ارتبط مصطلح "التغريب" بحمولات بمعنوية بالغة السلبية في الوعي الجماهيري العام، الذي هو ـ بمجمله ـ وعيٌ تقليدي، يجنح للمحافظة والانغلاق؛ جرّاء علاقات تاريخية متوتّرة مع الآخر، وبالأخص: الآخر الغربي الذي ظهر ـ في سياق رحلة الحراك التاريخي ـ وكأنه الغريم الأساس، وكأنه الآخر المضاد الذي لا آخر سواه. وهذا ما أسس لعُقَدٍ تاريخية/ ثقافية تغذّت من حراك الواقع/ الصراع الواقعي؛ بقدر ما تغذّت ـ في تفاعل جدلي عميق ومُعقّد ـ من توجّسات المحافظين وشوفونية القوميين الانغلاقيين، وتطرّف العقائديين على مرّ العصور الإسلامية المتطاولة التي أخذت لحظتها التدشينية منذ بداية تشكّل الإسلام/ المجتمع الإسلامي واصطدامه بالغرب/ الروم (واقعة: مُؤتة)، وإلى ساعة كتابة هذا المقال.
لقد تعددّت العلاقات "الآخَرِيّة" في تاريخ الإسلام، فثمة فارس والحبشة والهند والترك والمغول...إلخ الأمم والأعراق، ولكن لم تكن العلاقة مع أي من هؤلاء "الآخرين" علاقة تقابل ضدي على امتداد تاريخ الإسلام كله. بعضها كان "آخر" في وقت ما ـ طال أو قصر ـ، بل وكان خطرا داهما، ولكنه سرعان ما غاب عن مسرح الأحداث، كما هو حال الآخر المغولي، وبعضها كان "آخر" في ظرف خاص/ بدايات التواصل العلائقي، ثم ذابت هذه "الآخريّة" فأصبح جزءا من مكونات الذات، كما هو الحال في الآخر الفارسي والتركي والسندي والسوداني...إلخ بقية العناصر العرقية التي اندمجت في تاريخ الإسلام.
إذن، وَحْدَه "الآخر الغربي" رافقنا منذ البداية كـ"آخر"، كمقابل/ مضاد في الغالب، ولا يزال. لقد كانت "آخريته" حاضرة على الدوام، وبالتالي، بدأنا ـ على مستويي: الشعور واللاّشعور ـ نرى أنفسنا من خلاله، هو مرآتنا، نُقيّم ذواتنا به، نقيس قوتنا/ ضعفنا بقوته/ ضعفه، نحكم على تقدّمنا/ تخلفنا بتقدمه/ بتخلفه، فهو الوحيد الذي يرافقنا في حلبة الصراع/ ميدان المنافسة التاريخية منذ بدأ وعينا بأنفسنا كأمة/ كوَحْدة ثقافية تتشكّل وتتوسع في الواقع.
بدا وكأن التغريب يحتاج لشجاعة مضاعفة: شجاعة الاعتراف بالسبق الاستثنائي لهذا الآخر في أهم وأشرس ميادين التحدي: في المضمار الحضاري، وشجاعة الانخراط في التغريب
ما يعني أن الكراهية الأزلية المشوبة بتوتّرات الحسد المتبادل ستكون من نصيب هذه العلاقة الخاصة بيننا وبين الغرب تحديدا، وسننظر له ـ في كل الأحوال، وعلى سبيل التصريح أو التضمين ـ كخصم تقابلي في أهم محاور فاعليتنا، فلا يزدهر إلا بتخلّفنا، ولا نزدهر ونتقدم إلا بتخلفه وانحطاطه؛ مستبعدين ـ لا شعوريا ـ إلى دائرة "اللاّمفكر فيه" إمكانية التجاور التناسبي: أن يتقدم ونتقدّم، ومستبعدين أكثر، وبقسوةِ "دافعٍ لا شعوري" أعنف؛ إمكانية الاقتداء: أن نتقدم بتقدمه، وأن نتطور ونتجاوز مأساة تخلفنا بالتماهي مع عوالمه الأكثر تقدما وتطورا بما لا يُقاس.
المهم هنا، أن رياح التاريخ جرت بما لا تشتهي سفننا الراكدة المتهالكة الرابضة على شواطئ بالبؤس. من سوء حظنا أن الحضارة التي تعولمت وأصبحت هي هوية العالم اليوم، وهي الخيار التطوري الذي لا خيار غيره، هي حضارة هذا الغرب الذي تمثّلناه خصما تاريخيا ومنافسا أبديا. فالعالم الذي يجب علينا أن نتماهى معه، وأن نتمثّله أُفُقا لتطلعاتنا التقدميّة، هو ذاته العالم الذي كان يُشْعِرنا ـ على الدوام/ على امتداد تاريخا؛ إما بتقدمنا؛ إن تأخّر عنا، أو بتأخّرنا؛ إن تقدّم علينا.
