A Syrian Kurdish woman chants slogans during a demonstration in front of a US base in the countryside of the Hasakeh province,…
تظاهرة في ريف الحسكة رفضا للتدخل العسكري التركي في الشمال السوري

يشكل الموقف من حالة شرق الفرات منصة سياسية واسعة، تجمع نظام بشار الأسد بكتلة واسعة من معارضيه. يتفق الطرفان على التعامل الصفري والرفض المُطلق لكل ما يجري في تلك المنطقة، لكل ما تمارسه وتفعله القوى السياسية والإدارة الذاتية والفعاليات المدنية والمجتمعية هناك. يحصل ذلك، على الرغم من حجم التناقضات الهائلة بين الطرفين، أي الأسد ومعارضيه، المتصارعين على كل شيء، لكن المتطابقين تماما على ترسانة ضخمة من التشكيك والوعيد والتخوين والاتهامات لتلك المنطقة، لحكامها وقواها السياسية والمدنية، وحتى مجتمعاتها.

صحيح، يمكن توجيه أقسى أشكال النقد لنوعية السلطة وطريقة إدارة الأحوال العامة في تلك المنطقة، بما في ذلك اتهامها بارتكاب تجاوزات واضحة في ملفات حقوق الإنسان وغياب الحياة الديمقراطية، بالرغم من أفضلية الحياة العامة فيها نسبيا عن باقي المناطق السورية، من العيش في ظلال فظائع الجيش والأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري، أو نموذج الحُكم القروسطي في مناطق سيطرة التنظيمات الجهادية، أو العصابات المسلحة في مناطق الاحتلال التركية. لكن طبيعة تعامل الأسد ومعارضيه مع كل شيء في تلك المنطقة لا تنتمي لذلك العالم النسبي من النقد والتشريح والشجب لنمط السياسات والسلوكيات هناك، بل تتمظهر في نزعات وخطابات من الطهرانيات المزيفة، عبر النكران المطلق لحالة تلك المنطقة، وما فيها ومن فيها. شيء يجمع مواقف الأنظمة الشمولية العسكرية تجاه معارضيهم، مع الكثير من خطابات رجال الدين المتطرفين تجاه من يعتبرونهم أعداءهم "الملوثين"، عبر إصباغهم بكامل سمات "الشرّ المطلق". وهو خطابات عادة ما تكون العتبة الأولية لعمليات السحق والإبادة، المادية والرمزية.

♦♦♦

مثلا، في أواسط شهر يونيو المنصرم، أُعلن عن اتفاق سياسي مبدئي بين المجلس الوطني الكردي السوري، ومجموعة من الأحزاب السياسية المنخرطة في العملية السياسية في منطقة شرق الفرات، بما فيها حزب الاتحاد الديمقراطي "الكردي"، الذي يُعتبر الواجهة السياسية للإدارة الذاتية في شرق الفرات.

وقتها، هاجت موجة هائلة من الاتهامات، إذ أجمع نظام الأسد والمعارضة، بالذات الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، على أن هذا الإعلان بين القوى الكردية إنما هو تحاصص سياسي واقتصادي لخيرات وثروات تلك المنطقة فيما بينها، وأنها خطوة نحو استقلال/انفصال تلك المنطقة عن سوريا!

حدث ذلك في وقت لم يكن ذلك التوافق يتضمن أي شيء من ذلك القبيل، بل كان يتمحور حول إمكانية وتفاصيل اجتراح مرجعية سياسية تمثل كل الأكراد السوريين.

يسعى التناقض الإقليمي الذي يعمل نظام الأسد ومعارضوه لصالحه إلى تعظيم معاداة حالة شرق الفرات

تأتى رفض نظام الأسد ومعارضيه لذلك الاتفاق بعد سنوات من الادعاءات والاتهامات التي وجهها الطرفان للإدارة الذاتية هناك، من كونها لا تمثل جميع الأكراد السوريين، بالذات منهم المجلس الوطني الكردي السوري! حيث كانوا يوحون بأن هذا المجلس هو الممثل السياسي "الحقيقي" لأكراد سوريا، لكن حينما توافق الطرفان الكُرديان، وظهرت ملامح إمكانية اعتراف المجلس الكردي بالحالة السياسية في شرق الفرات، صار الجميع متهما بالسعي لـ"اقتطاع جزء من سوريا"! في تطابق مع الديباجة الاتهامية التي ظلت محاكم الشمولية الأسدية تطلقها على معارضيها الأكراد، لقرابة نصف قرن!

