FILE PHOTO: King of Jordan Abdullah II addresses the European Parliament in Strasbourg, France January 15, 2020. REUTERS…

شعور عميق بالقلق وانعدام اليقين، يلف الطبقة السياسية والثقافية الأردنية ويلقي بظلاله الكثيفة فوق رؤوس نشطائها ومفكريها سواء بسواء، وسط إحساس يكاد يراود الجميع، بأن البلاد لا تسير في الاتجاه الصحيح، وأن "الدولة"، تخرج عن مألوف سياساتها المتزنة والمتوازنة، داخليا وخارجيا، من دون أن تتوفر إجابات شافية على الأسئلة التي تثيرها هذه التحولات وتستدعيها.

والمفارقة أن هذه المناخات الحذرة والقلقة، تأتي بعد أشهر قلائل فقط، من نجاح الدولة بمؤسساتها المختلفة، في احتواء "جائحة كورونا"، وبصورة فاجأت الأردنيين، على اختلاف مشاربهم السياسية والفكرية، لكأن الدولة "تفوقت على نفسها"، وقدّمت أداءً رشيقا ورشيدا، أشاد به البعيد قبل القريب، فيما استطلاعات الرأي العام، كانت تشير إلى "شعبية" غير مسبوقة، سجلتها الحكومة والجيش والأجهزة الأمنية والكادر الصحي في التعامل مع "الجائحة"، بذيولها الصحيّة والوبائية على أقل تقدير.

لم تضع الجائحة أوزارها بعد، بيد أن المشهد الأردني أخذ بالانقلاب رأسا على عقب... أزمة مفتوحة ستندلع بين "الحكم" و"جماعة الإخوان المسلمين"، بدأت بالقرار الصادر عن أعلى مرجعية قضائية في البلاد، باعتبار الجماعة، منظمة غير مشروعة، محلولة حكما، وكأنها لم تكن... 

ثم جاءت الأزمة المفتوحة، والمتوالية فصولا، مع نقابة المعلمين الأردنيين، كبرى النقابات المهنية الأردنية، على خلفية تجميد الحكومة تنفيذ الاتفاق المبرم معها بخصوص زيادات المعلمين وعلاواتهم من بين مطالب أخرى، وإصرار النقابة على تنفيذ الاتفاق من دون تأخير أو تلكؤ.

إجراءات التضييق على الحريات وحرية النشاط السياسي، لم تقتصر على جماعة الإخوان المسلمين وحزبها السياسي فحسب، بل طاولت أحزابا أخرى، من تيارات مدنية ويسارية

المعركة بين الحكومة والنقابة، لم تتوقف عند الحدود المطلبية، إذ سرعان ما جعلت منها الحكومة وأجهزة الدولة المختلفة، والإعلام المملوك لها والخاضع لسيطرتها، معركة ضد جماعة الإخوان المسلمين، بزعم أنها تسيطر على النقابة، أو "تختطفها" بالأحرى، الأمر الذي تنفيه الجماعة، وتقول إن الأمر لا يخرج عن سياسة "شيطنة الجماعة" التي تنتهجها الحكومة وبعض أجهزة الدولة الأمنية والإعلامية، ولغاية في نفس يعقوب.

لا "الجماعة" ولا "النقابة" على ما يبدو، بصدد الإذعان للإجراءات الإدارية (حل مجلس النقابة وإغلاق مكاتبها وفروعها، واعتقال عدد من قادتها، وتشكيل لجنة لتسيير شؤون النقابة لمدة عامين، إلى حين انتخاب مجلس جديد)... قادة النقابة تعهدوا بمواصلة أنشطتها، ومن غير المتوقع أن يخضع المعلمون لتعليمات "الهيئة المعينة" من الحكومة لتسيير شؤون نقابتهم... 

أما الجماعة، فقد عقدت مؤتمرا لمجلس الشورى، أعلى سلطة فيها، وجرى التجديد لمراقبها العام عبد الحميد الذنيبات لولاية ثانية، كما جرى انتخاب القيادي جميل أبو بكر، رئيسا لمجلس الشورى، خلفا للشيخ حمزة منصور، المنتهية ولايته... "الجماعة" تتصرف كما لو أنها "باقية وتتمدد" برغم القرار القضائي الذي جردها من شخصيتها الاعتبارية... "الجماعة" تنظر للقرار القضائي بوصفه قرارا سياسيا بامتياز.

