نعم، هو أستاذي، وكان فاضلا بكل ما تعنيه كلمة: فاضل. إذ على الرغم من كون "الأستاذية" و"الفضل" لفظين مستهلكين في مراتب التقدير والتبجيل، إلى درجة يصبحان بها من نافل القول في التحية والتقدير والترحيب؛ فإنهما ـ وفي هذا السياق تحديدا ـ مقصودان على معناهما حقيقة، على معناهما في أرقى طبقات المعنى، عندما تصبح "الأسْتذة" فضلا، والفضل صِدْق رِيَادة؛ من حيث كون الريادة إفادة/ فضلا على المستفيد.
افتتح أستاذي الدكتور/ مصطفى بكري السيد اليومَ الأول من هذا العام الكوارثي 2020 برحيله عن عالمنا. ودّعنا على حين غرّة؛ دون سابق إنذار من مرض أو حتى تبرّم بهذه الحياة التي تجترح جرائرها باستمرار. كان إنسانَ حياةٍ؛ لا إنسانَ موتٍ، يصنع الأمل وينتظر الغد بأمل يتسع على مقدار تحديات هذه الحياة. كان حيّا؛ بمستوى ما كان عاشقا للحياة؛ على الصورة التي كان فيها عاشقا للمعرفة، وللأدب والفن على وجه خاص.
استقبل الحياة، أو استقبلته الحياة، منتصف القرن العشرين، وتحديدا في 1947. كان مسقط رأسه مكان ما في قرية من قرى البقاع اللبناني، لا تبعد كثيرا عن الحدود السورية. وأكمل تعليمه في المعهد الأزهري ببيروت. ثم واصل تعليمه العالي بعد ذلك على فترات متباعدة نسبيا، حتى حصل على الدكتوراه في الأدب العربي من الأزهر في مصر. ما يعني أن تكوينه الأساسي كان تراثيا، وهو التكوين الذي سيستثمره أفضل استثمار بتجاوزه إلى فضاءات المعرفة الحديثة، بل وإلى الاشتباك التواصلي/ التثاقفي مع الحراك الحداثي الذي بلغ أوجه عربيا في العقدين الأخيرين من القرن العشرين.
إنها رحلة الإصرار والتحدي، حيث معاندة القدر أو مخاتلة القدر بإرادة من فولاذ. ظروف الحياة الصعبة تُريد له أشياء، وهو يريد أشياء؛ فلا ينتحر بمصادمتها، وإنما ـ وبدهاء نبيل ـ يحتال عليها من بعيد؛ في الوقت الذي يرصدها من قريب.
بقي صانعو الحياة مشاعلَ أملٍ في حياتهم، ورحلوا فلم يموتوا إلا غياب جسد يستحضر طاقات الروح التي ستبقى قناديلها مضية ما بقيت الذكريات وما بقيت الحياة ذاتها
في الثانية والعشرين من عمره، حيث للتو قد نفض عنه رداء المراهقة، وبدأ رحلة الشباب الأولى والتجارب الأولى، يأتي مدرّسا ابتدائيا في قرية نائية من قرى صحراء نجد. في قرية متواضعة جدا، حيث لا شبكة كهرباء وشبكة مياه ولا...إلخ، يقطن الشاب اللبناني على مفترق طرق تربط بين ديار أشهر شعراء الجاهلية الذين هام بتراثهم عشقا. هنا (في منطقة "الرس" وما جاورها ـ حيث سكن الأستاذ في قرية نائية من قراها: الخشيبي) تقع ديار ثلاثة ـ على الأقل ـ من هؤلاء الشعراء الجاهليين الكبار/ شعراء المعلقات: زهير بن أبي سلمى، ولبيد بن ربيعة، وعنترة بن شداد بأسمائها التي وردت في أشعارهم، وهي أسماء ـ في معظمها ـ لا تزال على ما هي عليه إلى اليوم.
كثيرا ما حكي لي أستاذي طرائف وعجائب عن هذه القرية النائية التي قدمها في حدود عام 1969 تقريبا. في عام 2000 قال لي ـ في إحدى الجلسات "الأنس ـ ثقافية" معه: قبل ثلاثين سنة وأنا ذاهب من "الخشيبي" إلى مدينة "الرس" على دارجتي النارية... ثم ذكر قصة طريفة. هنا استوقفته وكأنني أعلم لأول مرة أنه منذ ثلاثين سنة معنا. قلت: أبا محمد، أنت مواطن أكثر مني، فقد جئتَ إلى هنا قبل مولدي بسنتين، فعمرك هنا أكثر من عمري، وقد ذهبتَ إلى قُرى نائية، وقُرى حاضرة، لم أرها في حياتي حتى اليوم. ثم قلتُ له: أبا محمد، أنت معي ترسم بكلماتك لوحات فنية عن تلك الأزمنة وتلك الأمكنة، عنك وعنهم، وعن الحياة بينكما، فلماذا لا تكتب عن تلك المرحلة كتابة سردية مطولة؛ حتى لا تموت ذاكرة الناس والأشياء؟ هنا تبسّم وهو يبادر ـ بحركة ذات معنى ـ ليطوي ما أمامه من أوراق، وكأنه يقول لي: لماذا...؟ أعرف أنك تعرف!