هنا، يكاد "التغريب" ـ من حيث هو إقرار ضمني بتفوق الآخر/ بانتصار الخصم التاريخي ـ يكون خيانة عظمى، يكاد يكون عارا قوميا لا يُحتمل! تخجل الذات القومية/ الإسلامية أن تعترف بذلك، تتمنى ـ في أعمق أعماقها ـ لو أن هذه الحضارة المعاصرة (التي يجب عليها قَدَرَا أن تنخرط فها؛ وإلا فالخروج من التاريخ هو القدر المتاح) كانت بهوية صينية أو هندية أو مغولية، بأي هوية، بعدت أو قربت؛ إلا أن يكون هذا "الغرب" هو رائدها في تجاوز تخلّفها المزمن.
شيء مؤلم حدّ الموت؛ أن تجد خصمك الذي لا تريد أن تعترف له حتى بمزيّة واحدة (لأن مزاياه ـ بالضرورة ـ هي نواقص فيك، خصمك الذي لا ترى لنفسك خطا إيجابيا صاعدا؛ إلا بالنظر إليه ـ مقارنة ـ في مسار خط سلبي هابط) وهو يتجلى في مدى حضورك كمُعلّم مُتَفضّل عليك ببعض ما فتح الله عليه من علم وعمل. مؤلم جدا أنك لا تستطيع ـ نفسيا ـ أن تعترف له بمزية؛ فإذا أنت محاصر بين خيارين: إما أن تتخلفّ وتنقرض وتخرج نهائيا من التاريخ، وإما أن تعترف له، لا بمزية واحدة، بل ولا بكل مزاياه، وإنما أن تتجاوز "الاعتراف" إلى "الاقتداء"، إلى انخراط كامل في عالمه، إلى تماهٍ عميق مع أهم مكونات هويته المستحدثة، والتي أصبحت هي هوية العصر، أي إلى أن تتجاوز مجرد الاعتراف إلى الدخول عمليا كتلميذ مبتدئ في مدرسته، وأن تتلقى عنه ـ بالقبول، وبالاعتراف بالفضل ـ ما تعتقد أنه مَعْقِدُ سعادتك وسعادة أجيالك اللاحقة التي تنتظر تحديدك لمصيرها ـ وهي في رحم الزمان ـ بناء على مدى تقبّلك الانخراط في مسارات التتلمذ على خصمك التاريخي.
كل هذا التأزم النفسي والواقعي يكشف مصدر تلك الاسترابة واسعة النطاق التي ألقت بظلالها على كل تفاعل ثقافي مع الغرب؛ منذ حملة نابليون وإلى اليوم. السؤال الشهير الذي ظهر منذ بداية الوعي بتخلف الذات وتقدم الآخر: لماذا تقدّم الغرب وتأخرنا؟ هو ليس سؤالا استعلاميا؛ بقدر ما هو سؤال يتضمن الاعتراض على ما حدث/ على تقدّم الغرب وتأخّر الذات، وكأنه يقول ـ ضمنيا ـ: الطبيعي أن نتقدم نحن، وأن يتأخر خصمنا التاريخي؛ استنادا إلى مبدأ عقدي يقيني راسخ مفاده: أن ديني أفضل من دينه، ومن ثم، فأنا أفضل منه جملة وتفصيلا، وما نتج عني أفضل ـ بالضرورة ـ مما نتج عنه: تاريخي أفضل من تاريخه، فيكف يكون بعد كل هذا أفضل مني، كيف له أن يسبقني سبقا مبينا كاسحا، بل وأن يضطرني لأكون تابعا له بالأصالة أو تابعا له بالتتلمذ عليه وعلى حضارته التي أصبحت هي حضارة العالم؟!
هكذا بدا وكأن التغريب يحتاج لشجاعة مضاعفة: شجاعة الاعتراف بالسبق الاستثنائي لهذا الآخر في أهم وأشرس ميادين التحدي: في المضمار الحضاري (وهذا وحده كافٍ لاستشعار الانغلاقي عارَ الهزيمة الكبرى)، وشجاعة الانخراط في التغريب ـ من حيث هو تمثّل حيوي متفاعل يتجاوز توجّسات التحفظ الانغلاقي ـ كسبيل أوحد لتجاوز تاريخ طويل من التخلف والانحطاط والقهر والاستبداد وإلغاء/ إقصاء الإنسان.
