Sudanese women shout during a demonstration to commemorate the first anniversary of a deadly crackdown carried out by security…
سودانيات يحيون الذكرى الأولى للهجوم على الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم

بعد اندلاع الثورة السودانية وسقوط النظام الشمولي في أبريل 2019 ارتفعت سقوف التوقعات لدى السودانيين باقتراب إزالة اسم البلد من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب والتي تم وضعه فيها منذ عام 1993 إبان فترة حكم الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون.

ولكن بعد مرور أكثر من عام على سقوط النظام الديكتاتوري وقيام حكومة مدنية انتقالية، ما يزال اسم السودان موجودا على تلك القائمة مع استمرار جهود الحكومة ورئيس وزرائها عبد الله حمدوك لتأمين الخروج منها.

كانت الحكومة الأميركية قد وضعت عددا من الشروط حتى يتم إزالة اسم السودان من القائمة، من بينها شروط قانونية تتضمن التعهد بعدم تقديم مساعدات للإرهاب الدولي خلال فترة زمنية متفق عليها فضلا عن تقديم الضمانات الكافية بعدم دعم الأعمال الإرهابية في المستقبل.

من ناحية أخرى، اشتملت الشروط السياسية على ضرورة التزام السودان بقرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بكوريا الشمالية بما في ذلك قطع العلاقات معها، بالإضافة إلى مطلوبات أخرى متعلقة بضمان الحريات الدينية وحقوق الإنسان.

بذلت الحكومة السودانية جهودا كبيرة من أجل التوصل لتسوية مع أسر الضحايا، وهو الأمر الذي اكتمل في وقت سابق من هذا العام

غير أن العقبة الكؤود تمثلت في الشرط المتعلق بضرورة تجاوب الحكومة السودانية مع قرارات المحاكم الخاصة بضحايا الإرهاب وبما في ذلك قرار المحكمة الأميركية الخاص بتفجير السفارات في نيروبي ودار السلام عام 1998 والهجوم على الباخرة "يو أس أس كول" عام 2000.

بذلت الحكومة السودانية جهودا كبيرة من أجل التوصل لتسوية مع أسر الضحايا، وهو الأمر الذي اكتمل في وقت سابق من هذا العام، حيث قام السودان بدفع المطالبات المتعلقة بضحايا المدمرة "يو إس إس كول"، كما توصل إلى اتفاق تسوية لتسديد أكثر من 300 مليون دولار لضحايا السفارتين.

على الرغم من أن عددا من المتابعين لهذا الملف باتوا غير واثقين من جدية الحكومة الأميركية في الوفاء بتعهداتها المتعلقة برفع اسم السودان من القائمة، إلا أن العديد من التصريحات صدرت في الأسبوعين الأخيرين تؤشر إلى أن قرارا بخصوص الخطوة التي طال انتظارها قد بات قريبا أكثر من أي وقت مضى.

ففي يوم 29 يوليو الماضي أعلن كبير الجمهوريين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي مايكل مكول تأييده لتنفيذ اتفاق التسوية بين حكومة السودان وضحايا تفجيرات السفارات، وفي نفس اليوم أعلنت النائبة عن الحزب الديمقراطي والعضو في ذات اللجنة سوزان وايلد كذلك عن موافقتها.

ولكن التصريحات الأكثر أهمية جاءت على لسان وزير الخارجية مايك بومبيو بعد يوم واحد من تصريحات النواب أعلاه، حيث قال في جلسة الاستماع التي نظمتها لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بطلب من عضو اللجنة السيناتور الديمقراطي كريس كونس أن الكونغرس سيتسلم مشروع قانون حول الموضوع "قريبا جدا". وأضاف "أظن أن رفع تصنيف الدولة الراعية للإرهاب سيكون أمرا جيدا للسياسة الخارجية توجد فرصة ليس فقط لبدء بناء ديمقراطية بل يحتمل أن تؤدي أيضا إلى بروز فرص إقليمية".

مشروع القانون المزمع تمريره في الكونغرس يتضمن التسوية مع الضحايا واستعادة الحصانة السيادية التي كانت قد سُحبت من السودان بعد ضم اسمه لقائمة الإرهاب مما سمح بملاحقته في المحاكم الأميركية، وهي الخطوة التي من شأنها أن تضع حدا للملاحقات القانونية عن الجرائم التي ارتكبت طوال الفترة التي كان فيها البلد ضمن تلك القائمة.

لم يكتف بومبيو بذلك بل مضى ليقول: "أعتقد أن رفع تصنيف الدولة الراعية للإرهاب في متناول اليد"، وعندما يؤكد وزير الخارجية الأميركي أن الأمر بات "في متناول اليد" فإن ذلك يعني وفاء السودان بجميع الشروط القانونية والسياسية بما فيها الشرط الأكثر إلحاحا المتمثل في تعويضات الضحايا وأسرهم.

لن تكون نتيجة التأخير والتباطؤ في إزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب سوى المساعدة على هزيمة الثورة السودانية التي أشاد بها كل العالم

التصريحات أعلاه تظهر جدية الإدارة الأميركية الحالية في إزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب، وبما أن الولايات المتحدة ستشهد انتخابات رئاسية في نوفمبر القادم قد لا يتم التجديد فيها للرئيس دونالد ترامب فإنه يصبح من الضروري إنجاز هذا الأمر في الفترة القريبة القادمة وقبل ذهاب الكونغرس في عطلته الدورية، ذلك لأن التأخير قد يؤدي إلى تعطيل مشروع القانون وقرار الإزالة لأجل غير معلوم.

وإذ تتفاقم الأزمة الاقتصادية في السودان لأسباب عديدة من بينها الحصار الذي استمر لأكثر من عقدين من الزمان، فإن القرار المرتقب سيلعب دورا حاسما في إعفاء ديون البلد التي ستبلغ 56 مليار دولار بنهاية العام، وسيفتح الطريق واسعا أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية ويُمكِّن البلد من استئناف علاقاته مع المؤسسات الإقليمية والدولية المانحة.

إن قرار إزالة الاسم من قائمة الإرهاب لن يكون في مصلحة السودان فحسب، بل سيمثل فرصة للولايات المتحدة "لإيجاد شريك جديد في المنطقة" كما قال السيناتور الديمقراطي كريس كونس في جلسة الاستماع المذكورة، بينما لن تكون نتيجة التأخير والتباطؤ في اتخاذه سوى المساعدة على هزيمة الثورة السودانية التي أشاد بها كل العالم.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.