Moroccans buy sacrificial animals ahead of the Muslim festival of Eid al-Adha at a livestock market in the coastal city of…
أحد أسواق بيع أضاحي العيد في المغرب

يوما ما، علينا أن نقتنع أن موضوع عيد الأضحى، بما يمثله من ضغط اجتماعي في المغرب، يجب أن يعاد التفكير فيه بشجاعة وجرأة!

لا علاقة للموضوع بالدين. الأمر اليوم أصبح فريضة مجتمعية تثقل كاهل الناس، وخاصة منهم البسطاء.

يمارس عيد الأضحى ضغطا اجتماعيا على الأسر في المغرب، وخصوصا منها الأسر المتوسطة التي قد تستدين لشراء الخروف ولوازمه.

مؤسسات القروض بدأت، منذ سنوات، تقدم عروضا للسلف لشراء خروف العيد. إنه منتهى العبث. بمنطق أغلب رجال الدين فإن السلف البنكي حرام، في حين يعتبره البعض من الكبائر. فهل نتخيل أن تأتي الحرام أو ترتكب الكبيرة... من أجل تطبيق السنة؟

الأمر في الواقع لا يتعلق بالسنة النبوية بقدر ما يتعلق بالضغط المجتمعي الذي يحول عيد الأضحى من سنة نبوية.. إلى فريضة مجتمعية!

الأمر اليوم أصبح فريضة مجتمعية تثقل كاهل الناس، وخاصة منهم البسطاء

أغلب الناس يتحدثون عن السنة وعن نبي الله ابراهيم لكي يبرروا إلزامية شراء الأضحية (حتى أولئك الذين لا يمارسون الفروض!). لكن أغلبهم يدرك أنه لا يمكن أن يمتنع عن شراء خروف العيد، وأن هذا الخروف يجب أن يكون كبيرا ضخما... لأن هناك رقيبا مهما حوله هم الجيران والمحيط والأسرة.

ثم، هناك حجة أخرى لا تخلو من بعض شعبوية. حجة مفادها أن العيد فرصة الفقراء لكي يأكلوا اللحم بكثرة كما الأغنياء (علما أن الكثير من الأغنياء يسيرون اليوم في اتجاه الأكل الصحي؛ وبالتالي التقليل من أكل اللحوم الحمراء).

الحقيقة أن عيد الأضحى يثقل كاهل الفقراء أكثر من الأغنياء. هؤلاء يملكون القدرة الشرائية الكافية التي تخول لهم، إن شاؤوا، أن يشتروا الخرفان. الذي يحدث أن الأسر الفقيرة تعيش ضغطا رهيبا لشراء خروف يكون سعره الأدنى في حدود 150 إلى 200 دولارا أميركيا في أقل تقدير (الكثير من الأسر الفقيرة تصر على تضخيم مظاهر الأبهة بشراء أضاحي قد يصل ثمنها لـ 300 و400 دولار وحتى 600 دولار). كل هذا باسم السنة، وفي بلد يعادل فيه الحد الأدنى للأجور، شهريا، حوالي 220 دولار تقريبا.

...والخروف يحتاج لمصاريف (أجرة الجزار، خضر وفواكه وتوابل، أواني خاصة، مشروبات غازية (باسم السنة طبعا). بمعنى أن كل أسرة تنفق حوالي 350 دولار كأدنى تقدير لشراء واستهلاك أضحية العيد ولوازمها. ألا يكفي هذا المبلغ لشراء كيلو غرام من اللحم (حوالي 8 دولار) أسبوعيا، على مدار السنة؟

هل نتخيل اليوم أن معظم الأسر التي كانت تشتكي منذ بضعة أشهر من التعليم الخصوصي في ظل أزمة كورونا وتقلص المداخيل وعدم قدرتها على دفع مصاريف مدارس القطاع الخاص... لن تناقش اليوم ولن تتحدث عن الأزمة؟ ستشتري الخروف وستشتري معه المشروبات الغازية وكل المستلزمات. لأن "السنة النبوية" أسبق من التعليم ومن الصحة الجسدية ومن الصحة النفسية (التي تتأذى مؤكدا من حجم الضغوطات).

الحقيقة أن عيد الأضحى يثقل كاهل الفقراء أكثر من الأغنياء

لأننا، في الواقع، شئنا أم أبينا... غير قادرين على مواجهة ضغط المجتمع الذي يعتبرنا فقراء إذا لم نشتر الخروف.

هذا دون أن ننسى أنه، في هذه السنة بالذات، كان يفترض أن يمنع العيد في المغرب لأسباب صحية.

خطر كورونا يحوم حولنا منذ شهور، واحتمال موجة جديدة أقسى وارد في معظم البلدان.

المنطق كان يقتضي منع تقديم الأضاحي هذه السنة، وإيجاد حلول اقتصادية لمربي المواشي لتعويض الضرر الناتج عن المنع.

لكن، ولأن هناك فلاحين كبار ينتجون قطعانا كبيرة من الخرفان؛ فإن الحكومة (عبر وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات) لم تمتلك شجاعة مواجهة... القطيع!

في المغرب، نعرف جميعنا الأجواء التي يتم فيها بيع أضاحي العيد في الأسواق. الفيديوهات والصور التي انتشرت تؤكد الغياب التام لكل شروط الوقاية (لا كمامات، لا تباعد اجتماعي بتاتا، الأيادي التي تتجول بين الخرفان في أمان تام...).

أن تعيش في بلد لا تملك فيه الحكومة شجاعة اتخاذ القرارات السليمة، معناه أن تعيش في بلد يغامر بصحة 34 مليون مواطن... وكل هذا باسم السنة النبوية الشريفة!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.