نحن إذن، أمام موجة تصعيد غير مسبوقة منذ سنوات بين "الدولة" و"الإخوان"، تسبق الانتخابات النيابية المقررة في العاشر من نوفمبر المقبل، الأمر الذي بدأ يثير تساؤلات حول ما إذا كانت "الجماعة" وذارعها السياسي: "حزب جبهة العمل الإسلامي" ستشارك في الانتخابات أم ستقاطعها، مع أن أغلب التقديرات، ترجح خيار المشاركة، بعد تجربة مريرة خاضتها الجماعة مع خيار المقاطعة.

في مقال سابق، على هذا الموقع، وصفنا المقاربة الأردنية في التعامل مع جماعة الإخوان، بأنها "منزلة بين منزلتين": الإقصاء والاستئصال كمقاربة معتمدة من قبل دول كسوريا ومصر والإمارات المتحدة والسعودية، والاحتواء والإدماج كما هو الحال الماثل في كل من تونس والمغرب... 

المقاربة الأردنية جاءت مزيجا من "أقصى الضغوط" مع ترك هامش للمناور وحرية الحركة... المقاربة الأردنية تعمّدت الامتناع عن تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، كما هو الحال في "النموذج الاقصائي"، شريطة ألا يصل هامش المناورة وحرية الحركة، حد الحصول على أغلبية برلمانية، وتشكيل حكومة منتخبة أو المشاركة في حكومة برلمانية، كما هو معمول به في "مدرسة الاحتواء"... يبدو أن "ميزان" المقاربة الأردن، قد بدأ يختلُّ بعض الشيء، والمقاربة أخذت تنحرف (ونأمل ألا تنجرف) صوب "المدرسة الاقصائية".

أزمة العلاقة بين "الدولة" و"الإخوان" على أهميتها، ليست الأزمة الوحيدة المفتوحة في البلاد، عشية توجه 4.6 مليون أردني إلى صناديق الاقتراع لاختيار النواب المئة والثلاثين الذين سيشكلون المجلس التاسع عشر، المجلس النيابي الذي سيستقبل به الأردن المئوية الثانية في عمر الدولة، وسيحتفل معه الأردنيون باليوبيل الخامس والسبعين لاستقلال بلادهم عن الاستعمار البريطاني، لكن ـ من أسفٍ ـ لا يبدو أن هذه الانتخابات ولا المجلس الذي سينبثق عنها، تثير اهتمام الأردنيين وتحفزهم على مغادرة منازلهم في اليوم الموعود.

فـ"أوامر الدفاع" التي جرى إقرار العمل بها، لمواجهة "جائحة كورونا وتداعياتها"، وجاءت في حينه، مشروطة بوجوب مراعاة اللجوء إليها على أضيق نطاق، ومن دون افتئات أو تعدٍ على حقوق الأردنيين وحرياتهم، جرى التوسع في اللجوء إليها واستخدامها، للتضيق على الحريات العامة، وحرية الرأي والتعبير والصحافة والاعلام، إذ يجري منع الصحف ووسائل الاعلام الوطنية، من تغطية التطورات المتصلة بقضية نقابة المعلمين، وقد غاب الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، عن أماكن احتشاد المعلمين والمعلمات المعتصمين، ولم يأتِ على ذكر الاعتقالات التي وقعت في صفوفهم إلا في أضيق نطاق، كما أن عددا من الصحفيين والمدونين ونشطاء التواصل الاجتماعي والحراكات الشبابية، قد جرى منع مقالاتهم من النشر والتعرض لهم بالاعتقال أو المساءلة، أو التلويح لهم بإجراءات عقابية، إن هم استمروا في ممارسة أنشطتهم الانتقادية.

أي أن إجراءات التضييق على الحريات وحرية النشاط السياسي، لم تقتصر على جماعة الإخوان المسلمين وحزبها السياسي فحسب، بل طاولت أحزابا أخرى، من تيارات مدنية ويسارية، فقد تم اعتقال أمين عام حزب الوحدة الشعبية الأردني (يساري) الدكتور سعيد ذياب، لمجرد نشره "بوست" على صفحته على موقع فيسبوك، يذكّر فيها بأن استقلال الأردن مشوب بالتبعية السياسية والاقتصادية لدوائر غربية (إمبريالية)، وهو أمر قيل مثله، وأقسى منه، عشرات المرات من قبل، من قبل الشخص نفسه، وعشرات آخرين من الكتاب والنشطاء، من دون أن إشهار سيف الاعتقال والتوقيف والمحاكمة في وجوههم، لكأننا أمام محاولة توجيه رسائل لقادة الرأي والنشطاء، بأن "صدر الدولة" بات أكثر ضيقا بهم وبمواقفهم.

