الممثلة السورية سلاف فواخرجي تتعرض للانتقادات بسبب ملصق مسلسل
الممثلة السورية سلاف فواخرجي تتعرض للانتقادات بسبب ملصق مسلسل

بحسب إعلانات الشركة المنتجة، من المفترض أن يبدأ يوم غد، عرض المسلسل السوري "شارع شيكاغو" على محطة خليجية مشفّرة مرفق بإشارة التنبيه "للكبار فقط"، وهو مسلسل، أثار جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي قبل عرضه بسبب الملصق الترويجي الذي تم نشره قبل أيام، وتظهر فيه النجمة السورية سلاف فواخرجي مع مهيار خضور في لقطة فنية من أحد مشاهد المسلسل وهما يتبادلان قبلة. 

سيتناول المسلسل، بحسب الترويج الذي سبقه، قصة رومانسية بوليسية، تدور أحداثها في شارع شيكاغو، وهو شارع في دمشق، في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي قبل أن يتحول اسمه لاحقاً إلى شارع بورسعيد وتشغله معظم محلات التصوير الفوتوغرافي وملحقاتها. 

كان قد اكتسب اسمه الأميركي في حينه، لكثرة الحانات والملاهي والمقاهي التي انتشرت فيه، جنباً إلى جنب الملتقيات الفكرية والأدبية والسياسية المنتشرة في محيطه، ومنها مقهى الهافانا الشهير، والنادي العربي، العريقان بتاريخهما كجزء حيوي وهام من تاريخ دمشق،  إضافة إلى عشرات صالات السينما التي كانت تستقبل العروض المسرحية والسينمائية العربية والعالمية آنذاك، ومن أشهرها سينما زهرة دمشق "فلور دو داماس" التي افتتح فيها النجم العالمي شارلي شابلن بحضوره الشخصي فيلمه "أضواء المدينة" سنة 1931، وسينما الدنيا، ودمشق، وسينما أدونيس أو بلقيس التي صار اسمها الكندي حالياً، وسينما روكسي (الأهرام حالياً) التي عرض فيها الفيلم الأميركي الشهير ذائع الصيت "ذهب مع الريح" سنة 1942، بعد عرضه تباعاً في كل من القاهرة وبيروت، وقبل عرضه في الصالات الأوروبية، التي منعت الأفلام الأميركية إبان الحرب العالمية الثانية كما أشار المؤرخ السوري الدكتور سامي المبيض. 

من غير الجائز إطلاق حكم نقدي فني على مسلسل قبل عرضه ومتابعته، لكن الحكم الأخلاقي على مسلسل شارع شيكاغو، قد صدر ضده مسبقاً، من قبل شريحة عريضة ممن اعتبروا مشهد القبلة خادش للحياء رغم تصنيفه للكبار فقط، وتعبير عن هبوط أخلاقي للدراما السورية، وكُتب في حق نجمي العمل شتائم مقذعة.

في المقابل، دافعت شريحة واسعة عن حرية الفن، وحيّت شجاعة بطلة العمل في الإخلاص للمصداقية الفنية، انطلاقاً من طبيعة العمل الرومانسية، والمصداقية التاريخية لأجواء تلك المرحلة، التي تقبلت اجتماعياً طبيعة أعمال فنية مشابهة، وكانت شوارع وواجهات دور السينما الدمشقية تروج صراحة لملصقات أفلام سورية وعربية وأجنبية، القبلات جزء لايتجزأ من تاريخها.

