لبنان يعيش عزلة خانقة منعت عنه تدفق الأموال
لبنان يعيش عزلة خانقة منعت عنه تدفق الأموال

نتج عن تحول لبنان إلى بلد معتدٍ يحارب الأصدقاء قبل الأعداء، عزلة خانقة منعت عنه تدفق الأموال التي كان يحولها المسؤول المالي هندسات لتلبية حاجات الفساد الذي قبل بهيمنة السلاح وغطّاه. 

فكان الإفلاس، ولم يتبق أمام الحكومة سوى صندوق النقد الدولي، حيث تتخبط في أرقامها وخطتها الاقتصادية وجولات مباحثاتها الماراتونية معه للحصول على ما يحفظ السلطة من السقوط المدوي في الفوضى التامة والتدمير الذاتي المكتملين. وهي كانت ستستطيع توفير مثل هذا المبلغ لو أنها أوقفت مسارب النهب وطبقت القرارات الدولية فأقفلت الحدود المشرعة واحترمت القوانين والدستور.

كل ذلك أوقع اللبنانيين في روتين ذل يومي يخضعون له. فقدوا ودائعهم ووظائفهم وأمنهم الصحي والغذائي والاجتماعي. أعيدوا إلى جو الحرب وذكرياتها فوقفوا مجددا في طوابير بانتظار الرغيف وصفيحة المازوت والشمع ومختلف السلع في المخازن قبل أن تختفي أو تطير أسعارها. ربما هذا ما يتماشى مع مقولة العهد القوي والرئيس القوي والمقاومة السوبر؛ من البديهي إذن أن يكون الانهيار والدمار قويين أيضاً.

طبعا، يرفض محور الممانعة فكرة الحياد التي طرحها البطريرك. فيشترطون الإجماع!! وكأنهم استشاروا اللبنانيين وحصلوا على إجماعهم عندما مارسوا سياسة الانحياز التام للمحور الإيراني، وعندما تحول وزير خارجية لبنان إلى ناطق باسم سوريا وإيران ضد المصلحة العربية. واستشارهم نصرالله عندما أودع خلاياه النائمة في الدول الشقيقة كي تخرب أمنها عند الإشارة، أوعندما وجه إليهم أقذع الشتائم متجاهلاً كالعادة، أنهم طالما دعموا لبنان اقتصاديا؛ فأعادوا إعمار الجنوب إثر الاعتداءات الإسرائيلية تكراراً وأودعوا الأموال في مجلسه وفي المصرف المركزي، على شكل هبات وليس قروض، وملأوا فنادقه ومطاعمه كسواح واستقبلوا أبناءه كموظفين وكادرات. 

هذا اللبنان يحاول الآن الخروج من الحفرة التي أوجد نفسه فيها.

لنفترض جدلاً أن مندوب الجمهورية الدائم، اللواء ابراهيم، نجح في مسعاه وأعاد الأخوة العرب إلى حضن بلاد الأرز وأقنع الغربيين بأن لبنان استعاد رشده وقدرته على استيعاب المشاريع والتوظيفات المالية والاقتصادية، فهل لو عادوا سيكون لبنان مؤهلاً لاستقبالهم ويملك الأرضية المناسبة لاستقبال الاستثمارات هذه؟
ألا يحتاج الاستثمار في أي مجال كان إلى كهرباء مؤمنة وإلى شبكة اتصالات فعالة ورخيصة وبنى تحتية سليمة؟ ألا يتطلب الاستثمار التوقف عن التدخل بالقضاء وتعطيل الدستور والقوانين؟؟.

ربما الأجدى الإجابة على بعض التساؤلات قبل ذلك: 
هل يوفر النظام الإداري والمصرفي والنظام القضائي والتشريعي وحتى الأمني والسياسي الجو الملائم لجذب الاستثمار؟ وهل توفر الأوضاع اللبنانية الحالية بعض شروط الثقة المطلوبة بالمناخ العام؟

يجمع المهتمون بالموضوع على أن لبنان يفتقر إلى الأسس والأنظمة والهيكليات الحديثة السريعة والآمنة. فبعض القوانين المتعلقة بشروط الحصول على الرخص الصناعية والتجارية والسياحية تعود إلى السبعينيات، ويشكو أصحاب المصالح أن بعضها تعجيزي ولا يتلاءم مع العصر التكنولوجي على غرار ما طورته بعض البلدان المحيطة أو الخليجية. بما في ذلك إنشاء الشركات وتصفيتها، والضرائب، وقوانين العمل، والمنافسة والإدارة الرشيدة والبيئة.

صحيح أن بعض الوزارات تستخدم الإنترنت؛ لكن معظم الإدارات تحتاج إلى التنقل بين عدة مبانٍ وطوابق وأقسام وأدراج لتخليص المعاملات، ناهيك عن المدة الزمنية التي تتطلبها والتي قد تطول لأيام وأسابيع إذا لم يكن أكثر.

