A man waves a large Lebanese national flag as he takes part in a protest in front of the World Bank offices in the downtown…
تظاهرة تعارض إنشاء سد بسري حيث يرى المعترضون أن مشروع السد له سيقضي على مرج بسري الذي يحوي تنوعا بيولوجيا كبيرا وأن السد سيفشل في توفير المياه التي تدعي الحكومة أنه سيوفرها

تحتاج أي حركة التغيير حتى تصل إلى أهدافها الممكنة إلى عاملين، الفِعل والفاعل. في الأزمة اللبنانية، إن الفِعل السياسي والشعبي الذي تحقق في 17 أكتوبر يحتاج وبشكل مُلح إلى فاعل سياسي، يبلور الشعارات والمطالب التي رفعها المحتجون في أُطر سياسية متعددة تحفظ تنوعهم وتعدديتهم، وتبلور الحد الأدنى من المشتركات السياسية بين الأفراد والجماعات المنخرطة في مشروع التعيير.

الفاعل السياسي الذي غاب عن المشهد في الأشهر الأولى من انتفاضة أكتوبر، قصرا أو طوعا، تجنبا للاتهام وخوفا من الانتقام، يفرض عليه الواقع السياسي للمنظومة الحاكمة وحالة التراجع الشعبي التي تشهدها ساحات الانتفاضة الانتقال إلى مرحلة تأسيسية يبني عليها مشروعه ومشروعيته، حتى يفرض حضوره الداخلي كبديل مفترض يمثل الفضاء العام لانتفاضة أكتوبر، وخارجيا على قاعدة أن السلطة فقدت شرعيتها وعلى الآخرين التعامل مع من يمثل الأغلبية.

داخليا، تشهد العاصمة اللبنانية حراكا غير مسبوق بين المجموعات المنظمة وبين النخب الثقافية والاقتصادية المؤثرة من أجل توحيد صفوفها، بعد مرحلة من الانقسامات في صفوفها التي أثرت على موقعها لدى الرأي العام اللبناني. خصوصا، وأن هذا الرأي العام يحملها جزءا من مسؤولية التراجع والإحباط. 

المجموعات المنظمة والحركات الشبابية الأكثر راديكالية إضافة إلى النخب المؤثرة، باتت مقتنعة بضرورة توحيد جهودها

هي فعليا مدانة، لجهة أنها، وبرغم الإجماع على مطالبها الأساسية وتوحدها تحت شعارها الذهبي "كلن يعني كلن"، تأخرت في رسم خارطة طريق تتضمن أقله برنامجين، الأول يحدد كيفية إسقاط المنظومة شعبيا ودستوريا، والثاني يحدد شروط إنتاج البدائل.

في هذه المرحلة وصل عجز السلطة إلى ذروته. هي غير قادرة على إعادة إنتاج نفسها وإعادة تعويم خطابها السياسي والحزبي، فلجأت إلى حكومة مستشارين من الدرجة الخامسة، فيما الانتفاضة، التي وصلت إلى ذروة حضورها في الأشهر الأولى وتراجعت تحت وطأة التهديدات والحملات التأديبية إضافة إلى جائحة كورنا، تعاني من خسارتها زمام المبادرة، مما ساعدة المنظومة الحاكمة على تنفيذ مناورتها من جديد، وعزز الانتقادات القاسية من الرأي العام للانتفاضة.

الملفت أن هذه المجموعات المنظمة والحركات الشبابية الأكثر راديكالية إضافة إلى النخب المؤثرة، باتت مقتنعة بضرورة توحيد جهودها، وهذه ضرورة ملحة لخلق مناخ سياسي صحي يساعد على انتقال الانتفاضة من مرحلة الفعل الثوري إلى تشكيل الفاعل السياسي، وهذا ما دفعها للبناء على القواسم المشتركة فيما بينها وليس ذوبانها في إطار واحد، وتخليها الجزئي عن طروحاتها الخاصة أكانت ليبرالية يمنية أو يسارية. 

وقد تمكنت أخيرا من القيام بخطوات أولية من خلال التفكير بإنشاء جبهات، وإعلان نوايا مشتركة، وإصدار بيانات موحدة، كما قامت حركة نخوبية بتأسيس الجبهة المدنية الوطنية التي تضم عددا من الشخصيات الثقافية والمالية إضافة إلى أطر أخرى تتوسع في المناطق من أبرزها تكتل عامية لبنان.

تشهد العاصمة اللبنانية حراكا غير مسبوق بين المجموعات المنظمة وبين النخب الثقافية والاقتصادية المؤثرة من أجل توحيد صفوفها

التحول الأبرز الذي جرى أخيرا هو الإعلان عن شرعة الإنقاذ الوطني التي تضمنت 10 بنود سياسية اقتصادية اجتماعية أكدت ضرورة إعادة إحياء الجمهورية الديمقراطية البرلمانية وإعادة بناء العلاقة ما بين المجتمع والدولة وفقا لمعايير المساواة والعدالة الاجتماعية والكفاءة وليس المحسوبية والزبائنية، وقد استطاعت جمع تواقيع أكثر من 5500 شخص في أقل من شهر منذ توزيعها على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذه أول وثيقة وطنية تلقى هذا الإجماع ليس منذ 17 أكتوبر بل في العقود الأخيرة، ولا تقف خلفها جهات حزبية أو شخصيات سياسية، بل كانت نتيجة لعمل مشترك قام به مجموعة من النشطاء الشباب ونخب وطنية وازنة في الحياة السياسية والثقافية اللبنانية.

في اجتماعها الافتراضي الأول الذي عقد نهار الأربعاء الفائت وحضره 150 من الموقعين على الشرعة الذين حددوا أولويات المرحلة المقبلة في توحيد الجهود داخليا في العاصمة بيروت ومع الأطراف وفي بلاد الانتشار، لترجمة الأفكار التي طرحتها الشرعة عمليا خصوصا في الاقتصاد والتنمية والعدالة الاجتماعية، وشبكات الأمان والحماية الاجتماعية الشاملة. وأكدت عضوة لجنة المتابعة للشرعة مارينا عريجي التي أدارت اجتماعها الأول "أن الإعلان عن الشرعة يتقاطع مع لحظة مصيرية يمر بيها لبنان تتطلب توحيد جهود الجميع في إطار ائتلاف عريض جامع ومشترك، بهدف تفعيل ما بدأته الانتفاضة قبل 9 أشهر من أجل الانتقال إلى مواجهة سياسية مفتوحة سترسم نتائجها شكل الدولة الجديدة".

الأبرز في نقاشات الشرعة هو المطالبة بإعادة تكوين السلطة والدعوة إلى مؤتمر إنقاذ وطني يبدو أشبه بعقد وطني يعيد تأسيس الاجتماع اللبناني بعيدا عن سلطة الطوائف وامتيازاتها ويقطع الطريق على دعاة المؤتمر التأسيسي على قاعدة الاستقواء والغلبة.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.