المد التحريمي الذي انتشر منذ مطلع الثمانينات في معظم البلاد العربية وأفرز تحولات اجتماعية أهم مظاهرها التراجع المدني العربي العام، لم تقصقص أذرعه أجنحة الحريات الفنية فقط، بل امتدت لتطال الثقافة والفكر والأدب والتعليم ومعظم جماليات الانفتاح وتجلياته برمتها، وإن كان هذا المد قد أمكن ضبط تغوله نسبياً في بعض البلدان، إلا أن حقيقة وجوده في الظل مازالت موجودة ومؤثرة وقادرة على التدمير، إن لم يكن مباشراً، فهو تدمير معنوي ونفسي، يستخدم أدوات العصر الحديثة، وأبرزها وسائل التواصل الاجتماعي بكل حرية، رغم مناهضته للحريات، ويترافق غالبا بسلوكيات ولغة ممنهجة تدأب على تحطيم المنظومة الأخلاقية للفرد، أو الفكرة، أو أي ناتج إنساني، يراد تحطيمه، عبر تسخير ما أمكن من الذرائع الأخلاقية النبيلة لأغراض غير نبيلة، تطال حياة الإنسان وكرامته وسمعته وأسرته، وبخاصة حين يتعلق الأمر بالنساء.

من المعروف أن العديد من الأفلام السينمائية العالمية القديمة التي تضمنت بعض المشاهد الجريئة والقبلات الحميمة، حضرها أجدادنا وأباؤنا، ولم يخدش حياؤهم أو ينجبوا أولاداً ويربوهم تربية لاأخلاقية، ومن المعروف أيضاً أن العديد من الأفلام العربية التي تعود للستينيات والسبعينيات، مثل أبي فوق الشجرة وحمام الملاطيلي وغيرها، عدا عن أنها الأكثر شهرة وربحية، مازالت حتى اليوم من أكثر الأفلام متابعة عبر النت، فيما فات العديد ممن خدشت حياءهم قبلة في مسلسل، أن السينما السورية تحديداً، تحفل بأفلام مليئة بمشاهد ساخنة وقبلات حارة، مثّل فيها ممثلون وممثلات مازال بعضهم أحياء، تكتب أسماؤهم على شارات الأعمال الفنية المعاصرة بصفتهم الممثل أو النجم القدير، أو النجمة والممثلة القديرة، والأهم أن بعض المستائين من قبلة خدشت حياؤهم، فاتهم أن يتساءلوا ما إن كان أحد أجدادهم أو أبائهم، قد مر بشارع شيكاغو في يوم من الأيام، ومن يدري أين كان أجدادنا يتسكعون؟؟

لادفاع عن هذا المسلسل أو سواه، إن ثبت لاحقاً أنه لايتوافق مع المعايير الدرامية والنقدية والفنية الجيدة، لكن الدفاع عن حرية الفن ستظل دوماً قضية مبدئية، وعن أي امرأة حرة تنتهك كرامتها من أجل خياراتها في الحياة، والقبلة في هذا السياق، ليست قبلة فنية فقط، لاتقدم ولاتؤخر، إنما هي قبلة إنسان، قبلة حياة، توازي الحب الذي يتم تحريمه من قاموسنا الإنساني، مجرد قبلة هزت أركان بعض المجتمع وخدشت حياؤه، فيما لايتحرك هذا الحياء أو يخدش حين تحفل الأخبار بقصص لنساء يغتصبن أو يعنفن على مدار الساعة ويبرىء فيها  المتهمون أو يحظون بأحكام مخففة، أو تعرض بعض الفتيات والنساء أجسادهن للبيع في الطرقات من أجل كسرة خبز في زمن الجوع والقهر، أو لدى رؤية أطفال جياع وحفاة ينهرون وهم يتسولون أمام المطاعم الفاخرة، أو تحترق وجناتهم تحت شمس مخيمات اللجوء اللاهبة.

إن استرجاعاً سريعاً لبعض أغاني الفيديو كليب الهابطة، والمشاهد المثيرة والساخنة وغير المبررة دراميا التي تحفل بها العديد من الأعمال الدرامية في السنوات الأخيرة، والأزياء المترافقة بابتذال جسدي واستعراضي مجاني في بعض الأعمال التجارية الدرامية التي لاقت رواجاً ومتابعة كبرى، ستبدو أمامها قبلة شارع شيكاغو، المتوقع أن يتم تشفيرها على القناة العربية المشفرة،  قبلة عادية تعبر عن زمنها، ذاك الزمن الجميل، الذي تم خدشه، بلا حياء.   

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.