Leo, aged 6, navigates online learning resources provided by his infant school in the village of Marsden, near Huddersfield,…
إغلاق المدارس كان الإجراء الذي ترك الأثر الأكبر على الأطفال

اجتمعت قبل أيام لجنة الطوارئ في منظمة الصحة العالمية لتقويم وضع جائحة كوفيد-19، وأعلنت أن "آثار هذه الجائحة التي تأتي مرة في كل قرن ستستمر لعقود مقبلة"، أي أن هذا المرض الذي أدى حتى الآن إلى إصابة أكثر من 18 مليون إنسان ووفاة 700 ألف منهم ما زال من المبكّر تحديد موعد لنهايته. في هذه الحالة يجب أن تتركّز الجهود خلال المرحلة المقبلة على مواجهة الآثار الاجتماعية والاقتصادية للوباء والتي شملت كافة شرائح المجتمع وبشكل خاص الأطفال نتيجة انعكاساته على حياتهم وصحتهم النفسية.

فلأول مرة منذ عدة عقود انخفض بشكل كبير عدد الأطفال الذين أكملوا لقاحاتهم نتيجة ما فرضه الوباء من إغلاق وحجر مما قد يعرّض الأطفال لخطر الإصابة بأمراض أكثر خطورة من كورونا. وقالت منظمة اليونيسيف إن عشرات الدول قد أبلغت عن زيادة في عدد حوادث العنف الاجتماعي ضمن الأسرة والتي عادة ما يكون أغلب ضحاياها من النساء والأطفال. 

كذلك، شهدت عمليات التحرش بالأطفال عبر الإنترنت ارتفاعا كبيرا، ففي الدانمارك مثلا تضاعفت محاولات الدخول إلى مواقع التحرش بالأطفال ثلاث مرات، ويعزى ذلك إلى انخفاض في إغلاق المواقع المسيئة نتيجة تراجع عدد الموظفين العاملين في "الخطوط الساخنة" لشركات الإنترنت نتيجة كورونا، ولأن الأطفال أصبحوا يقضون وقتا أطول على الإنترنت.

ولكن إغلاق المدارس كان الإجراء الذي ترك الأثر الأكبر على الأطفال، فحتى نهاية مارس الماضي كان 1.6 مليار طفل أي ما يعادل 80 في المئة من عدد طلاب العالم قد تم حرمانهم من المدارس نتيجة هذه الجائحة، وكانوا موزعين على 161 دولة، وبعد عدّة أشهر ارتفع عدد هذه الدول إلى 191 أي أغلبية دول العالم، وترافق ذلك مع توقف النشاطات الرياضية والفعاليات الاجتماعية والاحتفالات التي كانت تتيح للأطفال اللقاء والتعارف والتنافس في مناخ سعيد وصحّي.

المدرسة هي المكان الرئيسي لبناء الصداقات بين الأطفال، فإنها تزرع فيهم ثقافة الاستماع وانتظار الوقت المناسب للكلام

وبالنتيجة تم حجر الأطفال في منازلهم، وفي المجتمعات الحديثة لم تعد الأسر تحوي أكثر من طفل واحد وحتى في حال وجود طفلين فإن هذا غير كافي للتعويض عن غياب الأصدقاء، خصوصا إذا كان فارق السن بين الشقيقين كبيرا، فالفائدة النفسية المثلى للصداقة بين الأطفال في الأعمار المبكرة تتطلب أن يكون فرق العمر بين الطفلين أقل من سنتين، كما أن الوالدين لوحدهما لا يستطيعان التخفيف من شعور الطفل بالوحدة؛ من دون أن ننسى أن بعضهم يعمل من المنزل نتيجة كورونا أي لا يملك الكثير من الوقت لطفله، كما أن أجواء المنازل لم تعد في كثير من الأحيان صحيّة لأن الأهل محتجزون بالمنازل أيضا بسبب الوباء وتراجع دخل الكثير منهم وأوضاعهم النفسية لم تعد بأحسن حالاتها، ولم يبقى أمام الطفل سوى أن يقضي الجزء الأكبر من وقته بين التلفزيون والهاتف المحمول والألعاب الإلكترونية.

ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك لارتفاع حالات الاكتئاب وتقلبات المزاج والقلق واضطرابات الأكل و"نقص الانتباه وفرط النشاط، إي دي إتش دي" وهو أكثر الاضطرابات النفسية انتشارا في البلدان المتطورة، ويتظاهر بصعوبة في التركيز مع اندفاع في النشاط، ورغم أن سببه ما زال مجهولا لكن بعض النظريات ترجعه إلى عوامل بيئية أو وراثية أو غذائية بالإضافة إلى الظروف الاجتماعية، كما أن هناك تباين في تصنيفه وفي تحديد من هو السوي ومن غير السوي بين المجتمعات المختلفة وعند الآباء والمعلمين والأطباء.

