ اجراءات حظر شاملة بهدف إغلاق معظم أو جميع أوجه النشاط الإقتصادي والاجتماعي في الدول، مما تسبب في انهياراقتصاديات عديدة.

 وكنتيجة لذلك فقدت الكثير من الدول معدلات نمو اقتصادية عالية، وزاد عدد العاطلين، وأغلقت المطاعم والمحلات وشركات السفر مما تسبب في كساد اقتصادي عميق أدى في النهاية إلى انهيار في أسواق الأسهم العالمية وفي اسعار البترول.

وكان هذا الدمار الاقتصادي أحد تداعيات الفيروس الإقتصادية والتي تضاف إلى أعبائه الصحية على كاهل الدول.

ووقفت السويد والتي عرف عنها أنها لم تغلق أنشطة الدولة، لتعلن عن نمو إيجابي جيد في الربع الأول من العام الحالي، وذلك على العكس تماماً من الدول التي أغلقت جميع الأنشطة وأجبرت الأصحاء على المكوث في منازلهم. 

هذا على الجانب الاقتصادي، أما عن الجانب الصحي فإن السويد تحظي اليوم بدرجة عالية جداً من "المناعة الطبيعية" كنتيجة  لتعرض المجتمع بشكل تدريجي للفيروس بسبب عدم إغلاق الدولة وعدم إغلاق المدارس، والذي يدلل على وجود درجة عالية من المناعة في السويد هو أن نسبة الحالات الحرجة إلى الحالات النشطة للمرض يقترب من الصفر كما تدلل إحصائيات المرض، وهذه النسبة هي أقل بمراحل من  المعدل العالمي (1%) ولدول الأخرى مثل ألمانيا (4%)، وأسبانيا (1%)، وأمريكا (0.8%). 

وحتى الدول الإسكندافية التي قد يكون لديها معدلات وفاة أقل من السويد فإنها ليس لدى شعوبها مناعة كافية ضد المرض، فمعدلات الحالات الحرجة فيها بالنسبة للحالات النشطة هي فنلندا (0.8%)، الدانمارك (1.4%)، النرويج (0.1%).

وهذه الاحصائيات تدلل أن احتمال أن تتحول حالة المريض بالكورونا في السويد إلى حالة حرجة تتطلب دخول مستشفى هو احتمال أقل بمراحل من الشعوب الغربية الأخري وحتى الإسكندنافية منها. 

وقد يتساءل البعض كيف أن مناعة المجتمع في السويد عالية بالرغم من أن بعض الإحصائيات ذكرت أن معدلات تواجد الأجسام المضادة للفيروس (نوع جي) والتي تدلل على وجود مناعة عندهم هي فقط حوالي 7%؟
 
والرد الأول ببساطة هنا أن هذا الرقم كان في بداية إبريل وقد يكون الوضع مختلفاً تماماً الآن.

والرد الثاني هو أن قياس الأجسام المضادة نوع (جي) لا يكفي لتحديد المناعة ضد فيروس كورونا، فهو مثل العديد من الأمراض الفيروسية للجهاز التنفسي والرئتين يعتمد على وجود أجسام مضادة من نوع (إيه) في جدار الجهاز التنفسي العلوي والشعب الهوائية، وهو ما لم يقس في هذه التجربة ولا يقاس بصورة روتينية على وجه العموم.

أما الرد الثالث ببساطة فهو أن هناك نوع من المناعة يعتمد على الخلايا التائية – وليس على الأجسام المضادة، وتسمى هذه الخلايا (ليمفوسيتس نوع تي) وهي خلايا سامة وقاتلة للفيروس تقبع في أنسجة الجهاز التنفسي ولا يتم قياسها بصورة روتينية لأنها صعبة القياس جدا، وهذا النوع من المناعة هو من أهم -إن لم يكن أهم- نوع للمناعة الطبيعية التي تقاوم الفيروسات الرئوية مثل فيروس كورونا.

وأحياناً يقضي هذا النوع من المناعة المعتمدة على الخلايا على الفيروس دون الحاجة إلى إنتاج أجسام مضادة فتكون نسبة هذه الأجسام المضادة تقارب الصفر في الدم، وفي هذه الحالة يكون الشخص لديه ما يكفي من المناعة الأساسية للمرض بدون وجود أجسام مضادة بنسبة عالية في الدم.

وباختصار فإن عدم وجود نسبة عالية من الأجسام المضادة ضد الفيروس في إبريل الماضي عند الشعب السويدي لا يدلل على الإطلاق على عدم وجود مناعة لديهم والتي ثبت إكلينيكياً وجودها وبقوة واضحة تتجلى في نسبة معدلات قليلة للغاية من الحالات النشطة التي تتحول إلى حالات حرجة عندهم، وهي نسبة تقارب الصفر كما ذكرت الإحصائيات العالمية في "وورلد ميتر".


وخلاصة القول هو أن السويد والتي قررت تبني المناعة المجتمعية أو "مناعة القطيع" كوسيلة لمواجهة كورونا فلم تفرض إغلاقاً على الناس لمواجهة الفيروس، وظلت مدارسهم وانشطتهم الإقتصادية مفتوحة لم ينهر إقتصادهم، وحظي شعبها بنسبة مناعة عالية للغاية تقلل من مضاعفات وتداعيات المرض لمن يصابون به من شعبها، ولذلك -فهي بجميع المقاييس- لم تزل تتربع على عرش مواجهة فيروس كورونا.

 وقد يكون ما سبق هو ما دعا منظمة الصحة العالمية إلى أن تصف أسلوب السويد قي مواجهة كورونا بأنه نموذج يحتذى به.

 وهو ما دعا أيضاً واحداً من كبار علماء علم الأوبئة في جامعة أكسفورد إلى أن يمدح النموذج السويدي في مواجهة كورونا ويعتبره أيضاً مثالاً يحتذي به!

ويحضرني هنا أيضاً ما ذكرته مجلة "فورين أفيرز" العالمية وهو أن النموذج السويدي سيكون النموذج الأمثل للاقتداء به قريباً.

والمبهر في الأمر أن السويد بعد ان انتهجت أسلوب "المناعة الطبيعية" ورفضت الإغلاق – على عكس الكثير من الدول الأخرى- تكون بذلك قد أسست أيضاً لحماية نفسها من التعرض لموجات أخرى عنيفة لهذا المرض بعد انتهاء عملية الإغلاق الكامل.

وللحديث بقية!!
 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.