بعد أربعين يوما بالتمام من ذلك التوافق السياسي الكردي المبدئي، أعلن المجلس الوطني الكردي مع المنظمة الآثورية/الآشورية الديمقراطية وتيار الغد السوري "العربي" عن تأسيس "جبهة السلام والحرية". ضم البيان التأسيسي لذلك التحالف السياسي مجموعة من المبادئ العامة، متمركزة حول حتمية الاعتراف بالتنوع الإثني واللغوي والسياسي في سوريا، فصدرت ضدها موجهة رفض إطلاقي، من الأسد ومعارضيه، مطابقة لما جرى في الحالة الأولى، بما حوته من تقريع وتهديد وتشكيك واتهام.

صدرت تلك الاتهامات بالرغم من أن التحالف السياسي الحديث هذا يعارض حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الجهة السياسية الحاكمة للإدارة الذاتية في شرق الفرات، وبالرغم من كون أن عضوين تأسيسيين من هذا التحالف، من أصل ثلاثة، هم أعضاء فاعلون في الائتلاف الوطني السوري المعارض، ومن الهيئة السورية العليا للمفاوضات. لكن ذلك لم يكن يعني للمعترضين على الجبهة شيئا، طالما أن هذه الجبهة لا ترفض الإدارة الذاتية في شرق الفرات مطلقا، مثلما يفعل نظام الأسد ومعارضوه.

حدث الأمر نفسه بُعيد الاتفاق النفطي الذي وقعته إدارة شرق الفرات مع شركة نفطية أميركية قبل أيام قليلة، والذي يهدف إلى تلبية حاجات تلك المنطقة من المشتقات النفطية، إذ صدر عن نظام الأسد ومعارضوه نفس الكتلة من النعوت الاتهامية وأشكال الوعيد والتهديد!

هذا أمر يحدث منذ أن تأسست الحالة السياسية هناك، وسيقبى يحدث، أيا كانت الأحداث والتحولات في منطقة شرق الفرات.

♦♦♦

يمكن ردّ وتفسير ذلك الاجماع إلى أربعة مستويات تحليلية، تتمركز كلها حول الهوية السياسية والأيديولوجية الأعمق التي تجمع نظام الأسد بمعارضيه.

إذ بينما يتصارع نظام الأسد والمعارضة على سلطة حُكم البلاد، فإن منطقة شرق الفرات تشكل تحديا رئيسيا لطبيعة الدولة السورية مستقبلا، بطبيعتها اللامركزية وشكل توزيع القوة والثروة بين الجهويات، لكن أولا الهوية القومية للبلاد. حيث ثمة إجماع بين نظام الأسد ومعارضيه لأن تكون أية دولة سورية مستقبلية شديدة المركزية، سياسيا بالذات، وأن تكون ثروات المنطقة الشمالية الشرقية من البلاد، وهي كثيرة، بيد النخبة الحاكمة في المدن المركزية، وأن لا تتمتع الأطراف بأية سلطات حقيقية خارج هيمنة تلك النخبة مستقبلا، وهي قضايا تتحطم موضوعيا أمام أي اعتراف، ولو رمزي، من الطرفين تجاه حالة شرق الفرات.

ظهر ذلك جليا وأوليا من الشهور الأولى للثورة السورية، حينما أجمع النظام ومعارضوه على الحفاظ على تسمية "الجمهورية العربية السورية" كسمة رسمية مستقبلية للكيان، وهو أمر وإن كان رمزيا، لكنه كان وما يزال يقول أكثر من نصف ما يكنه الطرفان تجاه حالة مثل شرق الفرات، وتجاه ما يرونه من تفاصيل عن سوريا المستقبل.

