Iraqi demonstrators gesture as they attend the funeral of a protester, who was killed last night during the ongoing anti…
عراقيون يشيعون متظاهرا قتل خلال التظاهرات الأخيرة

بعد سبات بشأن تحديد موعد للانتخابات المبكرة في العراق، طُرحت ثلاثة مواعيد لإجرائها في 2021. الموعد الأول اقترحته بعض القوى السياسية يكون في أبريل، والثاني في يونيو تم اقتراحه من قبل بعثة يونامي في العراق، والثالث مقترح من قبل الحكومة بأن يكون موعدها في أكتوبر.

مبدئيا، اتفقت مطالب المتظاهرين وبعض القوى السياسية على أن تكون قضية التهيئة للانتخابات المبكرة من مهام الحكومة الحالية. بيد أن هذا الاتفاق الظاهري لا يمتد إلى الأهداف والغايات التي تقف خلف الدعوة للانتخابات من كلا الطرفين، فالمتظاهرون يعتبرونها فرصة لتصحيح المدخلات التي تمنح الشرعية للعملية السياسية ويتم ذلك من خلال قانون انتخابات جديد يضمن العدالة بالتنافس وتكون إدارة الانتخابات بعيدة عن هيمنة أحزاب السلطة وتحت إشراف أممي. 

أما القوى السياسية فتعد الانتخابات المبكرة فرصة لتجديد بقائها بالسلطة والنفوذ، لأنها تعتقد أن جمهورها الانتخابي جاهز ومنظم بطريقة تؤمن ديمومة بقاء مقاعدها في السلطتين التنفيذية والتشريعية، والتنافس يكون بين القوى السياسية نفسها التي تفرض قواعدها على منظومة العمل السياسي.

والقاعدة العامة التي تحكم تفكير الطبقة السياسية في العراق منذ 2003 إلى يومنا هذا أن السلطة تلد السلطة، والبقاء فيها يعني الحفاظ على النفوذ والثروة. ومن ثم ينحصر فهم الكثير من السياسيين إلى الانتخابات باعتبارها طريقة الوصول إلى السلطة، وليس مدخلا لشرعية بناء نظام ديمقراطي. 

الانتخابات القادمة، سواء أكانت مبكرة أو في موعدها المقرر في 2022، ستكون نقطة فاصلة في تطور الحياة السياسية في العراق بعد سبعة عشر عاما من التغيير

في حين يرى المتظاهرون والنخب بأن المنجز الوحيد الذي تحقق بعد إسقاط النظام الدكتاتوري هو الانتخابات، وهي الوسيلة الوحيدة التي في حال التقادم بممارستها قد يكون هو السبيل الوحيد نحو إنضاج تجربة التحول الديمقراطي بالعراق.

وتتصارع على الانتخابات المبكرة ثلاث إرادات سياسية؛ الأولى ترفضها لكنها لا تعلن عن ذلك، ولعل هذا الموقف الرافض يجمع الكثير من القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية التي تدعم وتشارك بقوة في حكومة الكاظمي. والثانية تعتبرها فرصة لتأكيد قدرتها على تحشيد جمهورها الانتخابي وقد تكون فرصة لزيادة مقاعدها النيابية، وهذا الموقف يجمع التيار الصدري وبعض السياسيين الذين كان لهم حضور قوي وفاعل في أيام التظاهرات. 

أما الإرادة السياسية الثالثة فتعتقد أن الانتخابات المبكرة لن تغير في واقع الأوزان السياسية شيء، وعلى العكس تماما الانتظار حتى نهاية الدورة الانتخابية بعد سنتين سيضعف من رصيدها السياسي والجماهيري الذي يعتمد على قوة تأثير بالقرار السياسي، والذي بات ضعيفا جدا في حكومة الكاظمي التي تعمل على معارضتها بطرق إعلامية وليست رسمية داخل قبة البرلمان، ويعبر عن هذا الموقف كتلتي الفتح ودولة القانون.

وانعكاسا لصراع الإرادات السياسية، لا يزال قانون الانتخابات حبيسا داخل أروقة مجلس النواب، ولم يتم إرساله لرئاسة الجمهورية للمصادقة ومن ثم النشر، رغم التصويت عليه من قبل البرلمان في نهاية 2019! 

