Lebanese women assess the damage of the explosion that hit the seaport of Beirut, Lebanon, Wednesday, Aug. 5, 2020. Residents…
سيدتان تعاينان الدمار الذي لحق بمرفأ بيروت

ربما علينا أن ننتظر انفجارا نوويا في بيروت لكي يُقْدم ميشال عون ونبيه بري وحسان دياب على الاستقالة! لكن من غير المؤكد أيضا أن يفعلوا ذلك، فالكارثة التي حلت ببيروت ليست أقل من تفجير نووي، وهي لم تفضِ إلى أن يقدم مسؤول لبناني واحد على تقديم استقالته. 

التفجير الهائل الذي شهدته بيروت هو تتويج لمسارٍ كانت بدأته كل الطبقة السياسية الفاسدة والفاشلة والمرتهنة منذ سنوات طويلة. انفجار ناجم عن فسادها وعن ارتهانها وعن رثاثتها، وعلى رغم ذلك استيقظ الرؤساء في الصباح وباشروا أعمالهم المعتادة، والمتمثلة في نهب ما تبقى من ركام في المدينة. التفجير هو جزء من مسار تراجيدي. خسر اللبنانيون اقتصادهم، وسطت المصارف على ودائعهم، وتهاوت أعمالهم وأرزاقهم، وجاء التفجير ليختتم المشهد وليتوج المأساة.

لن يغادر الرؤساء الفاسدون من تلقائهم. لن يُخلوا القصور. ثمة من يحميهم فيها

قنبلة هائلة مزروعة في مرفأ مدني حيوي يعتاش عليه لبنان! الفكرة لوحدها تفضي بنا إلى فضيحة، لكن الرؤساء ثلاثتهم لم يشعروا بها. فالسنوات التي أمضتها السلطة خارج المحاسبة وخارج الشعور بأدنى مسؤولية تولت إماتة الإحساس. وها هم يقصدون مسرح الجريمة، ويتجولون في أنحائه الواسعة ووجوههم تفيض حياة وحيوية. أكثر من مئة قتيل ونحو خمسة آلاف جريح، وآلاف المباني المدمرة والأسر المشردة، والرؤساء مستمرون في العيش في متاهات قصورهم!

لا بأس، لقد استنفدنا مخزوننا من الشتائم وعلينا أن نباشر البحث عن وسيلة أخرى نعالج عبرها منسوب الغضب. لن يغادر الرؤساء الفاسدون من تلقائهم. لن يُخلوا القصور. ثمة من يحميهم فيها. وحماة القصور يقيمون بيننا، وبعضهم تدمرت منازلهم جراء الانفجار. ثمة معادلة شيطانية تحصن هذه السلطة على رغم ما ارتكبته أمام أنظار العالم كله. 

هل ما زال لميشال عون مريدين بيننا؟ الأرجح أن له بيننا مريدين. عددهم صار أقل وقناعتهم به يشوبها هذيان ووهن، ومنازلهم وأعمالهم تصدعت بفعل الفساد وبفعل الموت الذي خلفه الفساد، لكن علينا أن نعترف أن له بيننا مريدين. الأمر نفسه ينسحب على نبيه بري، الرجل الذي صار له أكثر من ثلاثين سنة رئيسا للمجلس النيابي، والشريك الثابت في ثروة البلد وفي سلطته ودولته. أما حسان دياب، القادم إلى السلطة من لا شيء، فهو يطمح إلى أن يباشر الشراكة حتى لو على بحر من الدماء.

العالم بدوره قبلهم بصفتهم ممثلينا، على رغم صفاقة ما يرتكبون. الانفجار الهائل أيها العالم قد يمتد إليك. من يضمن ألا تخرج النيران إلى خلف الحدود. هذا بلد فيه مرافئ وبحر ممتد إلى شواطئ أوروبا، وحدود لا تحمي من وهج الانفجار. ولبنان إذ استكان لهذه السلطة الفاسدة، فهو لا يستقيم جارا أو شريكا أو حلقة في منظومة علاقات دولية طبيعة. السلطة فيه يمكن أن تراوغ في كل شيء. المصارف يمكن أن تتحول إلى أجهزة تفلت من الرقابة ومن الأنظمة. الأرجح أن خزناتها تحوي ذهب الاستبداد والفساد في كل المنطقة. يجب أن يبدأ العالم بالشك وبالتفكير بنفسه. هذه السلطة كانت تضع قنبلة بحجم 2750 طنا من المواد المتفجرة في مرفأ مدني في قلب عاصمتها! ماذا بعد ذلك؟ أي افتراض لما يمكن أن تقوم به لن يكون مبالغة، وأي توقع لحجم فسادها سيكون أقل من الواقع وأقل من الحقيقة.

لقد جرى حرق روح المدينة، والتفجير فعل ما لم تفعله سنوات طويلة من الحروب التي شهدتها بيروت

هذه سلطة يخرج وزير فيها أمضى في وزارة الكهرباء هو وأعوانه نحو 15 عاما، تلاشت خلالها الطاقة الكهربائية إلى أدنى مستوياتها، ليقول إنه أنعم على اللبنانيين بالكهرباء. هذه مرحلة ما بعد الوقاحة، وما بعد احتقار ذكاء الناس. وهذا الرجل يطمح لأن يكون رئيسنا المقبل، والأرجح أنه يملك حظوظا كبيرة لكي يحقق طموحه. وهذا الرجل هو من يحمي المسؤول المباشر عن كارثة مرفأ بيروت!

حجم الخسارة لا يمكن تقديره. لقد جرى حرق روح المدينة، والتفجير فعل ما لم تفعله سنوات طويلة من الحروب التي شهدتها بيروت. فالهواء الحارق الذي دفع به الانفجار إلى مسافات هائلة، كان أقوى من تلك القذائف الصغيرة التي كان المتحاربون يتبادلون قصفها على بعضهم بعضا. مساحات كبيرة بقيت بمنأى عن دوي القذائف في حينها. انفجار اليوم لم يبقِ على شيء خارج منطقة الحريق. منازل كل من نعرفهم في بيروت تدمرت. عشرات آلاف من السكان تضرجوا بدمائها في ثوانٍ قليلة. لم ينج أحدٌ ولم يستقل أحد!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.