People stand at the library of the King Abdullah University of Science and Technology (KAUST), in Saudi Arabia's western Red…
في مكتبة جامعة الملك عبدالله

نعم، هو أستاذي، وكان فاضلا بكل ما تعنيه كلمة: فاضل. إذ على الرغم من كون "الأستاذية" و"الفضل" لفظين مستهلكين في مراتب التقدير والتبجيل، إلى درجة يصبحان بها من نافل القول في التحية والتقدير والترحيب؛ فإنهما ـ وفي هذا السياق تحديدا ـ مقصودان على معناهما حقيقة، على معناهما في أرقى طبقات المعنى، عندما تصبح "الأسْتذة" فضلا، والفضل صِدْق رِيَادة؛ من حيث كون الريادة إفادة/ فضلا على المستفيد.

افتتح أستاذي الدكتور/ مصطفى بكري السيد اليومَ الأول من هذا العام الكوارثي 2020 برحيله عن عالمنا. ودّعنا على حين غرّة؛ دون سابق إنذار من مرض أو حتى تبرّم بهذه الحياة التي تجترح جرائرها باستمرار. كان إنسانَ حياةٍ؛ لا إنسانَ موتٍ، يصنع الأمل وينتظر الغد بأمل يتسع على مقدار تحديات هذه الحياة. كان حيّا؛ بمستوى ما كان عاشقا للحياة؛ على الصورة التي كان فيها عاشقا للمعرفة، وللأدب والفن على وجه خاص.

استقبل الحياة، أو استقبلته الحياة، منتصف القرن العشرين، وتحديدا في 1947. كان مسقط رأسه مكان ما في قرية من قرى البقاع اللبناني، لا تبعد كثيرا عن الحدود السورية. وأكمل تعليمه في المعهد الأزهري ببيروت. ثم واصل تعليمه العالي بعد ذلك على فترات متباعدة نسبيا، حتى حصل على الدكتوراه في الأدب العربي من الأزهر في مصر. ما يعني أن تكوينه الأساسي كان تراثيا، وهو التكوين الذي سيستثمره أفضل استثمار بتجاوزه إلى فضاءات المعرفة الحديثة، بل وإلى الاشتباك التواصلي/ التثاقفي مع الحراك الحداثي الذي بلغ أوجه عربيا في العقدين الأخيرين من القرن العشرين.

إنها رحلة الإصرار والتحدي، حيث معاندة القدر أو مخاتلة القدر بإرادة من فولاذ. ظروف الحياة الصعبة تُريد له أشياء، وهو يريد أشياء؛ فلا ينتحر بمصادمتها، وإنما ـ وبدهاء نبيل ـ يحتال عليها من بعيد؛ في الوقت الذي يرصدها من قريب. 

بقي صانعو الحياة مشاعلَ أملٍ في حياتهم، ورحلوا فلم يموتوا إلا غياب جسد يستحضر طاقات الروح التي ستبقى قناديلها مضية ما بقيت الذكريات وما بقيت الحياة ذاتها

في الثانية والعشرين من عمره، حيث للتو قد نفض عنه رداء المراهقة، وبدأ رحلة الشباب الأولى والتجارب الأولى، يأتي مدرّسا ابتدائيا في قرية نائية من قرى صحراء نجد. في قرية متواضعة جدا، حيث لا شبكة كهرباء وشبكة مياه ولا...إلخ، يقطن الشاب اللبناني على مفترق طرق تربط بين ديار أشهر شعراء الجاهلية الذين هام بتراثهم عشقا. هنا (في منطقة "الرس" وما جاورها ـ حيث سكن الأستاذ في قرية نائية من قراها: الخشيبي) تقع ديار ثلاثة ـ على الأقل ـ من هؤلاء الشعراء الجاهليين الكبار/ شعراء المعلقات: زهير بن أبي سلمى، ولبيد بن ربيعة، وعنترة بن شداد بأسمائها التي وردت في أشعارهم، وهي أسماء ـ في معظمها ـ لا تزال على ما هي عليه إلى اليوم.

كثيرا ما حكي لي أستاذي طرائف وعجائب عن هذه القرية النائية التي قدمها في حدود عام 1969 تقريبا. في عام 2000 قال لي ـ في إحدى الجلسات "الأنس ـ ثقافية" معه: قبل ثلاثين سنة وأنا ذاهب من "الخشيبي" إلى مدينة "الرس" على دارجتي النارية... ثم ذكر قصة طريفة. هنا استوقفته وكأنني أعلم لأول مرة أنه منذ ثلاثين سنة معنا. قلت: أبا محمد، أنت مواطن أكثر مني، فقد جئتَ إلى هنا قبل مولدي بسنتين، فعمرك هنا أكثر من عمري، وقد ذهبتَ إلى قُرى نائية، وقُرى حاضرة، لم أرها في حياتي حتى اليوم. ثم قلتُ له: أبا محمد، أنت معي ترسم بكلماتك لوحات فنية عن تلك الأزمنة وتلك الأمكنة، عنك وعنهم، وعن الحياة بينكما، فلماذا لا تكتب عن تلك المرحلة كتابة سردية مطولة؛ حتى لا تموت ذاكرة الناس والأشياء؟ هنا تبسّم وهو يبادر ـ بحركة ذات معنى ـ ليطوي ما أمامه من أوراق، وكأنه يقول لي: لماذا...؟ أعرف أنك تعرف!

