Turkish dancers perform during a "Sufi Night" in Lahore, Pakistan, Tuesday, Nov. 26, 2019. (AP Photo/K.M. Chaudary)
تعرف هذه المدارس بتفسيراتها "الباطنية" ليس فقط للنصوص الدينية وإنما أيضا لمجمل الخطاب الديني

أتصور أن أي شخص من فضاء الديانات الإبراهيمية، لا بد أنه فكر أو تساءل علنا أو بينه وبين نفسه عن مفهومي "الجنة" و"النار". هل هما مكانين ماديين، أي يمكن الإشارة إليهما، أم هما ضمن عالم الغيب مثلا ولكن يظلان في حيز مادي، أم أنهما مجرد رمزين لا يعنيان بالضرورة المعنى الحرفي لكلا الكلمتين.

أسئلة مشروعة

بالنسبة للذين يتلقون التعاليم الإسلامية منذ نعومة أظافرهم فإن مفهومي الجنة والنار هما مكانين ماديين، حيث إن الكثير من الآيات والأحاديث تشير صراحة إلى ذلك. وبالتالي لا بد أن هناك في هذا الكون مكان اسمه "الجنة" وآخر اسمه "النار". مخيلة الإنسان لا تسعفه كي يعرف موضع أو حدود أو طبيعة أي من هذين المكانين. ولكنه يتعامل مع الأمر كما وصف أو قدم له.

طبعا لا أقول إن في الأمر خدعة، ولكن التفكير البسيط في عصرنا هذا سوف يقود أي إنسان إلى التساؤل عما هو أبعد من المفاهيم التقليدية بالنسبة للجنة والنار. من هذه الأسئلة: إذا كنا نتحدث عن مكانين ماديين فلا بد أننا نتحدث عن حيز ما يوجدان فيه، وبالتالي ما هو هذا الحيز؟ ثم كيف ينتقل الناس بعد الممات إلى الجنة أو النار، هل ينتقلون بأجسامهم أم بأرواحهم؟ إذا كانوا ينتقلون بأجسامهم فهذا يطرح بدوره أسئلة أخرى بسبب كون الأجسام والأرواح ينتمي كلا منهما إلى عالم مختلف، وإذا كانوا ينتقلون بأرواحهم، فإن أرواحهم ليست مادية وبالتالي فإنها لا تتأثر بالظواهر المادية مثل الحرارة أو البرودة ولا يضيرها البقاء في النار خالدة!

الاختراق الكبير

هذه أسئلة الهدف منها ليس التشكيك في الاعتقادات الدينية بخصوص الجنة والنار، ولكن فتح مساحة من الحرية للتفكير والتساؤل بصوت عال بشأن هذين المفهومين وغيرها من المفاهيم. ولعل أهم ما يمكن أن يستنتجه الإنسان عندما يقرأ النصوص الدينية، أن الالتزام بها "حرفيا" لا بد أن يوصله، آجلا أم عاجلا، إلى طريق مسدود، بل إلى تصادم مع التفكير السليم ومع قيم العصر التي نعيشها.

شخصيا أنا ممن يميلون إلى الدين الفردي القائم على الإيمان بالله من خارج دائرة الأديان

الاختراق الكبير الذي زحزح الصخور من فناء الأديان الإبراهيمية، كان هو المدارس الروحانية، سواء التصوف في الإسلام أو الاتجاهات الروحانية في اليهودية والمسيحية.

وتعرف هذه المدارس بتفسيراتها "الباطنية" ليس فقط للنصوص الدينية وإنما أيضا لمجمل الخطاب الديني. والباطنية هنا هي عكس الظاهرية أو الحرفية.

فوفق هذا التفسير فإن مفهومي "الجنة" و"النار" لا يشيران إلى مكانين جغرافيين، وإنما إلى حالتين من الوعي. بمعنى أن الإنسان لا يختبر مفهوم الجنة والنار على مستوى الجسد وإنما على مستوى الروح. فالإنسان "المسيء" عندما يموت لا يذهب إلى جهنم، لأنه ليس هناك مكان اسمه جهنم، وليس هناك معنى لفكرة الذهاب نفسها، ولكنه يستعيد ماضيه مثل الشريط فيشعر بالألم الذي أوقعه في الآخرين، ولكنه ليس ألما ماديا، وإنما وعيه بهذا الألم سيكون كافيا كي يعيشه مرة ثانية كما لو أنه قد وقع عليه. طبعا لكي يحصل ذلك، لا بد أن تزول الثنائية بين الإنسان والآخر ضمن هذا المستوى، إذ ليس ثمة آخر منفصل في حقيقة الأمر. وهذا مبحث آخر. والأمر نفسه بالنسبة للجنة. فليس هناك مكان مادي بهذا الاسم. هي الأخرى مستوى من الوعي.

مساحة للتفكير

هناك من سوف يقول وما يدرينا بأن ما يقال هنا هو الصحيح، وما نفهمه من الكتب الإبراهيمية ليس كذلك؟ وأقول إنه بالفعل ليس هناك ما يثبت أن ما يقال هو الصحيح، ولا أدعي أن الأفكار الواردة في هذا المقال هي الصحيحة، وسواها خطأ، إن الأمر متروك لكل إنسان كي يفكر كما يشاء. 

الاختراق الكبير الذي زحزح الصخور من فناء الأديان الإبراهيمية، كان هو المدارس الروحانية، سواء التصوف في الإسلام أو الاتجاهات الروحانية في اليهودية والمسيحية

ولكن الأمر في اعتقادي لا يتعلق بالصح أو الخطأ بمقدار ما أن المهم هو أن نفتح ثغرة للتفكير على نحو مختلف، وبصورة تجعل كل إنسان، سواء كان متدينا أو غير ذلك، يرى بأن ثمة أمرين مختلفين. الأول هو "الله"، والأمر الثاني هو "الدين". 

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه: هل يمكن للإنسان أن يعبد الله، أو تكون له علاقة ما مع الله، من غير طريق الأديان؟ والسؤال الآخر هو هل هناك، من خارج دائرة النصوص الدينية، ما يثبت بأن الأديان هي فعلا من الله؟ لا أدعي أنني أملك الإجابة على هذين السؤالين، لكني أعتقد أنهما جديران بكل إنسان أن يتأمل فيهما.

الدين الفردي

شخصيا أنا ممن يميلون إلى الدين الفردي القائم على الإيمان بالله من خارج دائرة الأديان، فنحن حين نجرد الله من الأديان، فإنما نتحدث عن إله مختلف تماما، إله يمكن للإنسان أن يعتبره أبا أو أما أو أخا أو أختا أو صديقا أو حبيبا كما يفعل أتباع المدارس الروحانية. الله بهذا المعنى ليس قاضيا أو مراقبا أو حسيبا لأفعال الإنسان. فقد تعالى الله عن أين وكيف ومتى وفوق وتحت...إلخ.

بهذا المعنى فإن ما يبقى من الله هو الرحمة والجمال والتناغم والحب غير المشروط...إلخ.

ويثير استغرابي دائما أن الإنسان يتعثر في قبول الصفات الأخيرة، ويصر على صفات الانتقام والبطش والعقاب والعذاب، كما لو أنه في نفسه وبنفسه يصر على ضرورة إيجاد جهنم، حتى وهي متعذرة الوجود. لعلها مشكلة كبيرة فعلا أن الإنسان لا يدري أنه هو وحده من في يده الاختيار. يقول الشبلي: "أنا أقول وأنا أسمع، فهل في الدارين غيري؟".

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.