Supporters of the Jordanian Muslim Brotherhood and Islamic Action Front party attend a rally in Amman February 18, 2011…
تظاهرة لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن احتفالا بتنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك

منذ تداعي "الربيع العربي" وجماعة الإخوان المسلمين في الأردن تحاول الانحناء للعاصفة، أملا في النجاة والبقاء والصمود، في ظل تنامي ما يعتقدون أنه حملة إقليمية لاجتثاثهم، وإنهاء وجودهم من المشهد السياسي.

تراهن جماعة الإخوان المسلمين في الأردن على شراكة تمتد لفترة طويلة مع مؤسسة العرش والنظام، وهناك من يرى أن التحالف بينهما ليس من السهل أن تنقطع عراه. فالإخوان في مفاصل تاريخية كثيرة كانوا الجدار الذي استند عليه النظام لمواجهة الأزمات الداخلية، ولهذا فإن القناعات المترسخة عند قيادات إخوانية أن الدولة الأردنية لن تذهب باتجاه "كسر العظم" معهم، ولا يتردد الناطق الإعلامي في الإخوان المسلمين معاذ الخوالدة من القول "صاحب القرار يمتلك قدر عالٍ من الحكمة"، مستشهدا بأن النظام في ظروف إقليمية أكثر حساسية لم يتجاوب مع الضغوط ونأى بنفسه عن التوجهات الخارجية السائدة.

الرهان على تاريخ تليد في العلاقة مع النظام في الأردن هل يكفي للنجاة والحفاظ على شعره معاوية؟

الإعلامي حلمي الأسمر يرى أن يافطة الإخوان المسلمين الخضراء ستنتهي، ولا يمكن أن تستمر وتبقى مُعلنة في عمان، ويستذكر في مقال له في "العربي الجديد" حين سأل رئيس الديوان الملكي عن سر تغيرهم في التعامل مع الإخوان، فأجابه "تغيرنا حين تغيرتوا".

الإخوان كانوا الجدار الذي استند عليه النظام بالأردن والرهان أنه لن يذهب لـ "كسر العظم" معهم

ويعيد رئيس الديوان الملكي تذكير الأسمر ـ وهو بالمناسبة كان من قيادات الإخوان المسلمين ـ بمقولة لقيادي إخواني في الربيع العربي حين تزايدت الاحتجاجات في الأردن "نحن جاهزون لاستلام الحكم"، وبغض النظر عن مدى صحة هذه الرواية فإن الخطيئة التي لن تغتفر للإخوان هي ما اعتبر استقواء على الدولة زمن الربيع العربي، ورغبتهم في التغيير في بنيان النظام، وتعالي الأصوات المطالبة بالملكية الدستورية.

قُبيل الربيع العربي استمعت لدبلوماسي غربي في عمان يروي أن كثيرا من أنظمة الحكم العربية كانت تقدم الأحزاب الإسلامية كـ "بعبع" للغرب ومصالحه، وكانوا يذكرون الغربيين إذا لم تدافعوا عنا وسقطنا ستكون السلطة جاهزة للتيارات الإسلامية المتشددة، والتي بدورها ستخوض معركة لإبعادكم والقضاء على مصالحكم في المنطقة العربية.

هذه النظرية والفرضيات لم تُسلم بها الحكومات الغربية، وفي الربيع العربي كانت متأكدة أن الإسلاميين حتى لو تسلموا السلطة فلن ينقلبوا عليهم، ولن ينقلبوا ويعبثوا بالوضع السائد، وسيحافظون على علاقات إيجابية معهم، وهذا ما حدث على الأقل في مصر وتونس.

بعض المعاينات والقراءات للمشهد ترى أن الإخوان المسلمين في الأردن يدفعون ثمن فاتورة تعجلهم في قطف "ثمار" الربيع العربي، ومن جهة أخرى فإن تصدع بيتهم الداخلي لا يمكن أن يُعزى فقط لمؤامرات خارجية ومحاولات لتفتيتهم، وإنما حصيلة ونتيجة لصراعات ورؤى داخلية متعارضة، وهذا سابق وقديم وممتد، فطوال الثلاثين عاما منذ عودة الحياة البرلمانية و"الصقور والحمائم" يتنازعون المشهد في البيت الإخواني.