أصرّ أستاذي على إكمال تعليمه، وفي الوقت نفسه، كان ينتقل في التدريس من مرحلة تعليمية إلى أخرى، من الابتدائي إلى الإعدادي إلى الثانوي، حتى استقر في التعليم الجامعي لأكثر من ثلاثين عاما. ما يعني أنه عاش مُعلّما (بذلك المستوى من الجديّة والالتزام بالإفادة) على مدى أكثر من خمسين عاما. كان دائما، متعلما ومعلّما في آن. كان حتى وهو في تلك القرى النائية، حيث لا كهرباء ولا ماء، يستحضر أحدث الكتب والدوريات الثقافية، كان يتواصل مع أحدث نظريات الأدب والنقد، في وقت كان فيه أساتذة الجامعات في منطقتنا لا يتجاوزون حدود كتب الجاحظ والمبرد والقالي وابن عبد ربه، ومن تطور منهم وتجرأ ففي حدود كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني.
أوائل التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم كانت سنوات لاهبة، بقدر ما كانت سنوات فارقة. دخان الحرب على الحداثة لا يزال عالقا في الأجواء، والأصولية الإسلامية ـ ممثلة بـ"الصحوة" ـ كانت تزهو بانتصاراتها المتتالية التي بدأت بمحاصرة الحداثيين ونفيهم خارج كل دوائر الانتماء.
وفي منطقتنا/ منطقة "القصيم"، حيث السلفية التقليدية راسخة الجذور، وحيث الإسلاموية الصحوية المتأخونة كانت تُمارس النفخ في أشد مقولات تلك السلفية حدة وإقصاء، في تلك الأجواء الملبدة بغيوم التزمت/ التشدد، كان من المستحيل على التعليم الجامعي أن يتمتع بأدنى درجات الحرية الأكاديمية. فرجال الدين التقليديون يمارسون نفوذهم من قريب ومن بعيد، بشكل مباشر، وإن تعذر؛ فبشكل غير مباشر، والويل كل الويل لمن يُضْبط متلبسا بمخالفة هامشٍ من هوامش التفاصيل العقائدية للتقليدية، حيث تُهَمُ التضليل والتكفير جاهزة، والمصدّقون المتفاعلون من الجماهير مع هذا التضليل والتكفير جاهزون للتفعيل، وهم ليسوا بالعدد القليل.
لا زلت أذكر كيف وصل التزمت والانغلاق إلى درجة شن فيها المتأسلمون الصحويون حملة واسعة على الكتب المقررة في الأدب العربي (سلسلة كتب: تاريخ الأدب العربي لـ: شوقي ضيف) تحت دعوى أنها تُشوّه التاريخ الإسلامي، خاصة تاريخ القرون الإسلامية الأولى. طالبوا بإلغائها، وكاد أن يكون شوقي ضيف عدوهم الأول أدبيا؛ على الرغم من أنه باحث تقليدي تراثي، غير متعاطف مع الحداثيين، بل هو إلى الإسلاميين أقرب. ولكنهم كانوا يريدون أن يكتبوا كل تفاصيل التاريخ الأدبي والاجتماعي والسياسي والفكري، ليس كما وقعت فعلا، وإنما كما ينبغي أن تكون، أي كما يمكن أن تخدم مشروع الصحوة في الحاضر، بصرف النظر عما وقع فعلا في التاريخ.
هنا، في مثل هذه الأجواء، كيف يمكن لك أن ترسل رسائل التنوير من خلال المعرفة؛ دون أن تنتحر على أكثر من مستوى؟ بل كيف يمكن لك أن تحمل مشعل تنوير ولو على نحو خافت؛ في الوقت الذي يكون فيه شرط بقاء التواصل مع المجتمع موضوع الفعل التنويري هو الشرط الأساس؟
هنا تتجلى معاني "الأستاذية" حقا؛ كما يتجلى معنى "الفضل" من حيث هو "تفضّل" يحفظ كرامة الآخر/ المتلقي. أن تمارس دورا تنويريا في وسط اجتماعي/ ثقافي/ تعليمي رافض للتنوير، بل معادٍ له على أكثر من صعيد، دون أن تصدمه بحقيقة حماقاته/ ظلاميّاته؛ فتلك هي قدرة استثنائية، لا تستحق الإشادة والتقدير فحسب، بل تستحق الاستثمار فيها، وتعزيز مساراتها؛ لتكون خارطة طريق من ضمن خرائط أخرى تُشكّل ـ في مجموعها المتعاضد ـ خارطة الطريق للتنوير المأمول.