وفي بلد مثل العراق، محكوم من قبل التوافقات والصفقات بين الزعامات وليس المؤسسات السياسية، لا يعد هذا التأخير مثيرا للاستغراب؛ لأن القانون على الرغم من عدم وضح ملامحه النهائية، إلا أنه جاء تحت ضغط تظاهرات أكتوبر. وعلى هذا الأساس كان التصويت عليه على خلاف رغبات أحزاب السلطة التي تريد قانونا للانتخابات يراعي أولا وأخيرا الحفاظ على أوزانهم الانتخابية، وليس تعبيرا عن عدالة التنافس الانتخابي. وتلك تحديدا كانت الدافع الرئيس لساحات التظاهرات التي كانت تدرك بأن أي انتخابات لا يمكن لها أن تحدث إصلاحا في النظام السياسي، من دون تعديل قانون الانتخابات الذي يفترض أن يكون بعيدا عن الصفقات التي تعقدها الطبقة السياسية. وبالنهاية لا يمكن أن نتوقع قانون انتخابات يأتي على خلاف إرادات الماسكين بالسلطة والنفوذ.

رغم ذلك، هناك متغيران رئيسيان قد يكون لهما التأثير الأكبر على الدعوة للانتخابات المبكرة، المتغير الأول هو تظاهرات أكتوبر التي يمكن أن يكون لها تأثير في المشهد السياسي في حال تنظيم ساحات التظاهرات في كيانات وقوائم انتخابية تتنافس مع القوى السياسية التقليدية. وإذا افترضنا وجود القدرة على التحشيد للمشاركة السياسية من قبل المتظاهرين للحصول على مقعدين في المحافظات الوسطى والجنوبية، فسيكون ذلك بمثابة انقلاب سياسي ناعم.

ستكون الانتخابات محطة اختبار حقيقي، ولكن هذه المرة ليست للطبقة السياسية، وإنما لقدرة الشخصيات والنخب الفاعلة في التظاهرات في تنظيم صفوفها للانتقال إلى المشاركة في النظام السياسي

أما المتغيّر الثاني، فهو الكاظمي وحكومته. فهذه الحكومة رغم التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجهها، إلا أنها تملك فرصة حقيقية لتحقيق منجز وحيد قد يكون تاريخيا، وهو التهيئة للانتخابات المبكرة بإشراف أممي. وتكون قد نفذت ما تعهدت به في البرامج الوزاري، والذي أكده الكاظمي في زيارته الأخيرة إلى محافظة البصرة. 

وقد تكون حكومة الكاظمي فرصة أيضا لتقويض نفوذ الأحزاب والقوى السياسية التي توظف المال والسلاح في الانتخابات، لكن هذا الموضوع يحتاج إلى شجاعة في الموقف والقرار، والتعامل مع الأحداث والتطورات السياسية بمواقف رجل الدولة وليس السياسي الذي تسكنه رغبة البقاء في السلطة.

الانتخابات القادمة، سواء أكانت مبكرة أو في موعدها المقرر في 2022، ستكون نقطة فاصلة في تطور الحياة السياسية في العراق بعد سبعة عشر عاما من التغيير. لكن لو تم إجرائها قبل موعدها المقرر سيكون تأثيرها الأقوى ليس في ما تفرزه من نتائج وإنما في رمزيتها التي يمكن أن نعتبرها الهدف الثالث الذي سجلته حركة الاحتجاجات في مرمى الطبقة السياسية، بعد تسجيل الهدف الأول باستقالة حكومة عبد المهدي، والهدف الثاني بمنح الثقة لحكومة الكاظمي التي كسرت الاحتكار السياسي للعناوين السياسية التقليدية.

وستكون الانتخابات القادمة محطة اختبار حقيقي، ولكن هذه المرة ليست للطبقة السياسية، وإنما لقدرة الشخصيات والنخب الفاعلة في التظاهرات في تنظيم صفوفها للانتقال من ساحات الاحتجاجات إلى المشاركة في النظام السياسي من خلال العمل في البرلمان حتى وإن كان بعنوان المعارضة السياسية. فالأهم هو تصحيح مسار النظام السياسي عن طريق المشاركة الفاعلة والمؤثرة في صنع السياسات العامة.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.