اليوم جماعة الإخوان المسلمين في الأردن على مفترق طرق بعد أن طلبت الهيئة العامة لمحكمة التمييز ـ أعلى سلطة قضائية ـ من محكمة الاستئناف إعادة النظر في قرار قضائي لها باعتبار أن الجماعة منحلة وفاقدة لمركزها القانوني.

قيادات الاخوان تؤكد أن الأمر لم ينته، والسجال القانوني على شرعية الجماعة مستمر منذ سنوات، ويفرد بعضهم أوراقه التاريخية على الطاولة ليشير إلى أن جمعية الإخوان المسلمين حصلت على ترخيصها القانوني الأول في عمان بتاريخ 9/1/1946 بموجب قانون الجمعيات العثماني، وحينها لم يكن هناك قانون للأحزاب، ويكملون في عام 1953 قدم الأمين العام للإخوان المسلمين آنذاك محمد عبد الرحمن خليفة طلبا لتحويل الجمعية إلى جماعة، وصدر قرار من مجلس الوزراء أيام حكومة توفيق أبو الهدى بالموافقة، وأصبحت جماعة، وحين حلت الأحزاب عام 1958 استثنيت جماعة الإخوان لأنها ليست حزبا سياسيا، ولم يطلب من الجماعة تصويب أوضاعها بعد ذلك لأنها ليست جمعية خيرية، وليست كذلك حزبا سياسيا.

يبدو أن جماعة الإخوان المسلمين في الأردن لم تستوعب الدرس، وظلت معتقدة أنها قادرة على مواجهة الانشقاقات الداخلية التي عصفت بها حتى ولو خرج قيادات تاريخية من تحت مظلتها، وبقيت على قناعة أنها تستطيع ضبط المعادلة مع السلطة دون أن تنزلق إلى قطيعة، ولكنها لم تكن تنتبه إلى أن كرة الثلج تتدحرج وتكبر، وأن الذين خرجوا من رحمها لم يسكتوا، بل نافسوها على شرعية الوجود والتمثيل، وأن جمعية الإخوان المسلمين التي رُخصت نكاية بهم من وزارة التنمية الاجتماعية عام 2015 ـ واعتبرت بنظرهم مؤامرة حكومية على الجماعة الأم ـ استطاعت باللجوء للقضاء مزاحمة جماعة الإخوان الأم، وسحبت البساط من تحت أقدامها بالسيطرة على مقراتها، ومحاولة الاستحواذ على كل الأصول المالية والعقارية، وهي إمبراطورية اقتصادية لا يُستهان بها، ولم يكشف عن تفاصيلها السرية حتى الآن.

جماعة الإخوان المسلمين يستهينون بالجمعية غير الشرعية للإخوان، ويؤكدون أن القضاء وبأحكام قطعية أكد أنها ليست الخلف القانوني، غير أنهم حتى هذه اللحظة لا يملكون إجابة ماذا سيفعلون إن قررت محكمة الاستئناف أن الإخوان المسلمين جماعة منحلة ووجودها غير قانوني وغير شرعي.

سألت معاذ الخوالدة مرة أخرى عن سيناريوهات المستقبل فأجابني: "من المبكر الحديث عن مسارات المستقبل، فهناك فريق قانوني يدرس الوضع، وكذلك الأمر فإن الدائرة السياسية والتنظيمية تنظر بالخيارات والحلول".

الخوالدة يتساءل أيضا في حديثه هل توجد إرادة حقيقية عند صانع القرار للتفاهم على المسار القادم؟ ولا يُفشي سرا حين يقول جلسنا مع مسؤولين في الدولة للبحث في الواقع القانوني للجماعة، والصورة التي يعتقدون أنها يجب أن تكون وتسود، لكنه لم يُفصح إن كانوا قد توصلوا لتفاهمات معينة، والاعتقاد الأرجح أن الأبواب موصدة، والحلول والتسويات مستبعدة.