بحيويته الفائقة أحدث أستاذي نقلة ثقافية نوعية في الوسط التعليمي لجامعة تقليدية/ فرع جامعة الإمام في القصيم. وضع بصمته على مستوى وعي أجيال وأجيال ممن مرّوا على قسم اللغة العربية، سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوا، وسواء اعترفوا بذلك أم لم يعترفوا. وفي كل ذلك، كان جريئا غاية الجرأة؛ في حذرٍ ومُرَاعاة وابتعادٍ عن مصادمة الناس في قناعاتهم الراسخة، بل ومسايرة ذكية تكاد تُدخله في خانة متملقي قناعات الجماهير.
لنتأمل حال كلّ أولئك الذين مرّوا علينا دون أن يتركوا أثرا يُذْكر، دون أن يفتحوا نافذةَ وعي، دون أن يُشكّلوا أية إضافة، عاشوا أمواتا ورحلوا أمواتا
كان أستاذي يدرك أن رسائل الانفتاح الثقافي التي يلقيها في قاعة تضم أكثر من مئة طالب (وربما تجاوز العدد المئة والخمسين) لن تُقْرأ جميعها، لن تستطيع كل هذه العقول استقبالها وفك شفراتها، كما أن مستقبليها ليسوا على مستوى واحد من استلهام أبعادها. لكن، ومن خلال تنويعات الاستجابة التي تعني في النهاية فرز الاستعدادات الكامنة في المتلقي (وهي ليست استعدادات ذهنية فحسب، بل نفسية وأخلاقية أيضا) استطاع أن يجعل لتنويره مسارب متعددة، وبمستويات متعددة أيضا.
عندما بدأت أكتب في الصحف مقالات نقدية للسائد الثقافي ـ الديني، كان يختلف معي بعض الآراء، وكان هذا طبيعيا. ولكنه كان في كل لقاء يُنبهني إلى أن هذه الجرأة ستلحق الضرر بي في أكثر من مسار خاص، وأهمها المسار الأكاديمي/ الوظيفي. كنت أوافقه على هذا، ولكني أطرح أسبابا لذلك تتعلق بالظروف الموضوعية التي هي أكبر من الظروف الشخصية، أو يجب أن تكون كذلك. كنت أريد أن أسابق الزمن في مرحلة حاسمة يقف فيها الوعي المجتمعي على مفترق طرق، وكان يرى أن أساوق الزمن ولا أنافقه، وألا أكون ـ على المستوى الشخصي ـ الخاسر الكبير في مسار تحولات لست فيها الفاعل الكبير، ففي النهاية متغيرات الوعي العام يجب أن تكون بإسهام جماعي، يبذل فيه كل "فاعل تنويري" ما يستطيع؛ دون أن يكون مضطرا لتكبد خسائر فادحة تطال أهم خيارات مستقبل الإنسان. كان يرى مسارا، وكنت أرى مسارا آخر، وفي النهاية كنا نتفق على أفق تنويري يتغيا الخير للإنسان أينما كان.
أخيرا (وهو المقصد الموضوعي من المقال) لنتأمل كيف أن عشرات الأساتذة مارسوا وظائفهم التعليمية على نحو روتيني رتيب، بل وبعضهم بإهمال عجيب، لنتأمل حال كلّ أولئك الذين مرّوا علينا دون أن يتركوا أثرا يُذْكر، دون أن يفتحوا نافذةَ وعي، دون أن يُشكّلوا أية إضافة، عاشوا أمواتا ورحلوا أمواتا. بينما بقي صانعو الحياة مشاعلَ أملٍ في حياتهم، ورحلوا فلم يموتوا إلا غياب جسد يستحضر طاقات الروح التي ستبقى قناديلها مضية ما بقيت الذكريات وما بقيت الحياة ذاتها.
وإذا كان ثمة ما أختم به هذا المقال الذي لم يكن رثاء، بقدر ما كان تذكارا، فهو نص الإهداء الذي وضعته في مقدمة كتابي "تكفير التنوير" تكريما لأستاذي في حياته، حيث هو أنسب نص لإهداء هذا المقال له بعد وفاته:
"الإهداء إلى:
أستاذي الدكتور / مصطفى بكري السيد...
هذا الرجل النبيل المستنير، الذي كان يختصر لي ذكاء لبنان وجمال لبنان؛ بكل ما فيه من ذكاء معرفي، وجمال أخلاقي.
تحية وتقديرا يبعثهما الوفاء بعد أمد؛ حين لا نملك ــ نحن أشقياء الحرف ــ إلا عجز الكلمات عن الوفاء".

