هناك الكثير مما يمكن تثبيته على روزنامة الشهور والأيام، كتأريخ لأحداث مرت على العالم العربي لا يمكن نسيانها، وقد لا أبالغ إن قلت إن كل يوم يمكن أن تضع عليه إصبعك عشوائيا فوق الروزنامة يمكن أن يؤرخ لحدث ما (غالبا مؤسف ومخيب) في تاريخ العالم العربي الحديث.
أنا من محبي التاريخ، لكن ذاكرتي سيئة جدا بالأرقام وتحديد الأيام والشهور، ومع ذلك فإنني أحفظ تاريخ الثاني من أغسطس كحالة مثبتة في تاريخي الشخصي والوجداني كنقطة فارقة لها ما قبلها، وعليها ما بعدها.
أنا من ذلك الجيل الذي ورث جيل النكسة (بطولة النجم القومي الكبير جمال عبدالناصر)، وجيلي فعليا هو جيل "أم النكسات" التي استطاعت أن تكون وبحق المورث الجيني لكل الخيبات حتى تاريخه، وبطل "أم النكسات" هو صدام حسين، طاغية العراق الأسبق، وهنا ليس من حيلة لغوية، فهو الطاغية الأسبق فعلا لمن تبعه حتى اليوم، وقد سبق من سبقوه بالاستبداد.
ليس مطلوبا من المواطن أن يموت ليحيا الوطن، المطلوب منه أن يحيا ويعيش مواطنته بكامل أهليتها لتعيش الدولة
أنا من ذلك الجيل (ولا أزكي نفسي أبدا بل أسعى لتطهيرها يوميا)، الذي ارتفعت نسبة الأدرنالين في دمه مستمعا إلى خطابات "السيد الرئيس حفظه الله ورعاه" عبر الإذاعات والتلفزة، وهو يقفل كل خطاب بلازمته الشهيرة "فليخسأ الخاسئون.. ويا محلى النصر بعون الله".
فعليا وعلى أرض الواقع، كنا نحن الذين نخسأ بجهلنا، أما الله، فقد استبدلنا قدسيته دوما بصنم يمثله، هو ظله على الأرض، هو الرمز المقدس مطلق الهيبة والجلال، هو المميت بإشارة من حاجبه، والمحيي إن رضي ساعة يشاء.
♦♦♦
مشكلتنا في العالم العربي أننا نتمسك بمفاهيم الوهم التي تشبه قبض يد على رمل، ونرفض دوما مواجهة أنفسنا بخيباتنا.
ما معنى البوابة الشرقية للعالم العربي؟ هل يمكن ـ بلا مؤاخذة من المتشنجين جدا للوطن العربي الواحد ـ أن يفسر لي واقعيا وعمليا وفعليا مفهوم "العالم العربي" في قاموس الدول العصرية ومفاهيم العلاقات الدولية؟
نحن فعليا أمام منظومات إقليمية، وهي غير ثابتة بدورها ولا متجانسة بسياساتها أو متفقة المصالح بالتوافق التام.
هل يمكن القول إن منظومة دول الخليج متفاهمة حد التجانس السياسي التام؟ هل منظومة بلاد الشام منظومة دول قادرة على تشكيل حلف سياسي بالحد الأدنى من التوافق؟ قس كل الأسئلة على شمال أفريقيا، المغرب العربي الكبير! حدث ولا حرج.