التقليديون الانغلاقيون، من قوميين ومتأسلمين، حاولوا الالتفاف على أحادية هذا الخيار الذي يرونه حكما بالموت على كل مقومات الاعتداد بالذات، وكانت محاولات الالتفاف بمقدر ما هي اعتراف ضمني بحقيقة التأزم النفسي، تحمل دلائل غباء عام، غباء متأصل، موروث؛ هو بذاته أحد نتائج الانغلاق/ التخلف التاريخي، وهو ـ في الوقت نفسه ـ سبب استمرار واقعة التخلف بهذا المستوى من الزخم، بل وبهذا المستوى من القدرة على إنتاج الأزمات من رحم الأزمات.
العالم الذي يجب علينا أن نتماهى معه، وأن نتمثّله أُفُقا لتطلعاتنا التقدميّة، هو ذاته العالم الذي كان يُشْعِرنا ـ على الدوام/ على امتداد تاريخا؛ إما بتقدمنا؛ إن تأخّر عنا، أو بتأخّرنا؛ إن تقدّم علينا
الهروب المذعور إلى مقولات "الأصالة"، وإلى "مجد التاريخ"، أو التقدم قليلا، وطرح تصور مغلوط عن الحضارة الغربية يتمحور حول الزعم بأنها تنقسم إلى قسمين: "تقدم علمي، تقني، مادي"، و"تقدم فكري، نظري، فسلفي، تشريع قانوني وأخلاقي"، وأننا ـ كعرب/ كمسلمين ـ متقدمون جدا في الشطر الثاني، فلا نحتاج إلى الغرب فيه، بل هو من يحتاج إلينا (أستاذية العالم في التصور الإخواني/ والقطبي بصورة أشد وأوضح)، بينما كل ما نحتاجه هو نقل (وبالنص: نقل، وليس تعلم أو...) التطور التقني في حدوده المادية الجافة، مجردا من أي أبعاد فكرية، أو مضامين فلسفية، أو توابع أخلاقية. وحينئذٍ ـ إن فعلنا ذلك وفق هذا التصور ـ فسنتفوق على الغرب لا محالة، إذ سنمتلك القوة الروحية والأخلاقية بالغة الإيجابية، والتي لا يمتلك "هذا الغرب اللدود" شيئا منها، وبالإضافة إلى ذلك، سنمتلك التطور التقني، وننافس فيه الغرب، فنخرج بهذا من المأزق الذي وضعنا فيه دعاة التغريب، وذلك بالتقدم/ بالتطور ماديا؛ مع الاحتفاظ بأصالتنا، بل وسنصنع مجدا جديدا يضاف إلى مجدنا التاريخي القديم؛ عندما نُقدّم للبشرية حضارة تجمع بين التفوق الروحي والتفوق المادي، في صورة تكامل خلاّق!
طبعا، هذا الهروب المذعور، تبيّن ـ في صور متلاحقة من الفشل تمتد لأكثر من قرن ـ أنه مجرد وهم، مجرد خداع للذات؛ حتى لا يستمر الجرح النرجسي نازفا. وتبين بالمقدار نفسه، ومن خلال استقراء المشهد الإنساني كله، في شرق الأرض وغربها، وجنوبا وشمالها، أن كل محاولات التقدم باءت بالفشل؛ ما لم تكن محاولات مقرونة بالتماهي مع مجمل منظومة الحضارة الغربية التي ليست مجرد "تطورات تقنية"، بل هي كذلك، ولكن بالدرجة الأساس، هي تطوير وتوسيع "عالم الإنسان"، أي الإنسان بحرياته وحقوقه وكرامته؛ ليكون إنسانا بأكمل ما يمكن من كمالات الإنسان.
هكذا، يبدو التغريب (الذي هو استلهام حيوي، فاعل ومبدع، لنموذج غربي أثبت نجاعته على وجه استثنائي) سهلا يسيرا في الظاهر، ولكنه ـ في سياق الظروف، والممانعات، ومعوقات التصورات المسبقة ـ صعب ممتنع. فقبل الانخراط في مسيرة التغريب، وفي أثنائها، ثمة ما يجب إصلاحه، ما يجب تغييره، في عالم الواقع؛ كما في عالم التصورات. وهذا المتغير الذي هو شرط التغريب؛ كما هو شرط نجاعته، هو ما يجعل التغريب ليس خيارا متاحا، ليس خيارا سهلا؛ خاصة وأن التغريب الذي نقصده، التغريب الذي نتغيّاه، ليس استلهام مظاهر الحياة الغربية، بل هو استلهام جوهر تصوراتها ونظمها وتجاربها المثمرة؛ مقرونة بتفاعل ـ له طابع الجدل؛ كما له طابع الاشتراط كضرورة لإمكان هذا التفاعل ـ مع الخاص الواقعي والخاص الثقافي.

