A pro-European demonstrator holds a mirror which reflects a group of riot police officers standing guard in Kiev, Ukraine,…
متظاهرة أوكرانية ترفع مراية في وجه رجال الشرطة ليرون كيف تبدو أشكالهم في نهاية العام 2013

قربان الأبدية والخلود

في محاولات رفع قيمة مقطوعة موسيقية ما، يتم ربطها بالتجرد من الزمن. يقال "خالدة" أو "أبدية" timeless "بدون وقت"، أي الذهول بمقدرتها ـ عند مجموعة من الأفراد ـ على تجاوز مفهوم الأزمنة الكلاسيكية وخضوعها لهم.

في هذه الأثناء، يدور في مكان مجهول من الكون، قرص نحاسي معلق على مسبار "فوياجر" المركبة الفضائية الآلية التي أطلقتها ناسا عام 1977 تلتها بعد ذلك نسخة إضافية "فوياجر 2". صمم القرص على شكل أسطوانة موسيقية كالتي تدور في آلة الفونوغراف. على سطحها رسم توضيحي للجسد البشري، وخريطة توضح مكان الأرض من الكون، ورموز مختلفة. بداخله أرشيف مختصر لتاريخ "الحضارة" الإنسانية على الكوكب، أو "أهم" نتاج بشري من صور، وأصوات، وموسيقى. 

القرص هو محاولة تقديم وشرح عن سكان كوكب الأرض، ورسالة تواصل في حال وقع أمام كائنات واعية في الكون. السؤال هنا بأي زمن سيتم تلقي الموسيقى من قبل هذه الكائنات إن وجدت؟ أو استطاعت إدراكها كما نفعل؟ الماضي أو الحاضر أو المستقبل؟ مبهم.

الحيرة ذاتها وقعت بها عندما بدأت الكتابة هنا باستخدام فعل من الماضي لوصف أغنية من أغاني بيورك، إلى أن أثبت المضارع (الحاضر المستمر أو التام في لغات أخرى) فعاليته وجدارته بوصف لعب الموسيقى في الهواء.

تعبّر "بيورك" عن إحساسها وإدراكها معا لفعل الذوبان في أغنية "أضواء الشمال أو ربة الفجر"، بتلك الرغبة الشديدة المتجسدة بفقدان الفردانية الخالصة مقابل الالتحام مع كيان الآخر، "السيلان" بعذوبة نحوه وفيه كجريان المياه. كأن الذائب (عن رغبة) يفقد صلابته وتماسكه أمام هيمنة ما يرغب أن يكون جزء منه أو قربه، الذوبان مع ذلك الآخر، غامض الهيئة، مجهول المعالم، أكان كائن حي أو شيء، لكنه يملك شكل بسيط حتى أن ظلال الجبال تألفه.

أيضا، يتجسد الذوبان بصريا في غلاف ألبوم "vespertine" مُكملا وداعما التخيلات المجردة في كلمات الأغنية.

المثير للاهتمام في صفات "دراكولا" الخارقة للاعتياد "ظاهريا" وجودها في عالمنا بأشكال واقعية

تظهر "بيورك" كأنها على شاطئ بحري أو هكذا يوحي، راخية جفونها، مُمددة، تاركة جسدها في حالة من التسليم لما حولها من ضوء، والتفاف عنق بجعة بيضاء حول عنقها. كأنها تعيد إنتاج وصياغة الالتفافة والاحتواء ذاته في سردية "ليدا والبجعة" المذكورة من قبل هوميروس في ملحمة الإلياذة. بحسب الأسطورة الاغريقية؛ وقع رب الآلهة "زيوس" في حب الأميرة البشرية "ليدا"، وجودهما في عالمين مختلفين عن بعضهما في الصفات حال إلى رغبة مبطنة لـ"زيوس" في اختيار هيئة تسهل عليه الاتصال معها دون قيود. هبط "زيوس" من مركزه المقدس في قمة "جبل أوليمبوس" متنكرا بهيئة بجعة بيضاء، نزولا للقاء "ليدا" أثناء تجولها في جوف غابة أو بقعة عشبية. 

بحثيا فُسر تنكر "زيوس" باحتوائه أبعاد آثمة قائمة على التلاعب والعبث والشر، محطما بذلك مفهوم السكينة والجمال المحيط بهالة البجع، وتصدع المثالية المتمثلة بصفات الآلهة هبوطا وتقاطعا مع الأفعال البشرية المائلة للهشاشة في أكثرها.