إلى جنبات ذلك، فإن نظام الأسد البعثي، في بنيته الأيديولوجية والخطابية، يطابق معارضيه في نزعتهم العروبية السياسية والهوياتية المطلقة، وإن كان هؤلاء يمزوجون العروبة الهوياتية بنزعة طائفية سُنية، مثلما يمزجها الأسد بروح تحالف الأقليات.

تفعل تلك المطابقة أمرا أوليا ودائما، هو الرفض المطلق لأية شراكة حقيقية من نظراء/شركاء من غير العرب، مثلما تُتهم الحالة في شرق الفرات بأنها حالة كردية خالصة، مناهضة للإجماع المتخيل بين الطرفين، لجهة أن سوريا كيان عربي مطلق، بالجغرافيا والتاريخ والمجتمع.

فلو كانت حالة شرق الفرات غير مصبوغة بالهوية السياسية الكردية، لكان الأسد ومعارضيه أقل مرونة وسلاسة في التعامل معها، ولقبلوا على الأقل تفاوضا، ولو شكليا، معها، مثلما يفعلون مع بعضهم البعض. إذ بالرغم من الاتهامات المتبادلة فيما بينهم بارتكاب مجازر بعشرات الآلاف من المدنيين، يجلسون في المحصلة على طاولة مفاوضة واحدة!

يسعى التناقض الإقليمي الذي يعمل نظام الأسد ومعارضوه لصالحه إلى تعظيم معاداة حالة شرق الفرات.

أجمع نظام الأسد ومعارضوه، بالذات الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، على أن هذا الإعلان بين القوى الكردية إنما هو تحاصص سياسي واقتصادي

فبينما يلبي الأسد سياسات إقليمية إيرانية تملك عدوانية تجاه أية تدخلات أميركية، أو حتى محلية، تشكل عائقا لتطلعاتها بالهيمنة المطلقة على سلسلة من بلدان المنطقة، وكل تلك الشروط محققة في حالة شرق الفرات، فإن المعارضين يلبون وسواسا قهريا سياسيا تركيا، مرعوبا من نمو وتطور أية حالة سياسية كردية، في أية بقعة من العالم، فكيف على امتداد أطول حدود برية لها، وبالقرب من أكرادها المقهورين.

بين ثنايا كل ذلك، ثمة حسابات سلطوية خاصة تجمع الطرفين، ترى في حالة شرق الفرات طرفا سياسيا وندا اقتصاديا وأمنيا، تملك كل أدوات القوة الموضوعية التي يُستحال احتوائها مستقبلا، بالذات فيما لو نالت اعترافا سياسيا وموقعا دستوريا.

فإلى جانب كمية الثروات الباطنية والزراعية الكبيرة التي في تلك المنطقة، فإن القائمين عليها أظهروا قابلية ومهارة معقولة لإدارة الحياة البيروقراطية والاقتصادية هناك. لكن أولا لأنها المنطقة والحالة السورية الوحيدة التي نالت "رضا" وتفاعلا وشرعية من القوى العالمية، حيث مالت الكثير منها إلى اعتبارها النموذج الذي يجب أن يُقتدى به سورياً في المستقبل المنظور. وهي كلها عوامل تدفع نحو الكثير من التشدد في التعامل مع تلك المنطقة، باعتبارها "شريكا مزعجا".

يفسر ذلك التحولات التي طرأت على موقف الأسد ومعارضيه، حينما بدلوا اعترافا خجولا بالقوة والحالة السياسية في تلك المنطقة خلال السنة الأولى من عمر الثورة السورية عام 2011، حينما كانوا يعتقدون بأنها حالة هشة وطارئة، يمكن احتواءها وتفكيكها فيما بعد، إلى نبذ ورفض مطلق فيما بعد، خصوصا بعد العام 2015، حينما صارت الحالة هناك تملك كل أسباب القوة بعد مرحلة التدخل الأميركية.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.