باسل خياط
باسل خياط في صورة من كواليس تصوير مسلسل "العراب" (المصدر: صفحة الشركة المنتجة على موقع فيسبوك) | Source: Facebook

ما زال فيلم "العراب" لفرانسيس فورد كوبولا، المأخوذ عن رواية الكاتب الأميركي ماريو بوزو الصادرة سنة 1969، يحظى بالمتابعة والاهتمام العالميين، ويثير شهية الجميع لمقاربته، رغم مرور ما يقارب نصف قرن من الزمن على عرضه، لما تحظى به عوالم الجريمة، وقصص المافيات العائلية من إثارة واستقطاب كبيرين.

عوالم المافيات، العائلية بشكل خاص، شائكة وذات خطوط حمراء، خاض المؤلف بوزو في أعمق وأدق تفاصيلها آنذاك، برؤية ثاقبة حملت صفتي الديمومة والعالمية، وهما صفتان مكنتا هذا النص الفريد لاحقا، أن يظل صلبا وثابتا، وأن يكون طيعا ومنفتحا بالوقت ذاته، وذلك عبر رسمه للملامح العامة لسلوكيات هذه المافيات، والتي يمكن إسقاطها بيسر وسهولة، على مجتمعات أخرى وأزمنة مختلفة، مثل ثوب عالمي يمكن أن يلبّس لأي جسد، تتوفر لديه جميع المقاسات المطلوبة والشروط العميقة.

تحقيق هذا الإسقاط نجح في لبوسه العربي، عبر تحويله من فيلم إلى مسلسل بجزأين حملا اسمه العام، أخرجهما السوري حاتم علي برؤية بدت مقنعة للغاية، كتب أولهما رافي وهبي تحت عنوان "نادي الشرق" في العام 2015، والثاني لخالد خليفة وأحمد قصار تحت عنوان "تحت الحزام" في العام 2016.

تبدو نساء العائلة ضمن هذا النسيج ظاهريا، مترفات وقويات ونافذات بدورهن، لكنهن في الحقيقة ضعيفات، مراقبات، تائهات أحيانا، غير سعيدات، لا يمتلكن حرياتهن

وهو مسلسل يعاد عرضه حاليا على فضائية سورية خاصة، بنسبة مشاهدة عالية لا تقل عن نسبة مشاهداته العالية على يوتيوب أو حين عرضه للمرة الأولى، لأسباب عدة من أبرزها الجودة الفنية العامة، ولما حمله هذا التعريب من مقاربة حساسة وجريئة للخصوصية السورية، رُسمت حكاياتها وحبكاتها القاسية بدقة، ولعبها بحرفية، كوكبة من النجوم السوريين المخضرمين، تقمصوا أدوار شخصيات نافذة، غير محددين، لكن سلوكياتهم يمكن أن تنطبق على بعض ممن كانت أسماؤهم أو أفعالهم يتم تداولها سرا، أو يهمس بها همسا إلى زمن قريب وتحت طائلة المسؤولية، تعرف عليهم المشاهد الذي أعاد المسلسل فتح ملفات ذاكرته التي تعود إلى زمن غير بعيد، حيث طغت فيها أمثال هذه المافيات وتجبرت، ومهد فسادها المتراكم، إلى نشوء الحراك الشعبي السوري عام 2011، بحسب رؤية صناع العمل.

الطموح إلى السلطة، والعلاقات العامة، والنفوذ العائلي، والمال الذي يأتي بطرق شرعية أو غير شرعية، تشكل ألفباء قواعد العمل لمثل هذه المافيات، التي تنسج شبكة محكمة ومغلقة من أفراد العائلة والمقربين والأتباع والمستفيدين، يقودهم "كبير" نافذ واحد، هو عرابهم الذي يمكنه أن يحفظ تماسك هذه الشبكة، أو يقودها إلى الضعف والزوال، مع احتفاظه بمسافة الأمان وعدم تجاوزه لخطوطه الحمراء العليا.

برؤية عميقة، يسلط المسلسل الضوء على امتداد أذرعهم مثل أخطبوط، يهيمن على مفاصل الأعمال ويمتلك كل ما هو متاح ومشتهى، بالقوة أو بالتراضي. ولأن الاحتياجات تتغير بحسب متغيرات العصر، ينفتحون على تحالفات عائلية جديدة كانت مرفوضة في قاموسهم إلى زمن قريب، ولا يفوتهم أن ينشروا ظلالهم في كل مكان جديد بشكل مباشر، أو خلف واجهات تحالفاتهم الجديدة، ليمتد نفوذهم إلى عالم الصحافة الخاصة، وشركات الإنتاج، والمطاعم والبارات، وغاليريهات الأزياء ومزادات الفن التشكيلي، وشركات الطيران، وقطاع البنوك والفنادق المحلية أو العالمية، ودور النشر، وقطاع التعليم الأساسي الخاص والجامعي، وكأنهم يطبقون المثل الدارج "في كل عرس لهم قرص".

ستبدو هذه العائلة المافياوية القادرة على الحصول على كل شيء، عاجزة عن جلب الطمأنينة إلى جدران بيتها

تبدو نساء العائلة ضمن هذا النسيج ظاهريا، مترفات وقويات ونافذات بدورهن، لكنهن في الحقيقة ضعيفات، مراقبات، تائهات أحيانا، غير سعيدات، لا يمتلكن حرياتهن، ولأنهن في القاموس الأسري يشكلن نقاط ضعف العائلة، ويمكن أن يجلبن العار في أي وقت، يبقين خاضعات للسلطة الأبوية خضوعا قاسيا ومحكما، يسحق تمرد أي منهن سرا، كما يسحق أي تمرد غريب ضد هذه العائلة، التي ستبدو في عمقها الشديد، تحصد الخوف ذاته الذي تزرعه بين ضحاياها، وبحيث يبدو في بعض الأوقات الصعبة، وكأن هذا الخوف الذي يقيم بينهم مثل قرين، أكثر بطشا، يلاحقهم مثل ظلالهم، يؤرق نومهم وأوقات زهوهم، ليحولهم إلى أفراد، مدانون وضحايا أنفسهم، وبحيث ستبدو هذه العائلة المافياوية القادرة على الحصول على كل شيء، عاجزة عن جلب الطمأنينة إلى جدران بيتها، وعند هذا التقاطع، سيتساوون مع ضحاياهم، الذين يسرقون منهم الطمأنينة في كل الأوقات.

قد يبدو أن أحد أسباب جاذبية مسلسل "العراب" هو خصوصية هويته السورية ذات المحظورات الرقابية الشديدة، وذات الشهرة الأوسع بانتماء هذه الخصوصية إلى دولة ذات سمعة أمنية صارمة، لكنه في الحقيقة نص، وإن اتخذ لبوسه السوري، يمكن بدوره إسقاطه وبسهولة، على جميع المافيات العائلية في عدد من الدول، مثل لبنان، ومصر، والعراق، والصين، ودول أميركا اللاتينية وغيرها من دول العالم التي لا تخلو من وجود مثل هذه العائلات المافياوية. إسقاط قد ينجح في لبوس آخر بسهولة، دونما حاجة إلى تغيير جوهري في القصة أو رسم الشخصيات أو في الحوار، الذي أكد في أحد المشاهد على لسان أحد شخصياته النافذة، أن الوجوه هي التي تتغير، فيما تبقى قواعد اللعب ثابتة.

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.