 الليليّ أو الدُجى "vespertine" عنوان ألبوم المغنية وكاتبة الأغاني بيورك "Björk" الصادر عام 2001. شعريّا؛ الكلمة تفضي إلى عدّة معاني أغلبها يصب في وصف تلاشي أي مصدر من مصادر النور. للدقة، هبوط الغسق. أيضا، كل ما يدب فيه اليقظة والحركة عند اختفاء ضوء النهار وغياب سطوع الشمس كالخفافيش والبومة. فلكيّا؛ اللحظات السحرية القاتمة، بعد أفول وهج الشمس المائل إلى واحد من درجات اللون البرتقالي، وانطفائها من جهة على حساب الجهة الأخرى من الكوكب. يستخدم أيضا في علم النباتات لوصف تفتّح بتلات بعض أنواع الزهور ليلا، ذلك بسبب هشاشتها وضعفها في مقاومة أشعة الشمس، متفادية بذلك التبخّر السريع لفقدان الماء وذبولها.

تحتوي أغنية Aurora تصاعدية نحو وصف اللحظات المتجدّدة للنفس الأول للصباح، منادية "بيورك" لـ أضوء القطب/الشمال أو إلى  "ربة الفجر" أورورا، استهلاما من التسمية الرومانية القديمة. تقول الأسطورة، إن أورورا ناجت ـ كما فعلت بيورك صوتيا ـ إلى إله السماء والبرق وملك الآلهة والبشر في الميثولوجيا الرومانية "جوبيتر"، طالبة منه الخلود الأبدي لحبيبها "تيتونوس" غافلة عن اللعنة الزمنية المتمثلة بأفول مرحلة الشباب لجميع الكائنات الأرضية نحو الشيخوخة ومن ثم الموت. بقي حبيبها مؤبدا كما رغبت لكن جسده مضى بطبيعة الحال نحو التهالك رويدا. ذوى تدريجيا إلا أن اختفى كليا، وبقي منه صوته يصدح في الفضاءات دون جسد. كأن الخلود أو الأبدية أمر ممكن لكن خاضع للمقايضة، وتقديم التضحيات والقرابين مقابل ذوبان الوقت وتبخره صعودا أمام المخلد الأبدي.

يتقاطع مصطلح "الليلي" في الصفات مع الشخصية الفلكلورية الألمانية "مفستوفيليس" الاسم المتداول في الحكايات الشعبية لوصف الكائنات ذات السلوكيات الشيطانية، والأفعال المرتبطة بالسحر والشعوذة. الاسم مزيج من نحت ثلاث كلمات يونانية: "كاره الضوء أو غير محب للضوء". تم ذكره محوريا في العديد من السرديات الروائية والشعرية. ومسرحيا أيضا؛ أشهرها في مسرحية "دكتور فاوست" للكاتب "كريستوفر مارلو" وأيضا في "فاوست" لـ "يوهان غوته".

الجميل في "مفستوفيليس" قدرته على اختراق النسق من سردية إلى أخرى. في متحف سالار جونغ الواقع في الهند، عرض لمحاكاة نحتية من الخشب لشخصية "مفستوفيليس" تعود للقرن التاسع عشر، اسم العمل وصاحبه مجهول، لكن يرجح مكان صناعته في فرنسا. للوهلة الأولى تبدو المنحوتة تابعة أو مكملة للمنحوتة المعروضة خلفها، في الحقيقة لا وجود لمنحوتة ثانية، إنما الظاهر انعكاس الوجه الخلفي للمنحوتة ذاتها سببته المرآة المعلقة في الحائط. وجهها الأمامي لـ "مفيستوفيليس" والخلفي لـ "الفتاة غريتشين" الشخصية المخدوعة.

يستدعي هذا الانعكاس غير الاعتيادي؛ التوغل في انعكاسات لشخصيات أسطورية مثيرة للاهتمام في العوالم الغرائبية، وعلاقتها الإشكالية مع المرايا والكرات الزجاجية، كرؤية المستقبل والماضي، التبصر، وأيضا أداة محتملة ضمن الطقوس السحرية. اختفائها أو عدم وجودها. انعكاس "الكونت دراكولا" المنعدم أمام المرايا، على سبيل المثال.

الجميل في اسم "دراكولا" المعاني المتعددة في اشتقاقاته. بالرجوع إلى المصدر الأساسي للكلمة، نجد "التنين" وأيضا "الحجيم"، ليصبح النحت النهائي للكلمة "الشيطان" بحسب معالجة برام ستوكر الأدبية. هنا نجد تقاطع بين "مفيستوفيليس" و"دراكولا" في كره الضوء بأبعاده المختلفة، والمتعة في الفتك بالضحايا.