تُبدي جماعة الإخوان المسلمين مرونة في التكيف مع اقتراحات المستقبل، وعلى لسان الخوالدة وقيادات أخرى يؤكدون أنهم ليسوا فوق القانون، ومستعدون لتصويب أوضاعهم، سواء بقانون خاص على غرار مؤسسات كثيرة، أو أي تصور لائق، غير أنهم لا يوافقون على إكراههم والضغط عليهم للدخول تحت مظلة "جمعية الإخوان" غير الشرعية ـ حسب تعبيرهم.

لم تعد هناك أبواب كثيرة لتفتح أمام الإخوان المسلمين، فهم قاب قوسين أو أدنى ليصبحوا جماعة غير شرعية، وما تبقى لهم فعليا حزب جبهة العمل الإسلامي جناحهم وذراعهم السياسي، ولا يُعرف إن كانوا بالقرار القضائي، سيفقدون سيطرتهم على الأصول المالية والشركات التي يمتلكونها، في حين تتسرب معلومات أن العديد من هذه الأصول سُجل منذ وقت طويل وتحسبا للظروف الطارئة بأسماء قيادات إخوانية.

الإخوان لم يستوعبوا الدرس وظلوا على قناعة بأنهم قادرون على مواجهة الانشقاقات الداخلية ومنع الانزلاق إلى القطيعة مع السلطة

أسئلة المستقبل ليست محسومة داخليا عند جماعة الإخوان المسلمين، وإذا ما ابتعدنا عن تداعيات الموقف القضائي، فإن مراجعات فكرية تتصاعد داخل بيت الجماعة، وحتى في حزب جبهة العمل الإسلامي، وتتنامى حالة الرفض للصراع التقليدي بين الصقور والحمائم بحثا عن التجديد، والخروج من العباءة التي ظلوا يلبسونها في العقود الماضية.

أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي مراد العضايلة حين سألته لماذا لا يذهب إخوان الأردن لمحاكاة التجربة المغربية والتونسية بالإبقاء على حزب سياسي فقط وطلاقهم بلا عودة مع "جماعة الإخوان المسلمين"؟، أجابني مبتسما "أعطني البيئة السياسية الحاضنة عندهم، ونصف تجربتهم ونحن على استعداد فورا".

ما بين اختيار الإخوان المسلمين للعمل السري وهذا ما لم يعهدوه أبدا، أو البحث عن مظلة وترخيص جديد، أو الانضواء تحت راية حزب جبهة العمل الإسلامي، فإن الحيرة وضبابية المشهد هي ما يُسيطر عليهم، وهذه المرة فإن إيقاع مخاوفهم يتزايد، فالأمر لم يعد تفريخات وانقسامات داخل بيتهم، ولا صفعات يتلقونها فيتجنبونها أحيانا، أو يديرون الخد الآخر، وإنما بات مصيرهم ومشروعهم كله مهدد بالإلغاء.

يحدثني العضايلة "لا يوجد أحد في الإخوان مُستعد للتنازل عن فكرة الجماعة، فهذه حالة وجدانية ونفسية"، ولكن يستدرك بالقول "لكننا دائما نبحث عن خيار استقرار البلاد ونقدمه على كل شيء".

بعد أيام قليلة سيُسدل الستار على الجدل المتواصل على شرعية جماعة الإخوان، فهل تُقطع شعرة معاوية، أم تظل الأبواب مواربة، ويُبقي النظام الأردني الإخوان المسلمين رصيدا له، يستخدمه، ويوظفه لمواجهة استحقاقات وتحديات المستقبل حتى ولو أبقاهم تحت الضغط وعلى الحافة، ودون أن يُطلق عليهم رصاصة الرحمة.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.