Anti-government demonstrators burn tires to block a road in Beirut, Lebanon, Tuesday, July 28, 2020. Protesters closed several…
حرق إطارات في بيروت اعتراضا على انقطاع التيار الكهربائي

وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان "غير مطلع على الوضع في لبنان وعلى الإصلاحات التي قامت بها الحكومة". هذا ما فاتح به رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب وزراءه خلال اجتماع الحكومة الأخير! لو أن لدى الوزراء ذرة من ماء الوجه كان عليهم أن يتركوا ملفاتهم على الطاولة وأن يغادروا الجلسة فورا بعد هذه الخلاصة التي أتحفهم بها رئيسهم. أن يغادروا الجلسة ليس احتجاجا، إنما يأسا، فهذا الذي يخاطبهم هو الذي يُفترض أن يمثل البعد السياسي لخططهم وبرامجهم، ولا يصلح الحمق للتعمية على الإفلاس.

لقد بلغنا في لبنان ذروة الحمق، وها نحن نجعله طقسا عاديا نشيح عبره بوجوهنا عن حقيقة اقترابنا من نهايات كثيرة. الحمق بوصفه دواء مسكنا لأوجاع ممتدة من المصرف إلى المدرسة، ومن البطالة إلى العيش من دون كهرباء. الحمق كفرصة لكي نشاهد جبران باسيل على التلفزيون يكرر أنه هو من أنعم على اللبنانيين بنعمة الكهرباء، وسعد الحريري مبتسما للإفلاس بصفته صنيعة غيره، وهو الذي ترك موظفي مؤسساته في العراء في وقت ينعم فيه هو بمتع الدنيا في قصره. الحمق، حين تتسابق تلفزيوناتنا لتصوير "انتصارات" حزب الله في الجنوب، ويتحول المراسلون والصحافيون إلى أبواق. والحمق حين لا نحطم جهاز التلفزيون عندما يطل علينا من شاشته حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ويقول لنا إنه لا يعترف بدولار السوق السوداء، وأن دولاره تبلغ قيمته 1515 ليرة لبنانية.

لبنان كيان بلا وظيفة ولا قوة، والأهم أنه بلا مستقبل. الدولة صارت جثة، والنظام خليط من حمق وفشل وغباء

كل هذه الحقائق لا يعرفها وزير الخارجية الفرنسي. لدى الرجل نقص في المعلومات. النافذة الضيقة الوحيدة التي لاحت للبنان بوصفها احتمالا، أقفلها رئيس حكومة لبنان الكبير. وهو إذ فعل ذلك، لم يقدم على هذه الفعلة من تلقائه. إنه جواب النظام للعالم. لسنا في وارد التجاوب مع شروطكم. كُلف حسان دياب بإيصال هذا الجواب، فنفذ المهمة على أسوأ وجه. لكن لا فرق كبيرا بين أن توصل هذه الرسالة على نحو جيد أو على نحو سيء، فالمضمون واحد، والنظام قال إن مستقبل لبنان لا يعنيه وأن جوع اللبنانيين وانهيار نظام عيشهم أقل أهمية من أن يقدم تنازلات إصلاحية.

زيارة لودريان كانت الخطوة الأخيرة في مسار الانهيار. النظام اليوم بمفرده. الفشل لا حدود له، وهو تحول إلى شعيرة يومية. وزير الكهرباء يعطي مواعيد للتغذية بالتيار الكهربائي، ثم يعود ويقول "لقد فشلت". وزير الاقتصاد أعلن أننا دولة فاشلة. "جمهور المقاومة" يُشعل إطارات في زقاق البلاط على بعد أمتار من القصر الحكومي، هناك حيث يقيم الرئيس الذي اختارته المقاومة للإقامة في القصر. شركات الإعلانات تباشر حملة أم "campaign" أعلنت فيها أن "لبنان بلد الإعلان"، ولم تكشف لنا الحملة عن ماذا سنعلن، ومن أين نأتي بموازنات الإعلان! الحملة بدت جزءا من مشهد الحمق اللبناني، وامتدادا لما كشفه لنا الرئيس لجهة أن فرنسا تنقصها المعلومات عن حقيقة الوضع اللبناني.

النافذة الضيقة الوحيدة التي لاحت للبنان بوصفها احتمالا، أقفلها رئيس حكومة لبنان الكبير

وليد جنبلاط قال: "لقد حان موعد تغيير رئيس الحكومة". جنبلاط ابن النظام، وهو ما زال ساعيا إلى مداواته بالعدة التي دأب عليها. المعادلة مختلفة تماما اليوم. لقد فات النظام قطار التسويات، والقضية صارت أكبر من تغيير رئيس الحكومة. صندوق النقد الدولي لحق بـ"باريس 2" وصار خلفنا. لبنان اليوم بلا حكومة، والإدارات العامة في العراء. حسان دياب نفسه غرد متسائلا "أين هي الدولة"! وسعد الحريري، الرجل المنشرح والسعيد، استدعى الصحفيين وأبلغهم أنه مع سد بسري وضد "حزب الله".

عباس إبراهيم، مدير الأمن العام، يتولى اليوم كل المهام. يسافر ليطلب المساعدات، ويلتقي بالبطريرك الماروني بشارة الراعي ليبحث معه بـ"حياد لبنان"، ويجتمع بأصحاب المولدات الكهربائية! أي فراغ يمكن أن يملأه هذا الرجل؟ ومن أوكل إليه كل هذه المهام. ليس الوقت الآن للشك والتساؤل والاستنتاج، بل للتحقق من هذا الفراغ الهائل، ومن السقوط المدوي لكل شيء.

لبنان اليوم ليس في عين العاصفة، لقد أنجزت العاصفة مهمتها وقذفت به إلى خارج منطقة اشتغالها. هو اليوم كيان بلا وظيفة ولا قوة، والأهم أنه بلا مستقبل. الدولة صارت جثة، والنظام خليط من حمق وفشل وغباء. "حزب الله" اليوم في مأزق كبير، فهو لطالما استمد وظيفته من الخارج واستعان بنا لكي يمارس سلطته. اليوم صار الحزب وظيفة مجردة من أهلها. وظيفة في صحراء قاحلة. نستجيب له كما يستجيب الميت لغاسله، وليس كما يستجيب المريد لشيخه على ما كنا نفعل.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.