لم يكن "دراكولا" في أماكن مختلفة جغرافيا. انعدام قدراته على التواجد بأماكن عدة في وقت واحد، أو الطيران، الاختفاء، الوجود الشبحي من العدم، كحال أغلب الشخصيات الخرافية الخارقة للطبيعة. مكانه الوحيد؛ قلعة (المسماة اليوم "قلعة بران" في ترانسيلفانيا، رومانيا) مُعلقة على قمة جبل بين سحب من الضباب، تنشط عندما يفعل هو. كان عالم "دراكولا" منقسما بين الحياة ليلا بين غرف القلعة وممراتها المعتمة، بقليل من ضوء الشموع الخافت. والموت نهارا في تابوت مبطن بقماش يميل إلى اللون الأحمر القاني، يوحي عمقه الشديد وكأن آلاف من الديدان القرمزية غُسلت بالمياه المغلية ومن ثم جُففت بالشمس وسُحقت على هيكله الداخلي.

في علم النفس يطلق اسم "اضطراب تبدد الشخصية" على الأشخاص المصابين بفقدان التواصل واختلاط الشعور نحو أمور مختلفة منها الواقع وجسدهم الخاص، حيث إذا مر المصاب من أمام مرآة لا يميز ذاته

أسطوريا، "دراكولا" هو كائن غسقي، يخشى تأثير أشعة الشمس أو ضوء النهار. أنيق. أبدي لكن مهدد باحتمالية موته رفع صليب أمامه، أو طعنة سكين مصنوع من العاج في قلبه، أو التلويح بعنقود من الثوم على مسافة قريبة من جسده. يتغذى على مص دماء ضحاياه، اختفاء انعكاسه أمام المرايا، الأمر الذي يتخذ عدّة تأويلات. بعض المعالجات تحيل إلى تفسير هذا الظواهر شعوره بالعار وكرهه الشديد لذاته، الناتجة عن رغبة البقاء قدر الإمكان في الظل.

المثير للاهتمام في صفات "دراكولا" الخارقة للاعتياد "ظاهريا" وجودها في عالمنا بأشكال واقعية. فمثلا؛ يولد أشخاص حاملين جلود ذات حساسية عالية وغير مقاومة للضوء، تحترق بدقائق قليلة بفعل أشعة الشمس، لذلك تقتصر ممارسة حياتهم ليلا. يطلق عليه اسم "جفاف الجلد المصطبغ" (Xeroderma pigmentosum)، الغريب في تسميته الشاعرية البديلة في العربية مرض "أطفال القمر".

في علم النفس يطلق اسم "اضطراب تبدد الشخصية" على الأشخاص المصابين بفقدان التواصل واختلاط الشعور نحو أمور مختلفة منها الواقع وجسدهم الخاص، حيث إذا مر المصاب من أمام مرآة لا يميز ذاته، أو لا يراها في بعض الحالات المتأزمة.

أيضا، يوصف نظام تغذية بعض الكائنات في الطبيعة كالخفافيش والبعوض بـ"التغذية الدموية" لاعتماده بشكل جوهري على امتصاص دم فريسته وأيضا يتقاطعون مع "دراكولا" في النشاط ليلا.

المفارقة أن المنظومة القائمة في معظم الدول، بما تحمل من مؤسسات، وقيم، وتوزيع ثروات، وحدود، وتمييز عنصري وعرقي وجندري، في أغلبها؛ نشطة ليلا ونهارا على امتصاص دماء الأفراد وانهاكهم، مع الانتباه على إبقاء ما يكفي من دمائهم لخدمته واستمراريته، وبما لا يزيد عن الاندفاع نحو القيام بفعل مقاومة جدي، أو تغيير جذري.

تبدو انعكاسات أدواتهم وسلوكياتها في المرايا ظاهرة بكل تجلي ووضوح، بما تحمل من عنف وقمع وعبودية للسلطة، كما في مرايا عدد من المحتجين المرفوعة أمام وجوه شرطة مكافحة الشغب بأحد الاحتجاجات السلمية منذ عدة سنوات مضت، المطالبة بتغيير النظام القائم في كييف، أوكرانيا. وتداخل أجساد الشرطة المنعكسة الموحدة في الزي، داخل الأجساد المضادة لهم المتنوعة. وكأن المرايا تقول: انظروا جيدا إلى ما أصبحتم عليه، جميعكم متشابهون.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.