Egyptian demonstrators gather in Tahrir Square in Cairo, on January 30, 2011, on the sixth day of protests against long term…
تظاهرات يناير 2011 في القاهرة

اقرأ الجزء الأول

الخلاف حول التاريخ هو ابتداءً سجال حول الهوية بل هو تحدٍ لميزان القوة القائم ودعوة إلى تعديله. والمراجعات التاريخية، أي رفض السرديات السائدة والمطالبة باعتماد أخرى أكثر إنصافا من وجهة نظر الداعين إليها، هي مواقف سياسية بقدر ما هي إعادات اعتبار فكرية. 

وعليه، فإن المحيط العربي، بما هو عليه منذ قرن كامل ويزيد من مخاض سياسي، ومن توالي للسرديات الكبرى، كان ولا يزال ساحة مفتوحة للمراجعات التاريخية. غير أن حصيلة هذه المراجعات هزيلة جدا، ووهنها أكثر جلاءً حين تقارن بما تعيشه مجتمعات أخرى. كما الولايات المتحدة اليوم.

تشهد الولايات المتحدة إعادة نظر بالسردية التي جعلت السعي إلى الحرية الأساس المحرك لتاريخها، لتطرح في المجال الفكري العام مقولة أن الاستعباد هو العامل المؤسس لتجربة العالم الجديد. ولا شك أن لهذا الطرح طابعا صادما لما ينضوي عليه من انقلاب على المسلمات الفكرية السائدة في الولايات المتحدة نفسها، وإن كان تداوله السابق في الهامش الفكري قد تسبب بأصداء له عالميا ليرتقي في الخطابيات المعادية عالميا، وإن من باب الوهم، إلى موقع الثابت. هي، أميركيا، المراجعة الأعمق والأكثر خطورة، بما تعمّمه من طعن بالصيغة التاريخية التي كانت قد ارتقت إلى مقام القداسة، والتي تبجّل الدستور الذي وضعه الآباء المؤسسون فتجعل منه أقرب إلى النصّ الملهم الذي أخرجه إلى الوجود عمالقة يكادون أن يكونوا معصومين.

رغم ادعاء التأطير الفكري، لا تستطيع أية من السرديات الكبرى في المحيط العربي زعم الانتقال من مصاف التعبئة السياسية إلى مستوى المراجعة التاريخية

فالسجال إلى أمس قريب كان بين قراءة تعتبر أن الولايات المتحدة جاءت لحظة نشأتها كجمهورية مستقلة، تجسيدا متحققا لقيم الأنوار، الحياة والحرية وطلب السعادة، وإن اعترتها شوائب تم تذليل معظمها، والسير متواصل لإتمام المهمة، وبين قراءة معارضة ترى أن الولايات المتحدة قد اعتنقت قيم الأنوار هذه، ولكنها كانت قاصرة في أن تعيشها إلى حدّ التناقض، وتاريخها هو بالتالي سجلّ تدرجها في ارتقائها المتواصل إلى التوفيق بين القيم النظرية والممارسة التطبيقية.

أما التحدي الحاصل اليوم، فهو القول بأن العلاقة مع قيم الأنوار ليست الأصل والأساس، وإن قدّمت للدولة والمجتمع الناشئين الغطاء العقائدي، بل إن الاستعباد والاستغلال وتجاوز حقوق السكان الأصليين والمستعبدين هي مكوّنات هذه التجربة.

هي مراجعة انقلابية خطيرة، تتجاوز في حجم تحديها للصورة الذاتية في الولايات المتحدة كافة ما شهدته البلاد على مدى ربع الألفية من وجودها.

أما في السياق العربي، فإن القرن الماضي شهد أربع مساءلات كان من شأن كل منها أن تبلغ في خطورتها مستوى ما تشهده الولايات المتحدة اليوم. الأولى كانت حول الانحطاط والحداثة، الثانية حول الاستعمار والوحدة القومية، الثالثة حول الرجعية والعدالة الاجتماعية، والرابعة حول الغزو الحضاري ودولة الأصالة الدينية.

ورغم أن دعاة الدولة الدينية، كما خصومهم، ينطلقون من المقولة المحصّنة لديهم، والواهمة لدى غيرهم، بأن قراءتهم للواقع هي الحقيقة الجلية وأن سعى الأعداء إلى نفيها وتشتيتها، فإن المساءلات السابقة، في المراحل المتتالية على مدى القرن الماضي، كانت قد صاحبتها كذلك القناعات القطعية حول مركزيتها، وكانت كل سردية ترى في سائر الأوجه التي تلقفتها السرديات الأخرى ظواهر عرضية، في مقابل الصلب الجوهري الذي تلتزمه هي للوجه الذي تعتنقه.

فالأصل لدى دعاة الدولة الدينية هو الدين والتقوى والطاعة والأمر الإلهي، بالاقتراب منها النعمة والنجاة، وبالابتعاد عنها اللعنة والضياع. أما الرابطة القومية والعدالة الاجتماعية والنظم الحداثية، فزيغ وتشتيت وتحريف.

المحيط العربي شهد في قرن وحسب أضعاف هذا التحدي، دون أن يتمكن أي بديل من البدائل العربية المطروحة فرض نفسه كمضمون فاعل ومؤثر في السعي إلى التصحيح

ولكن الأصل لدى أصحاب التوجهات القومية، وإن أفل حضورهم اليوم، هو الشخصية الحضارية التي يعمل الآخر الخارجي المعتدي، كما الآخر الداخلي العميل، على تجزئتها وهدمها، وما الدين إلا أحد تجلياتها، فيما اعتبارات العدالة الاجتماعية والحداثة مسائل تابعة مشتقة من شأنها بأن تنتظم على أساس التكافل يوم يحقق المجتمع القومي وحدته وهويته.