ورغم أن مظاهر المرض مثل فرط حركة الطفل أو نقص تركيزه كانت معروفة سابقا، ولكن وضعها ضمن تصنيف مرضي واحد يربط فرط النشاط مع نقص الانتباه بدأ متأخرا في سبعينيات القرن الماضي، واكتمل عام 1994 حين اعتمدت الولايات المتحدة تسمية "نقص الانتباه وفرط النشاط" للتعريف بهذا الاضطراب، ومنذ السبعينيات حتى أواخر التسعينيات زادت معدلات تشخيص هذا المرض في بريطانيا من 0.5 في الألف إلى 3 في الألف، بينما ارتفعت في الولايات المتحدة من 12 في الألف في السبعينيات إلى 34 في الألف في التسعينيات، وما زال عدد المرضى في ازدياد حتى بلغ في الولايات المتحدة 10.5 مليون، بينهم 9.4 في المئة من الأطفال بين عمر 2 و17 عاما، وهذه المعدلات المرتفعة أعلى من تلك المشاهدة في الشرق الأوسط، ويمكن إرجاع هذا التفاوت إلى اختلاف التركيبة الاجتماعية بين المنطقتين، حيث ينمو الطفل في الشرق ضمن محيط واسع من الأقرباء وأبناء الحي والقرية حيث يستطيع اختيار أصدقاء منهم بسهولة بخلاف الطفل في المجتمعات الغربية الذي ينمو بمحيط أضيق وصداقات أقل.

ومن الطبيعي أن تزيد عزلة كورونا من الشكايات النفسية للأطفال لأنها ستمنع الطفل من بناء شبكة اجتماعية داعمة من الأصدقاء، وصداقة الطفولة رغم أن بدايتها قد تقتصر على الاشتراك في لعبة، لكنها علاقة نقية غنية بالمشاعر ويساعد على نموها إحساس الطفل بالحرية في التعبير عن نفسه أمام صديقه والتواصل معه بتلقائية تجعله يشتاق لرؤيته ويحزن لفراقه، كما أنها تنمي شخصيته وتساعده في التغلب على الخجل وعلى مشاكل الكلام، كما تعلمه معنى الحوار والتعاون والعمل الجماعي والتسامح والمشاركة في الأسرار وتنمي روح المنافسة الإيجابية وبالنتيجة تقوّي ثقة الطفل بنفسه.

في دول العالم الثالث فيجب أخذ عبرة من هذه الجائحة، والعمل على توسيع قاعات التدريس وتحسين تهويتها وتخفيض أعداد الطلاب فيها ومراعاة كافة النواحي الصحية

وبالإضافة إلى أن المدرسة هي المكان الرئيسي لبناء الصداقات بين الأطفال، فإنها تزرع فيهم ثقافة الاستماع وانتظار الوقت المناسب للكلام وتساعد الطفل على تفريغ شحنات الطاقة الزائدة لديه وتزيد من تحكّمه بالانفعال وتخفف من العنف الذي يرافق أحيانا بعض الاضطرابات النفسية، وطبعا هي المكان الرئيسي الذي يحصل فيه الطفل على المعرفة والمعلومات المتنوعة من مصادر موثوقة وبطريقة تبسيطية تعليمية محترفة بما يغذي عقله، كما تساعد المدرسة في اكتشاف وتنمية مهارات ومواهب الأطفال، وفيها مساحات واسعة تحتوي ملاعب تفيد الطفل صحيا وتقوّي من مناعته.

ونتيجة الأهمية الصحية والنفسية والتعليمية للمدارس فمن الأفضل الدفع باتجاه إعادة افتتاحها بأقرب فرصة ممكنة، لأنه من الصعب التعويض عن ما تقدمه للطفل، خصوصا أن التعليم عن بعد يتطلب وجود مستوى اقتصادي مقبول يمتلك فيه أفراد الأسرة أجهزة كومبيوتر كافية، مع توفّر شبكة إنترنت حديثة وأن يكون الآباء بمستوى تعليمي مقبول لمتابعة تعليم ابنهم في المنزل، وهذا لا يتوفر في الكثير من دول العالم، وحتى لو توفر كل ذلك فإنه لن يعوّض عن الجوانب النفسية والصحية التي تقدمها المدرسة، كما أن التعليم عن بعد لا يشمل مراحل ما قبل التعليم الابتدائي ودور الحضانة التي لها أهمية كبرى للنمو السليم للأطفال خاصة في دول العالم المتطورة التي لا توجد فيها شبكة علاقات اجتماعية واسعة.

أما في دول العالم الثالث فيجب أخذ عبرة من هذه الجائحة، والعمل على توسيع قاعات التدريس وتحسين تهويتها وتخفيض أعداد الطلاب فيها ومراعاة كافة النواحي الصحية بدل حشر 50 طالب في قاعة واحدة كما يحصل في الكثير من مدارس الشرق الأوسط، وبانتظار افتتاح المدارس على الأهل إدراك أهمية الصداقة بالنسبة لطفلهم، والبحث عن أطفال في مثل عمره واختيار من يتركون عنده تأثيرا إيجابيا عندما يلتقيهم، وبناء علاقات اجتماعية جديدة ترتكز على صداقات وانسجام ومصلحة الأطفال، بديلا عن الواقع الحالي الذي يتصادق فيه الكبار ويفرضون على أطفالهم التأقلم مع أبناء أصدقائهم، إذ يبدو حتى الآن أن العودة إلى الحياة كما كانت قبل كورونا غير وارد على المدى القريب.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.