رفع السعر أمر يتعلق بحرية البائع.. ولا تتناقض مع حرية الشاري في ألا يشتري من ذلك المحل
رفع السعر أمر يتعلق بحرية البائع.. ولا تتناقض مع حرية الشاري في ألا يشتري من ذلك المحل

من المحرر: توفي الدكتور رياض عصمت بعد إصابته بفيروس كورونا في 14 مايو 2020. وبعد وفاته تبين لعائلته أن الدكتور سبق أن كتب عددا من المقالات التي لم تنشر بعد، لذلك قرر موقع الحرة نشر هذه المقالات تباعا.

حتى أواسط القرن العشرين، كان من المتعارف عليه أن دول العالم تحرص على الترويج للمبادئ، سواء كان التزامها حقيقياً ومخلصاً بهذه المبادئ أم كان إطلاقها مجرد إشاعات فارغة. في العالم الغربي، كثر الحديث عن قيم الديمقراطية والحرية، وفي كتلة الدول الشيوعية، كثر الحديث عن العدالة الاجتماعية وهيمنة الدولة على إدارة الموارد. أما في العالم النامي، فظهرت لأول مرة حركة "عدم الانحياز"، محاولة إيجاد توازن مستقل بين القوتين الجبارتين، يهدف لتحقيق مصالح شعوبها في مصر ويوغسلافيا والهند وأندونسيا، وليس التبعية لإحدى القوتين. في زمن المبادئ، تصعب التنازلات. يعتبر التخلي عن القضية التي يتبناها التيار فضيحة أخلاقية مدوية، ونكوصاً عن الالتزام المعلن عنه. ربما تكون بعض المناورات سياسية، وتلك ميزة، لا نقيصة. الأهم أن تظل للمبدأ الصدارة، وألا تتخلى قيادة بلد عن تحالفها. في الواقع، تغير الأمر تدريجياً مع أواخر القرن العشرين، فصارت معظم دول العالم لا تخجل من الاعتراف بضرورة المصالح، ولو كان ذلك جزئياً على حساب المبادئ. بالتالي، راجت في أوروبا بشكل خاص فكرة مزج المبادئ بالمصالح، وأصبح من المألوف الخضوع لمتطلبات آنية. بقيت هناك حدود للتنازل والمساومة، فهناك دائماً معارضون ينبهون إلى أهمية احترام المبادئ، وعدم خيانة المفاهيم المطلقة، سواء في الشرق أم في الغرب. للأسف، فإن هذا التيار سار إلى تضاؤل وتلاشٍ مع الإيغال في القرن الحادي والعشرين، فغلبت المصالح على المبادئ غلبة لا جدال فيها. أصبح ترداد الشعارات أمراً يثير السخرية، سواء كانت معلنة أم مستترة. 

ذات يوم من عام 2010، سافرت وأسرتي في إجازة على متن سفينة ضخمة في "كروز" بحري بدأ انطلاقته من فينيسيا الإيطالية وعاد إليها، بعد أن رسا بركابه الذين يبلغ عددهم ثلاثة آلاف ركب في عدد من الموانئ في كرواتيا وتركيا واليونان. لم تقتصر جولاتنا على المدن الكبرى مثل اسطنبول وأثينا، بل زرنا خلال تلك الجولة البحرية عدداً من الجزر التركية واليونانية السياحية الجميلة، واستمتعنا بتذوق أطباق مطابخها اللذيذة، وبالتسوق من بضائعها الفريدة. لاحظت فارقاً أدهشني لدى التجول في أسواق "كوساداسي" التركية، وحتى في السوق المسقوف في اسطنبول، ثم في "سانتوريني" و"ميكانوس" اليونانيتين. في الأولى كان وكلاء ومندوبون عن أصحاب المتاجر يتنافسون في الطرقات صائحين بأصوات عالية لجذب أكبر عدد من الزبائن إلى الداخل لشراء البضائع. أما في الجزيرتين اليونانيتين، فلم يكن هناك من يهتم بدعوة أحد، بل تركت الحرية لرغبة وفضول السياح أنفسهم. في المناطق السياحية التركية جميعاً، كان على الزبائن أن يبذلوا جهداً للمساومة لخفض الأسعار إلى مقدار الثلث على أقل تقدير، وهو أمرٌ مألوف وعادي في أسواق دمشق والقاهرة وتونس والدار البيضاء، وكذلك في كراتشي ولاهور وإسلام أباد في باكستان، وفي طهران وأصفهان في إيران، وفي نيودلهي ومومباي. في الجزيرتين اليونانيتين كانت الأسعار محددة بحيث ينظر البائع إلى الزبون شذراً إذا حاول مساومته، وكأنه يهينه باتهامه بالغش والكذب، إلى حد أنه يشعر أنه على وشك أن يطرد من الدكان شر طردة.  هذا الأمر هو السائد والمعروف في جميع أرجاء الدول الاسكندنافية، وفي معظم أرجاء دول أوروبا الغربية، سواء بريطانيا أم فرنسا أم ألمانيا أم النمسا، بحيث من المعيب للمرء حتى مجرد القيام بمحاولة للمساومة وتخفيض السعر. رفع السعر أمر يتعلق بحرية البائع، وهي لا تتناقض مع حرية الشاري في ألا يشتري من ذلك المحل، بل يذهب إلى غيره. والمناقشة حول السعر أمرٌ مهين في الوقت نفسه، وكأن المرء يقول للسارق أنت سارق بعينك.

