Samira Hanna, 70, lights candles to light up the room during a power cut in Beirut, Lebanon July 6, 2020. Picture taken July 6,…
يعاني اللبنانيون من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة يوميا وعدم قدرة المولدات الخاصة على توفير البديل لعدم توفر مادة المازوت

حقق لبنان إنجازا كبيرا، في الأشهر القليلة الأخيرة. ففيما تبرز حاجة البلاد إلى تدفق مالي كبير للخروج من الهاوية التي سقطت فيها، تأكد أن لبنان، وفي ظاهرة دولية نادرة، قد حقق خسائر ضخمة، على مستوى "المال الموعود".

لقد تبيّن أن مؤتمر "سيدر" الذي انعقد في باريس، في أبريل 2018، وبعدما كان قد خصص للبنان أكثر من 11 مليار دولار أميركي، في إطار خطة تهدف الى إنقاذ "بلاد الأرز" ماليا واقتصاديا، قد تراجع عن "المال الموعود" الذي تقلّص، في سنتين وثلاثة أشهر، إلى أقل من أربعة مليارات.

هذه الخسارة الواقعية من "الأموال الموعودة"، لم تجد شخصا واحدا يتحمّل المسؤولية.

حتى أن وزير الخارجية اللبناني ناصيف حتّي، وهو يعلن عن هذا الفجيعة في مقابلة تلفزيونية، لم يتخلّ عن ابتسامة الفخر التي ترتسم على شفتيّ الطبقة المستجدّة من سكّان "البرج العاجي"، ولم يشعر أنه معني، من موقعه كصلة الوصل الرسمية بين لبنان والمجتمع الدولي، فهو أيضا ينتمي إلى الفئات السياسية اللبنانية التي تتنصّل من المسؤولية اعتقادا منها بأنّ اللوم يقع على غيرها، ووظيفتها تقتصر على هذه الغزارة المملّة في تكرار فعل "يجب" والتذكير بالسيرة الذاتية التي يُعاقَب كل من لا يحفظها "عن ظهر قلب".

الوزير نفسه لم يجد حَرَجا، وهو يعلن، من موقعه في السلطة التنفيذية، "أننا في لبنان نتحوّل تدريجا من دولة في طريقها إلى الفشل إلى دولة فاشلة".

رئيس الحكومة ندّاب مآتم، رئيس الجمهورية ضعيف برتبة قوي، مجلس النواب ثرثار، "حزب الله" ميليشيا إيرانية برتبة "مقاومة"، المصارف تتحكّم بأموال لا تملكها

لم يعد اللبنانيون، من كبيرهم إلى صغيرهم، يعرفون الفارق بين من هم في السلطة ومن هم في المعارضة، ولا الحدود الفاصلة بين من يُقرّر ومن يُحلّل، ولا التمايز بين الوزير والأستاذ.

ولا لوم على اللبنانيين في ذلك، فهم، مثلا، لم يعودوا يدركون، بفعل هيمنة "حزب الله"، الفواصل الحدودية بين سوريا ولبنان، فإن قتلت إسرائيل عنصرا من "حزب الله" في دمشق، فالرد عليها، وحرصا على استقرار بشّار الأسد في كرسيه المهزوز، يكون من بوابات الجنوب اللبناني، من دون أن أي اكتراث بما يتسبّب به رفع منسوب التوتّر ورفع رايات الحرب، للبنان من تعميق للحفرة التي دُفع دفعا إليها.

كما أن اللبنانيين لم يعودوا يعلمون إن كان منصب وفيق صفا، مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في "حزب الله" أهم من منصب محمد فهمي، وزير الداخلية والبلديات في الجمهورية اللبنانية، حتى يتوسّط فهمي لدى صفا.

ولا أحد يهتم بانعكاسات استنجاد وزير الداخلية بمسؤول في حزب يثير الكثير من الانشقاقات الداخلية، على سلامة المعارضين وحريتهم، وعلى استقامة الإجراءات الأمنية، وعلى حيادية الخدمات العامة.

وممنوع على اللبنانيين أن يروا فرقا بين "حزب الله" وبين الطائفة الشيعية، فإذا جاء، في 7 أغسطس المقبل، الحكم المقرر في ملف اغتيال الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري ضد المتهمين الأربعة الذين ينتسبون الى الحزب، فهذا يجب أن يعني أنّ الحكم صدر ضد الطائفة الشيعية كلّها، مما يدخل ـ وفق الخطاب الرسمي ـ لبنان في فتنة سنية ـ شيعية.