ليس الأمر كذلك لدى اليسار، بل الاقتصاد هو المنطلق والغاية، فطمع أصحاب القوة والنفوذ يعترض الاكتفاء الذي يسعى إليه غير المقتدرين، والاستيلاء على الموارد هو صانع التاريخ، وما عدا ذلك تمويه وتضليل في غالبه، والوعي الطبقي هو السبيل إلى رفع الإساءة.

كل هذا، من وجهة نظر من رأى نور الحداثة، هو نتيجة الظلام الذي يعاني منه من لم يصل إليه إشعاع هذا النور. أي أن تحرير الفكر هو الشرط الأول للتطور، والعقبة أمام التقدم هو التغشية باسم الدين أو الهوية القومية والحضارية أو الشعبوية، وعدم الإقرار بالمقام الأعلى لقيمة الحرية تحديدا.

أي أنه إذا كانت الولايات المتحدة تعيش تحديا واحدا مستجدا لسرديتها الكبرى، فإن المحيط العربي قد شهد في قرن وحسب أضعاف هذا التحدي، دون أن يتمكن أي بديل من البدائل العربية المطروحة فرض نفسه كمضمون فاعل ومؤثر في السعي إلى التصحيح. وربما أن ما عاشه المحيط العربي عام 2011 من "ربيع" يشهد على هذا الالتباس، بعد أن تناتشت توقعات نجاحه السرديات المتنافسة، حداثية قومية طبقية دينية، قبل أن يحصد معظم ثماره النظام السلطوي الأبوي المتجدد، وإن إلى حين.

المقاومة لمسعى المراجعة في الولايات المتحدة شديدة، والعواقب لا تزال مبهمة، بل هي مفتوحة على الانحدار إلى المواجهات الهدامة بقدر ما هو فرصة للتقدم البناء. ولكن، دون شك، فإن مسعى المراجعة قد فرض الحديث في المعترك الفكري العام حول قضايا وأوجه تطال صلب الهوية والتاريخ والصورة الذاتية والقناعة المجتمعية المشتركة. أما الحصيلة على مدى المحيط العربي، وبعد قرن كامل من التحديات الثورية، فهي أنه من الصعب تبيّن التقدم، ليس في النتائج العملية وحسب، بل في اشتراك المجتمعات المعنية باعتبار القضايا المطروحة.

القرن نفسه، والذي ابتدأ في الولايات المتحدة بـ "الغزوة" التي شهدتها مدنية تالسا في ولاية أوكلاهوما، عام 1921، إذ جرى الاعتداء والحرق والتدمير لما حقّقه المجتمع "الأسود" فيها من نجاح، ثم طمس الجريمة، والمحافظة على مقولة "الفشل الأسود" بحكم الطبيعة، انتهى بفتح ملفات الاعتداء والحرمان الممنهج والتأطير الطاعن لضمان دونية "الأسود" واستعلاء "الأبيض"، في الساحات العامة والمحافل الفكرية على حد سواء.

المحيط العربي، بجزئياته قبل كليته، بحاجة ماسة إلى مراجعات تاريخية تسمح بتوضيح أحواله سعيا للتصحيح والإصلاح

رغم ادعاء التأطير الفكري، لا تستطيع أية من السرديات الكبرى في المحيط العربي زعم الانتقال من مصاف التعبئة السياسية إلى مستوى المراجعة التاريخية. والفارق الأول بينها وبين ما حقق التقدم أو النجاح في مجتمعات أخرى هو أن التصور العقائدي طاغٍ عليها، فيما الجدلية بين الرؤية الفكرية والبحث الميداني هو المؤسس لغيرها. أي أنها بقيت إجمالية في شكلها ومضمونها فيما التفصيل كان منطلق النجاح لغيرها.

فلكي تتحقق المراجعة، لا بد ابتداءً من أين يكون ثمة مادة للمراجعة. والمراجعة التاريخية تحديدا تتطلب تاريخا يمكن الغوص بتفاصيله للبناء عليها.

التاريخ في الولايات المتحدة مختلف عليه من حيث إبراز بعض فصوله والتقليل من أهمية بعضها الآخر. غير أن المادة التاريخية التفصيلية والوثائقية متوفرة لمن شاء القراءة وفق الصيغة السائدة ولمن سعى إلى المراجعة بناءً لتصور اجتماعي وسياسي بديل.

أما في المحيط العربي، فالتاريخ يكاد أن يكون أهواءً ليس إلا: تضييع للتاريخ القريب من خلال اختزاله بعناوين عقائدية، وتجهيل وتغييب للتاريخ الوسيط بوسمه بالانحطاط، ثم استعاضة عن التاريخ القديم بالقصص الديني المنفصل عنه وعن المنهجيات التحقيقية، بما يفتح المجال بدوره أمام استيلاءات فئوية تؤسس للمزيد من التجاذب.

المحيط العربي، بجزئياته قبل كليته، بحاجة ماسة إلى مراجعات تاريخية تسمح بتوضيح أحواله سعيا للتصحيح والإصلاح، ولكنه أولا بحاجة إلى تحرير التاريخ من الأهواء، ومن المزج العبثي بين القصص الديني والتاريخ الوقائعي تحديدا، وإلا فإن مزاعم المراجعة التاريخية سوف تبقى في خانة الطرح العقائدي المنتج للسرديات، القادرة على الهيمنة على الخطاب العام، والعاجزة دوما عن التأثير المنتج.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.