إن التأزيم السياسي والأمني الذي يسبق الانتخابات النيابية العامة بمئة يوم فقط، محمولا على أشد ضائقة يعانيها الاقتصاد الوطني الأردني منذ ثلاثة عقود، وسط توقعات بارتفاع حجم الدين العام ونسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة عجز الموازنة العامة، وتراجع تحويلات العاملين في الخارج (بالذات من دول الخليج) والتقديرات بوجود أكثر من 640 ألف عاطل عن العمل، قبل نهاية العام الجاري، يضيف إلى مناخات "الإحباط" السياسي، مناخات متشائمة حول الحالة الاقتصادية والاجتماعية لفئات واسعة من الأردنيين، بل وحول مستقبل الاقتصاد الوطني برمته.

نحن إذن، أمام موجة تصعيد غير مسبوقة منذ سنوات بين "الدولة" و"الإخوان"، تسبق الانتخابات النيابية المقررة في العاشر من نوفمبر المقبل

ترافق ذلك كله مع ارتفاع ملحوظ في منسوب "الانخراط النشط" في جدول أعمال محور "الحلفاء التقليديين" للأردن، سياسيا ودبلوماسيا، وحتى "عسكريا" كما تقول مصادر غير أردنية، وتنفيه عمان باستمرار... من زيادة الدعم لمصر والإمارات والسعودية على الجبهة الليبية (استقبال عقيلة صالح، تقارير أممية عن أسلحة أردنية لحفتر)، والاتهامات المتبادلة حول وجود سلاح أردني على جبهة أرمينيا ـ أذربيجان، تنفيه عمان أيضا، وتقول إنه من فعل "شركات خاصة" إن تأكد وصوله إلى جبهة ناغورني كاراباخ.

هنا التقديرات تتحدث عن "استحقاقات" داخلية وخارجية، يجد الأردن نفسه منساقا لتلبية مقتضياتها، ودائما بهدف تنشيط وتجديد علاقاته مع دول التحالف المذكور... هنا، التساؤلات تطاول عناوين من نوع: ما مصلحة الأردن في كل ذلك، وهل علينا التوجس من "دفرسوار خليجي"، يمكن أن يقوض مكتسبات السياسة الأردنية في بعديها الداخلي (مواجهة الجائحة) والخارجي (صفقة القرن وقرار الضم)؟... كيف سينعكس ذلك كله، على علاقات الأردن المُستعادة مع كل من قطر وتركيا، وما مصير سياسة "تنويع" العلاقات والتحالفات التي ينافح عنها نشطاء وفعاليات ومثقفون أردنيون كثر؟... 

على أن السؤال الأكثر أهمية من بين جميع الأسئلة والتساؤلات السابقة، هو: ما الذي يجنيه الأردن حقا، غير الوعود الشفهية والدعم اللفظي في المقابل؟... وهل انعكس ذلك أو سينعكس قريبا، على خزينته ومحافظه المالية بمزيد من أموال المساعدات والاستثمارات، أو زيادة في أعداد الأردنيين العاملين في هذه الدول، أو حتى زيادة في مستورداتها من الإنتاج الأردني الصناعي والزراعي والخدمي؟!... كل ذلك لا أثر له ولا شاهد عليه، في أرقام الدولة الرسمية ودفاتر حساباتها.

لقد حظي الموقف الأردني الرسمي من ما سمي بـ"صفقة القرن"، وتصدي الدبلوماسية الأردنية النشط لتوجهات الضم الإسرائيلية لأجزاء واسعة من الضفة الغربية، بالترحيب الواسع والتأييد الكبير من قبل أوساط واسعة من الرأي العام الأردني، وإذ جاءت هذه المواقف المتميزة حقا، محمولة على أداء رفيع وناجح في احتواء "جائحة كورونا"، فقد بدا أن العلاقة بين الحكم ومختلف مكونات المعارضة، بل بين "الدولة" و"مواطنيها" مرشحة للدخول في "شهر عسل" مديد... لكن يبدو أن هذه التقديرات كانت متفائلة بأكثر مما ينبغي، إذ سرعان ما أخذت الفجوة تعود لاتساعها، منذرة بـ"اتساع الخرق على الراتق"، إن لم يجر تصحيح المسيرة وتصويب المسار، الآن وليس بعد حين.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.