حتى يبدو، من جرّاء هذه الأدبيات التي اعتمدها كبار المسؤولين اللبنانيين، أن رفيق الحريري لا علاقة له بجميع اللبنانيين الذين نزل مليونهم إلى الشارع في 14 مارس 2005، مطالبين بالعدالة، وأن "حزب الله" كان قد نال "باستفتاء سرّي" موافقة الطائفة الشيعية على اغتيال الحريري، في حال جرّمت المحكمة الخاصة بلبنان المتهمين الموصوفين بأنهم من مناصري الحزب.

والأدهى من كل ذلك أنه في لبنان بات الفعل السلطوي ولّاد كوارث، فيما فقد الكلام معانيه.

لا أحد يستمع إلى ما يقوله الآخر. الجميع يتكلّم في الوقت نفسه. الوقائع وجهة نظر، المواقف أصوات عالية، الحقوق في مهب الريح، الدستور خرقة، المواقع مسرح دمى، الوزراء "شاهد ما شفش حاجة"، رئيس الحكومة ندّاب مآتم، رئيس الجمهورية ضعيف برتبة قوي، مجلس النواب ثرثار، "حزب الله" ميليشيا إيرانية برتبة "مقاومة"، المصارف تتحكّم بأموال لا تملكها، المودعون أثرياء على الورق، الطاقة الاغترابية منهوبة، الكهرباء تفرغ الخزينة بدل أن تنير المنازل، فيروس كورونا الذي سبق ولحقت به هزيمة نكراء وشيّدت القصائد بقائد الحرب ضدّه، يجتاح لبنان، الثورة الشعبية تنظيم سياسي، والمعارضة، وهي تنتظر في الصف دورها السلطوي، تكتفي بتسجيل المواقف "المدوزنة"، والطوائف مستنفرة على خطوط التماس المنبرية، والمروج للسدود الفاسدة وشرفات المنازل للزراعة.

لا حلول مرجوّة في ظل هذه الفوضى. حتى العسكريتاريا لم تعد تجدي نفعا، لأن من تسلّمه حريتك، يجب أن يسلّمك دولة، والعسكريتاريا في ظل "الميليشياتياريا" لا استعداد لديها لاسترداد الدولة.

الجميع تائه، والتائهون لا يصنعون وطنا، بل يمضون العمر، وهم يتجادلون حول الوجهة الأصح التي يجب أن يسلكوها

ودعاة السلم في لبنان، أصبحوا دعاة استسلام أنتج الكوارث. هؤلاء روّجوا لاستقرار يقوم على معادلة وطنية مختلّة. وهذه المعادلة أسقطت موقع لبنان في العالم، لأنها أطلقت يد "حزب الله" ليكون حيث يجب ألا يكون، فجرّ على البلاد والعباد مشاكل مكلفة حتى مع الأصدقاء التاريخيين.

ومع ذلك، إن اللاهثين إلى المناصب في لبنان أكثر من الهم على القلب. ليس فيهم من يخشى ممّا سيكتبه التاريخ، لأن التاريخ، أصلا لن يذكرهم. كل همهم محصور بالصفات التفخيمية التي يعتقدون بأنها ستلتصق بهم حتى النفس الأخير. ليس في ذاكرتهم تجربة لبنانية، علّقت نظراءهم على المشانق، أو ساقتهم إلى المقصلة، أو رمت بهم في السجون.

والشعب يتوهم أنه وجد الحل، بإعادة الاعتبار إلى الهجرة، من دون أن يسأل عن الوجهة، ومقبوليتها، ونتاجها، وتضحياتها الجسام.

الجميع تائه، والتائهون لا يصنعون وطنا، بل يمضون العمر، وهم يتجادلون حول الوجهة الأصح التي يجب أن يسلكوها.

الحل الوحيد لمن يواجه الموت، مثل الشعب اللبناني، أن ينتفض لكرامته، وينتهج نصيحة المتنبي الذي لم يجد دواء شافيا من الموت المحتوم سوى الموت بجرأة الكرامة.

من يجرؤ أن يستقيل؟ من يجرؤ أن يواجه؟ من يجرؤ أن ينتفض؟ من يجرؤ أن يصفع متخاذلا؟ من يجرؤ أن يكتب تاريخ الأذلاء؟ من يجرؤ أن يحاول إنقاذ لبنان وشعبه؟ 

إن اللبنانيين يحتضرون ومع ذلك يقودهم هؤلاء الحكماء الذين ينصحونهم أن يموتوا... جبناء!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.