أصرّ أستاذي على إكمال تعليمه، وفي الوقت نفسه، كان ينتقل في التدريس من مرحلة تعليمية إلى أخرى، من الابتدائي إلى الإعدادي إلى الثانوي، حتى استقر في التعليم الجامعي لأكثر من ثلاثين عاما. ما يعني أنه عاش مُعلّما (بذلك المستوى من الجديّة والالتزام بالإفادة) على مدى أكثر من خمسين عاما. كان دائما، متعلما ومعلّما في آن. كان حتى وهو في تلك القرى النائية، حيث لا كهرباء ولا ماء، يستحضر أحدث الكتب والدوريات الثقافية، كان يتواصل مع أحدث نظريات الأدب والنقد، في وقت كان فيه أساتذة الجامعات في منطقتنا لا يتجاوزون حدود كتب الجاحظ والمبرد والقالي وابن عبد ربه، ومن تطور منهم وتجرأ ففي حدود كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني.

أوائل التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم كانت سنوات لاهبة، بقدر ما كانت سنوات فارقة. دخان الحرب على الحداثة لا يزال عالقا في الأجواء، والأصولية الإسلامية ـ ممثلة بـ"الصحوة" ـ كانت تزهو بانتصاراتها المتتالية التي بدأت بمحاصرة الحداثيين ونفيهم خارج كل دوائر الانتماء. 

وفي منطقتنا/ منطقة "القصيم"، حيث السلفية التقليدية راسخة الجذور، وحيث الإسلاموية الصحوية المتأخونة كانت تُمارس النفخ في أشد مقولات تلك السلفية حدة وإقصاء، في تلك الأجواء الملبدة بغيوم التزمت/ التشدد، كان من المستحيل على التعليم الجامعي أن يتمتع بأدنى درجات الحرية الأكاديمية. فرجال الدين التقليديون يمارسون نفوذهم من قريب ومن بعيد، بشكل مباشر، وإن تعذر؛ فبشكل غير مباشر، والويل كل الويل لمن يُضْبط متلبسا بمخالفة هامشٍ من هوامش التفاصيل العقائدية للتقليدية، حيث تُهَمُ التضليل والتكفير جاهزة، والمصدّقون المتفاعلون من الجماهير مع هذا التضليل والتكفير جاهزون للتفعيل، وهم ليسوا بالعدد القليل.

لا زلت أذكر كيف وصل التزمت والانغلاق إلى درجة شن فيها المتأسلمون الصحويون حملة واسعة على الكتب المقررة في الأدب العربي (سلسلة كتب: تاريخ الأدب العربي لـ: شوقي ضيف) تحت دعوى أنها تُشوّه التاريخ الإسلامي، خاصة تاريخ القرون الإسلامية الأولى. طالبوا بإلغائها، وكاد أن يكون شوقي ضيف عدوهم الأول أدبيا؛ على الرغم من أنه باحث تقليدي تراثي، غير متعاطف مع الحداثيين، بل هو إلى الإسلاميين أقرب. ولكنهم كانوا يريدون أن يكتبوا كل تفاصيل التاريخ الأدبي والاجتماعي والسياسي والفكري، ليس كما وقعت فعلا، وإنما كما ينبغي أن تكون، أي كما يمكن أن تخدم مشروع الصحوة في الحاضر، بصرف النظر عما وقع فعلا في التاريخ.

هنا، في مثل هذه الأجواء، كيف يمكن لك أن ترسل رسائل التنوير من خلال المعرفة؛ دون أن تنتحر على أكثر من مستوى؟ بل كيف يمكن لك أن تحمل مشعل تنوير ولو على نحو خافت؛ في الوقت الذي يكون فيه شرط بقاء التواصل مع المجتمع موضوع الفعل التنويري هو الشرط الأساس؟

هنا تتجلى معاني "الأستاذية" حقا؛ كما يتجلى معنى "الفضل" من حيث هو "تفضّل" يحفظ كرامة الآخر/ المتلقي. أن تمارس دورا تنويريا في وسط اجتماعي/ ثقافي/ تعليمي رافض للتنوير، بل معادٍ له على أكثر من صعيد، دون أن تصدمه بحقيقة حماقاته/ ظلاميّاته؛ فتلك هي قدرة استثنائية، لا تستحق الإشادة والتقدير فحسب، بل تستحق الاستثمار فيها، وتعزيز مساراتها؛ لتكون خارطة طريق من ضمن خرائط أخرى تُشكّل ـ في مجموعها المتعاضد ـ خارطة الطريق للتنوير المأمول.