طيب.. والحال "الإقليمي" كذلك، والعالم العربي ليس أكثر من أمنية تتجسد في جمل مواضيع التعبير والإنشاء والخطب الأفيونية، فهل نحن إذن أمام واقع دول تبحث عن مصالحها "الوطنية" بمقياس مصالح شعوبها؟
هذا سؤال يتطلب سؤالا لاحقا: هل يدرك العربي الفرق بين العيش في "وطن" والحياة في "دولة"؟
ما الفرق بين شخص "وطني" وإنسان "مواطن"؟ ما حجم الهوة بين المفهومين مثلا؟
ما الذي يمكن أن يقدمه "وطن" ليس فيه دولة مؤسسات وقانون لمن هم في تابعيته؟ لكن فيه قائد واحد أوحد يؤمن "من هم في تابعيته" أنه قادر وحده على أن يفكر عنهم جميعا، وهو الوحيد الأقدر على معرفة مصالح المجتمع كله برؤيته فقط، هل يمكن تسمية أي من هذه التابعية لهذا الزعيم في ذلك الوطن بمفردة "مواطن"؟
المواطنة، ألا تعني حقوقا يقابلها واجبات، وتلك معادلة لا يحفظها إلا منظومة قوانين وتشريعات يشرعها المجتمع نفسه ضمن نطاق احتياجاته، وتحت مظلة دستور ينظم علاقة الجميع؟
أليست فكرة الدولة كمفهوم حاضن للمواطنة بكل ما تحويه من مفاهيم هي الأكثر فاعلية وواقعية من فكرة "وطن" نفتديه بأرواحنا ودمائنا، وهي تضحية لا يقرر زمانها ومكانها إلا القائد ذو الرؤية السامية وهو الوحيد والأوحد وبديل المؤسسات والقوانين والأنظمة والدستور، لا شريك له وحفظه الله ورعاه.
♦♦♦
في كل ثاني يوم من أغسطس، أفكر بذات القصة وأطرح على نفسي ذات الأسئلة، لا أحصر القصة في غزو العراق للكويت، ولا في شخص صدام حسين فأراه الطاغية الوحيد، كلهم طغاة في المحصلة.
لكن لأن الثاني من أغسطس، تجربة شخصية، تجربة شملت جيلا أو جيلين، ولا تزال تكرر نفسها بمفارقات أكثر تهريجا وسخرية.
هناك من يرفعون صورة صدام حسين كبطل أمة (أي أمة بالضبط؟)، ولا يترددون في رؤية إردوغان كأمل للأمة (أي أمة بالضبط؟).
هناك من يحتفلون بذكرى هزيمة 1967 البشعة والغبية برفع صور "القائد الخالد" الذي قاد الهزيمة بنفسه، وأعلن مسؤوليته عنها بنفسه، وتنحى لأنه مهزوم بنفسه، فقامت الجماهير لتنصبه بطل الأمة (مرة أخرى.. أي أمة نتحدث عنها هنا بالضبط؟).
مشكلتنا في العالم العربي أننا نتمسك بمفاهيم الوهم التي تشبه قبض يد على رمل، ونرفض دوما مواجهة أنفسنا بخيباتنا
في أدبيات الإنشاء الوطني، هناك دوما وطن نفتديه بأرواحنا.. بدمائنا. فنموت، نموت (مرتين) ليحيا الوطن!
طبعا، هذا البذل والفداء والتضحية ثم "نموت نموت" ليحيا الوطن لا يقرره إلا القائد الأوحد، ذلك الذي يفهم ويعرف ويقرر عن الجميع متى يموتون، ليحيا الوطن، ويحيا هو بالمعية مع هذا الوطن.
الدولة تموت.. وتحيا، يمكن فهم ذلك، لأنها مؤسسات وقوانين وأنظمة تعمل لخدمة "مواطن" له حقوقه وعليه واجباته، وليس مطلوبا منه أن يموت ليحيا الوطن، المطلوب منه أن يحيا ويعيش مواطنته بكامل أهليتها لتعيش الدولة.
♦♦♦
في الثاني من أغسطس عام 1990، كنت مثل غالبية جيلي، نؤمن حد الهبل بالوطن، الذي قادتنا وهميته إلى تصديق كذبة "الوطن العربي الواحد"، ولأننا صدقنا فكرة "الوطن" التي تغلبت على فكرة الدولة والمؤسسات والقانون، صدقنا من أقسموا أنهم رأوا "صدام حسين" على وجه القمر.
في الثاني من أغسطس، كان الزعيم الأوحد الذي يفكر بالنيابة عن ملايين من العراقيين، قد قرر أن الوطن العراقي "لا الدولة" لديها القدرة على ابتلاع أي جغرافيا ممكنة، فالوطن قابل للتوسع على مقياس حلم القائد.
في ذلك اليوم، ابتلع "الوطن الموهوم" بحماقة قائده الواهم، دولة مؤسسات وقانون محترمة.. اسمها "الكويت".
وحتى اليوم، فإن التاريخ في عالمنا العربي ليس أكثر من دورة فأر على دولاب دوار.