    تذكرت وجود هذه الفوارق الاجتماعية ذاتها بين مجموعتين من العواصم والمدن التي زرتها في حياتي. لم يكن وارداً أن نساوم في كوبنهاغن أو فيينا أو برلين أو باريس أو لندن، ولم يكن ممكناً إلا أن نساوم، ونساوم طويلاً، في القاهرة وبكين وطهران وإسلام أباد ونواكشوط. ربما لا تغيظ المساومة بعض الناس، بل يعتبرونها "لعبة شطارة". أذكر صديقاً مسرحياً من المغرب كان يستمتع – على عكسي – بالمساومة في "خان الخليلي". وأذكر صديقاً آخر صار النزول إلى الأسواق في بكين وشنغهاي عادة متأصلة لديه حتى لو لم يكن يود الشراء، فقط ليستمتع بلعبة المساومة. أبشع المساومات عندي هي المساومة التي تطعن المبادئ طعنة غدر شريرة. أذكر أن صديقة باكستانية مثقفة نصحتني بالمساومة الشديدة في أسواق بلدها. بالفعل، قمت بهذا رغماً عني وأنا أشتري مجموعة من الهدايا هي عبارة عن صناعات يدوية، وتفاهمت مع صاحب المحل بعد أخذٍ وعطاء أنني سأصبح زبونه، وأشتري من عنده وليس من عند سواه طيلة سنوات عملي الدبلوماسي. ما أن مرَّ شهر إلا وذهبت إلى المحل نفسه، واستقبلني البائع نفسه. اخترت وزوجتي القطع نفسها التي اشتريتها في المرة السابقة، لكنني فوجئت بأن البائع الذي رحب بعودتي وضع سعرها مضاعفاً. حاولت مناقشته وتوضيح أنني اشتريت مثلها قبل شهر بعد مساومة بسعر أقل بكثير، لكنه أصر وأقسم أنها مختلفة، وبدأت المساومة من جديد. فجأة، شعرت بالغضب يجتاحني، وأدركت أنه مهما بلغت مهارتي في المساومة، فأنا في النهاية مخدوع، لأن الرجل لا يولي أي اعتبار لكوني زبوناً، أو لكوني سبق وفاصلته على الأسعار، وإنما يكذب علي بصلافة.

    ذات يوم في تسعينيات القرن الماضي، سأل إعلامي سوري دبلوماسياً أميركياً تنقل بين عديد من دول العالم قائلاً: "أين تفضل العيش؟ في بلد كسورية أم في أحد بلدان الخليج العربية؟" كان الإعلامي الشاب (آنذاك) والمتحمس للطبيعة الاجتماعية المنفتحة في سورية أن يأتي جواب الدبلوماسي مفضلاً العيش في سورية. لدهشته، أجاب الدبلوماسي الأميركي: "في إحدى دول الخليج طبعاً." حاولت إخفاء ابتسامتي، بينما استفسر صاحبي الإعلامي سائلاً: "لماذا؟ أليس الناس في بلدي أقرب في التحرر إليكم؟"  أجاب الدبلوماسي دون كبير دبلوماسية: "ربما. لكن الحياة ليست مجرد علاقات اجتماعية. في الخليج هناك قانون سير منضبط، هناك مصارف وبطاقات ائتمان، هناك فنادق كثيرة جداً من فئة الخمس نجوم. باختصار، فإن نمط الحياة المتطور يشابه الأميركي، ويجعل إقامتي في دولة خليجية أكثر راحة نفسية."

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.