بحيويته الفائقة أحدث أستاذي نقلة ثقافية نوعية في الوسط التعليمي لجامعة تقليدية/ فرع جامعة الإمام في القصيم. وضع بصمته على مستوى وعي أجيال وأجيال ممن مرّوا على قسم اللغة العربية، سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوا، وسواء اعترفوا بذلك أم لم يعترفوا. وفي كل ذلك، كان جريئا غاية الجرأة؛ في حذرٍ ومُرَاعاة وابتعادٍ عن مصادمة الناس في قناعاتهم الراسخة، بل ومسايرة ذكية تكاد تُدخله في خانة متملقي قناعات الجماهير.

لنتأمل حال كلّ أولئك الذين مرّوا علينا دون أن يتركوا أثرا يُذْكر، دون أن يفتحوا نافذةَ وعي، دون أن يُشكّلوا أية إضافة، عاشوا أمواتا ورحلوا أمواتا

كان أستاذي يدرك أن رسائل الانفتاح الثقافي التي يلقيها في قاعة تضم أكثر من مئة طالب (وربما تجاوز العدد المئة والخمسين) لن تُقْرأ جميعها، لن تستطيع كل هذه العقول استقبالها وفك شفراتها، كما أن مستقبليها ليسوا على مستوى واحد من استلهام أبعادها. لكن، ومن خلال تنويعات الاستجابة التي تعني في النهاية فرز الاستعدادات الكامنة في المتلقي (وهي ليست استعدادات ذهنية فحسب، بل نفسية وأخلاقية أيضا) استطاع أن يجعل لتنويره مسارب متعددة، وبمستويات متعددة أيضا.

عندما بدأت أكتب في الصحف مقالات نقدية للسائد الثقافي ـ الديني، كان يختلف معي بعض الآراء، وكان هذا طبيعيا. ولكنه كان في كل لقاء يُنبهني إلى أن هذه الجرأة ستلحق الضرر بي في أكثر من مسار خاص، وأهمها المسار الأكاديمي/ الوظيفي. كنت أوافقه على هذا، ولكني أطرح أسبابا لذلك تتعلق بالظروف الموضوعية التي هي أكبر من الظروف الشخصية، أو يجب أن تكون كذلك. كنت أريد أن أسابق الزمن في مرحلة حاسمة يقف فيها الوعي المجتمعي على مفترق طرق، وكان يرى أن أساوق الزمن ولا أنافقه، وألا أكون ـ على المستوى الشخصي ـ الخاسر الكبير في مسار تحولات لست فيها الفاعل الكبير، ففي النهاية متغيرات الوعي العام يجب أن تكون بإسهام جماعي، يبذل فيه كل "فاعل تنويري" ما يستطيع؛ دون أن يكون مضطرا لتكبد خسائر فادحة تطال أهم خيارات مستقبل الإنسان. كان يرى مسارا، وكنت أرى مسارا آخر، وفي النهاية كنا نتفق على أفق تنويري يتغيا الخير للإنسان أينما كان.

أخيرا (وهو المقصد الموضوعي من المقال) لنتأمل كيف أن عشرات الأساتذة مارسوا وظائفهم التعليمية على نحو روتيني رتيب، بل وبعضهم بإهمال عجيب، لنتأمل حال كلّ أولئك الذين مرّوا علينا دون أن يتركوا أثرا يُذْكر، دون أن يفتحوا نافذةَ وعي، دون أن يُشكّلوا أية إضافة، عاشوا أمواتا ورحلوا أمواتا. بينما بقي صانعو الحياة مشاعلَ أملٍ في حياتهم، ورحلوا فلم يموتوا إلا غياب جسد يستحضر طاقات الروح التي ستبقى قناديلها مضية ما بقيت الذكريات وما بقيت الحياة ذاتها.

وإذا كان ثمة ما أختم به هذا المقال الذي لم يكن رثاء، بقدر ما كان تذكارا، فهو نص الإهداء الذي وضعته في مقدمة كتابي "تكفير التنوير" تكريما لأستاذي في حياته، حيث هو أنسب نص لإهداء هذا المقال له بعد وفاته:

"الإهداء إلى:

أستاذي الدكتور / مصطفى بكري السيد...

هذا الرجل النبيل المستنير، الذي كان يختصر لي ذكاء لبنان وجمال لبنان؛ بكل ما فيه من ذكاء معرفي، وجمال أخلاقي.

تحية وتقديرا يبعثهما الوفاء بعد أمد؛ حين لا نملك ــ نحن أشقياء الحرف ــ إلا عجز الكلمات عن الوفاء".

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.