منظومة الدفاع الصاروخي الروسية إس-400
منظومة الدفاع الصاروخي الروسية إس-400

عام مضى على نشر تركيا لنظام الدفاع الروسي أس-400 ولو من دون تشغيلها، وضغوط الكونغرس والنخبة العسكرية الأميركية تتزايد بشكل بدأ يهدد التعاون الدفاعي بين واشنطن وأنقرة من جهة وبين حلف الشمال الأطلسي (الناتو) والجانب التركي من جهة أخرى.

وخلال الأسبوع الجاري، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية شراء 8 مقاتلات أف-35 من شركة "لوكهيد مارتن" كانت اشترتها تركيا وخسرتها بعد صفقة رجب طيب إردوغان وفلاديمير بوتين الدفاعية. هذا القرار لحقه بأيام تصويت الكونغرس وبغالبية غير قابلة للنقض على تعديل يجبر البيت الأبيض على معاقبة تركيا لشراء المنظومة الصاروخية ويستعجل فرض هذه العقوبات.

رهان إردوغان على خلق توازن في تحالفاته بين روسيا شرقا وأميركا والناتو غربا، يتضعضع اليوم أمام خسارة تركيا عضويتها في تحالف الأف-35 وتأزم علاقتها مع الكونغرس. فتركيا التي كانت الدولة الشرق الأوسطية الوحيدة في هذا التحالف منذ 2002 إلى جانب كندا، الولايات المتحدة، أستراليا، الدنمارك، بريطانيا والنروج، كانت تنتظر تسلم مئة طائرة أف-35. 

وذهبت حسابات إردوغان إلى أن الحاجة الاقتصادية والعسكرية لتركيا ستتفوق على المنافسة الدفاعية والاستخباراتية بين الغرب وروسيا، وبالتالي سيسمح له الغرب باستحواذ المنظومة الروسية وفي نفس الوقت المقاتلات الأميركية. 

معادلة نشر الأس-400 وشراء الأف-35 هي مستحيلة استخباراتيا ودفاعيا بالنسبة للجيش الأميركي. فالنظامين يتضاربان وقد تستخدم روسيا منظومتها للتجسس على التكنولوجيا الأميركية والانتشار الدفاعي هناك. وبالتالي فالمسار الجديد للأمور ينذر بطلاق دفاعي على مستوى طائرات الأف-35 بين تركيا والولايات المتحدة. 

فمجلس النواب الأميركي صوت بغالبية من الحزبين (295 صوت) لمعاقبة تركيا وإخراجها بالكامل من أي دور تصنيعي لهذه الطائرات. هذه الغالبية تتخطى الرقم المطلوب في حال نقض الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التعديل، وبالتالي هي في طريقها لتصبح قانونا. المجلس صوت أيضا على فرض عقوبات على أنقره من خلال قانون مكافحة خصوم أميركا لعام 2017 (CAATSA) والتي تريث بفرضها ترامب طوال العام الفائت ويستعجلها النواب اليوم. 

ماذا يعني ذلك لتركيا؟ 

تصويت الكونغرس باستعجال العقوبات وقطع حبل الوريد بين أنقره وبرنامج أف-35 يعكس حجم النقمة التشريعية الأميركية على إردوغان. فبين مشاكل التنقيب في شرق المتوسط، التشنج مع اليونان وأرمينيا، التودد لروسيا، والتدخل في ليبيا وفي الشمال السوري ضد الأكراد، ومن ثم قرار اعادة تحويل آيا صوفيا الى مسجد، ازداد التباعد وحدة الخصومة بين تركيا إردوغان والكونغرس. 

اليوم، تصويت النواب سيزيد الضغوط على وزارة الدفاع الأميركية والبيت الأبيض لتسريع عجلة العقوبات على تركيا. فالنخبة الدفاعية كانت تحاول استمهال وقف انتاج بعض قطع الأف-35 حتى 2022، إنما الكونغرس لن ينتظر حتى ذلك التاريخ. وخروج تركيا بالكامل من هذا البرنامج سيصعب تعاونها الدفاعي والاندماج التقني ليس فقط مع واشنطن بل أيضا مع الناتو. 

طبعا، أردوغان أمامه خيار البحث عن بدائل روسية أو صينية لطائرات الأف-35 إنما هذا سيعمق أزمته مع الغرب ولن يحلها. وهو قد يراهن على إغراء واشنطن بصفقة التبادل التجاري، ومساعدتها للخروج من سوريا ومواجهة الصين. هذا خطوط تروق لمسؤولين داخل الإدارة الأميركية إنما فقدت صلاحيتها اليوم مع تفاقم الأزمات بين العاصمتين، وتحدي الكونغرس بغالبية من الحزبين لهذه السياسات. 

المنعطف الوحيد الممكن لتركيا للخروج من هذه الأزمة الدفاعية مع الغرب هي بالتخلي أو تعطيل النظام الدفاعي الروسي الذي استحوذته في 2019. فالتكنولوجيا الدفاعية والمنافسة الاستخباراتية هي خط أحمر بالنسبة للأميركيين والناتو، ولن يغير من تداعياتها الكلام المعسول بين إردوغان والقيادات الغربية كما لن تتأثر قوانين الكونغرس بالبازارات السياسية الموقتة بين البيت الأبيض واسطنبول.

بالتالي وبغض النظر عن الانتخابات الأميركية الخريف المقبل، نحن أمام مرحلة تشنج بين تركيا والولايات المتحدة تحيطها مخاوف وزارة الدفاع الأميركية من اختراق روسي استخباراتي على أرض الناتو، وأخرى في الكونغرس من تمادي إردوغان في نزاعات اقليمية واشكالات متزايدة مع دول الجوار.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.