يشكو المستثمرون من القيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي المباشر، ناهيك عن الفساد. سبق أن لاحظ كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس، نسيب غبريل، في مقابلة له في العام 2018 "تراجع المناخ الاستثماري وبيئة الأعمال في لبنان عموماً وفي الأعوام العشرة الماضية خصوصا"، إضافة إلى انعدام رؤية طويلة الأمد واستراتيجية عملية لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى لبنان، ما أدى إلى تراجع تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة من 14% من الناتج المحلّي في الـ2008 إلى أقل من خمسة بالمئة من الناتج في الـ2017. فكيف الحال الآن؟ 

يلفت الوزير السابق، فادي عبود، في كتاب "أسباب الانتفاضة" الذي نسقه مروان اسكندر،  إلى أن المشكلة الإضافية في لبنان، إلى جانب جميع المشاكل الأخرى، تكمن في عرقلة الإجراءات اليومية. الرشاوى الفلكية تعيق الاستثمار وتبعد المستثمرين، تهدر الوقت والطاقات وتزيد التكاليف الاقتصادية وترفع الأسعار وتضرب القدرات التنافسية. فلا يمكن الاستيراد والتصدير دون ما يسميه تلطيفاً "حلوينة" مع التخمين الاستنسابي وعلى عينك يا تاجر. يتعرض طالب أي رخصة في لبنان للابتزاز، بدءاً من رخصة "فان" إلى رخصة بناء وغيرها...

العلة في الآليات المعقدة والطويلة التي يستحيل معها الاستغناء عن معقب المعاملات. مثلا على من يرغب في توزيع البضائع أن يخضع لعملية تسجيل "الفان"، وبعدها يستحصل على رخصة نقل (حسب المحافظات) ثم على رخصة لوضع اسم الشركة على "الفان"، وهذه تتطلب رخصة من الأمن الداخلي، وتعهدا من عند كاتب العدل، وكتابا من وزارة الاقتصاد... إن تحقيق ذلك يتطلب عدة أيام من الوقت المهدور، علما أن رخص النقل غير ضرورية لأنه بمجرد أن تسجل آلية نقل تصبح رخصة النقل تحصيل حاصل. 

اخترعت عملية تسجيل العقارات لجان التخمين لمساعدة الموظف على "الاستنساب". وهذا سيجعل ضريبة الأرباح على العقارات، إذا أقرت، غير دقيقة، لأنها سترتبط بعمليات التخمين. وتقدر خسارة الخزينة من عمليات التخمين بمئات الملايين من الدولارات.

كل ذلك يجعل لبنان بلدا غير صديق للمستثمر، باعتراف البنك الدولي. إذ صدرت أخيرا تقارير "ممارسة أنشطة الأعمال" للعام 2019 التي تقيس الأنظمة التي تؤثر على 11 مجالا من مجالات حياة الأعمال التجارية، وشملت 10 من هذه المجالات في ترتيب سهولة ممارسة الأعمال التجارية لهذا العام: بدء النشاط التجاري، استخراج تراخيص البناء، الحصول على الكهرباء، تسجيل الملكية، الحصول على الائتمان، حماية المستثمرين الأقلية، دفع الضرائب، التجارة عبر الحدود، إنفاذ العقود، وتسوية حالات الإعسار. فسجل لبنان المرتبة 146 في مؤشر "سهولة الأعمال" مقارنة بالمرتبة 139 مطلع العام 2017. أما عدد الأيام التي تتطلبها عملية تأسيس عمل جديد، فتصل إلى 15 يوما، بكلفة تصل إلى 30% من متوسط الدخل الفردي السنوي.  

فيما يتعلق بالحصول على تراخيص البناء، سجل لبنان المرتبة 170 بعدد أيام تصل إلى 27 يوما، متراجعا بذلك من المرتبة 142 بداية العام الماضي. الاستحصال على رخصة بناء يعتبر من الأكثر استنزافا للوقت والجهد والأغلى رسوما. مقارنة مع دبي التي حققت المرتبة رقم 11 عالميا.

في مقابلة مع القاضي عبود، الذي ترأس الهيئة العليا للتأديب التي تعنى بمراقبة عمل الموظفين والبلديات ومكافحة الفساد، في "النهار" في 12 سبتمبر الماضي أعلن أن نظام المساءلة في لبنان معطل ومقاومة الفساد تفوق قدرة الأجهزة... والقاضي عبود كان قد صرح لتلفزيون MTV، في 25 حزيران في العام 2018، أن ثلث الموظفين في الدولة يقومون بواجبهم وثلثهم يسرقون وثلث عاطل عن العمل. ونقلت عنه ليبانون فايلز: "يجب طرد نصف الموظفين في الدولة... ولو عندي دكانة فلافل ما بقعد دقيقة بالقضاء".
فأي استثمار وفي أي دولة؟ بغياب قضاء حر مستقيم؟

يصف ابن خلدون الانهيار كأنه بيننا: 
عندما تنهار الدول يكثر المنجمون والمتسولون والمنافقون والمدعون والكتبة والقوالون، والمتصعلكون وضاربوا المندل وقارعوا الطبول والمتفيقهون والمتسيسون والمداحون والهجاؤون، وعابروا السبيل والانتهازيون، تتكشف الأقنعة ويختلط ما لا يختلط ويضيع التقدير ويسوء التدبير وتختلط المعاني والكلام ويخلط الصدق بالكذب والجهاد بالقتل. وتعم الإشاعة ويعلو صوت الباطل ويخفت صوت الحق. ويضيع صوت الحكماء في ضجيج الخطابات والمزايدات على الانتماء ومفهوم القومية والوطنية والعقيدة وأصول الدين ويتقاذف أهل البيت الواحد التهم بالعمالة والخيانة. 
 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.