Jordanian teachers chant slogans during a protest in the capital Amman on September 5, 2019. - Thousands of public school…
تحرك لنقابة المعلمين في العام 2019

لم تنسَ الدولة الأردنية أطول إضراب للمعلمين والمعلمات قبل عام وانتهى بنصر مؤزر لهم، توج باتفاقية بين وزارة التربية ونقابة المعلمين حققت الكثير من مطالبهم.

هذا الإضراب ليس حدثا عابرا يمكن أن يُنسى من ذاكرة الجهات التي تصنع السياسات في الدولة، ولا يمكن القفز عنه لمرحلة جديدة، وعلاقة جديدة، فما حدث كرس نقابة المعلمين كقوة مجتمعية قادرة على فرض إرادتها حتى ولو عاكست السلطة ومرجعياتها المختلفة، وهذا أمر ليس هينا يمكن غفرانه أو التغاضي عنه.

لم تنتصر نقابة المعلمين في إضرابها من العام المنصرم لتعدادها الذي يفوق 100 ألف، وإنما نجحت لقدرتها على التأثير في حياة كل بيت في الأردن، ومُلخص القول في كل بيت طالب وطالبة، وإضراب المعلمين يُعيد خلط إيقاع الحياة لكل أسرة، عدا عن قناعة المجتمع أن المعلمين والمعلمات باتوا مسحوقين ومكانتهم تراجعت اجتماعيا.

كانت تجربة الإضراب للحكومة وأجهزة الدولة كابوسا مرعبا، لا تسمح مهما كانت الكلفة بتكراره؛ ولهذا فإنها وجدت في خطاب نائب نقيب المعلمين الذي لا يخلو من الاستعراض فرصة للتحشيد، واستخدمت كلامه وحديث آخرين من أعضاء مجلس نقابة المعلمين للتأشير على أجندات سياسية سعت لربطها بـ "الإخوان المسلمين".

نقابة المعلمين كُرست كقوة مجتمعية قادرة على فرض إرادتها حتى ولو عاكست السلطة ومرجعياتها

لم يُدر مجلس نقابة المعلمين معركته بحصافة وعقلانية، ولم يُطفئ النيران حين أُشعلت حوله، وطغى الخطاب السياسي مثل الدعوة لتحالف المسحوقين على شرح القضايا المطلبية، وتعمد إظهار نقابة المعلمين وكأنها تُغرد خارج السرب الوطني حين طالبت بالعلاوة التي أوقفت عن جميع موظفي الدولة في ظل تبعات جائحة كورونا، ولم تُبدِ تفهمها للظروف الاقتصادية الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وكان الأحرى بمجلس نقابة المعلمين والأكثر جدوى أن يُعيد تسليط الضوء على مطالبهم الأخرى التي يعتقدون أن الحكومة تجاهلتها وغضت النظر عنها، عوضا عن خوض التحدي حول العلاوة، ودخول مكاسرة سياسية جعلت من أصدقائها يجفلون من ممارساتها وطريقتها في خوض معركتها النقابية.

لم يطل الانتظار طويلا، فالحراك التصعيدي والتلويح بالإضراب، إضافة لشكاوى قضائية وتحقيقات أسفرت عن قرارات للنائب العام بوقف النقابة عن العمل، وكف يد أعضاء المجلس، والهيئات المركزية، وتبعها قرارات للمدعين العاميين بتوقيف أعضاء مجلس النقابة في السجن.

لم أكن أتوقع أن تذهب الأزمة نحو هذا التصعيد السريع، وكنت أراهن وما زلت على عقل الدولة الراشد التي تخوض معاركها دون كسر للعظم، والواقع أن المشهد فاق التوقعات، وكأن الدولة تريد أن تقتلع الصداع الذي تسببه نقابة المعلمين لها من جذوره، أو كما يُقال في الأمثال الشعبية من "شروشه"، وكأنها نادمة وتكفر عن "خطيئة" الربيع العربي التي كانت سببا في ولادة النقابة وإشهارها بعد عقود من الرفض والإنكار تحت مبررات دستورية وقانونية وسياسية.

بعيدا عن الجدل في قانونية القرارات التي اتخذها النائب العام، فهذا في نهاية الأمر ستعاينه المحاكم، وتبت بها، ولكن المطروح إلى أين ستذهب الأزمة، وإلى أين ستصل تداعياتها، وهل كانت الدولة الأردنية تتوقع صمت المجتمع في ظل قانون الدفاع وأوامره، ومحاولات شيطنة نقابة المعلمين وتقديمها على أنها خارجة على الدولة وعاصية لأوامرها؟

باعتقادي لم يكن في خلد الحكومة أن تجد النقابة هذه الحالة من التضامن الشعبي، فالتعليمات بحظر التجمع التي أصدرتها وزارة الداخلية قُبيل عيد الأضحى لم تمنع المعلمين والمعلمات والمتضامنين معهم من الدعوة للاحتجاج مجددا عند دار رئاسة الوزراء على الدوار الرابع، ورغم كل الحشود الأمنية وقطع الطرق الخارجية فإن جموع المتظاهرين وصلت إلى دواوير عمّان بالقرب رئاسة الحكومة، وعبرت عن رفضها حل مجلس النقابة وتوقيف أعضائه.

نقابة المعلمين في تشخيص أصحاب القرار "قنبلة موقوتة" قد تنفجر في أي وقت

لم تنتهِ فصول الأزمة، فالاعتصام عند رئاسة الوزراء الذي منع بالقوة، تبعه احتجاجات طوال أيام العيد في المحافظات المختلفة بالأردن، مما يوحي بمعركة عض أصابع لن تحسمها الحكومة بسهولة، وربما تكون سببا للإطاحة بحكومة الرئيس عمر الرزاز إذا ما تعمقت الأزمة، أو تكون سببا في نجاته وبقاء الحكومة أكثر حتى تتعامل مع هذا الملف، باعتبار أن الرزاز كان وزيرا للتربية والتعليم قبل توليه رئاسة السلطة التنفيذية.

أيّا ما كانت النتيجة فإن المكاسرة بين السلطة السياسية ونقابة المعلمين ليست مرشحة أن تضع أوزارها قريبا، والتحركات للواسطة التي تسرب كلام عنها لن تجد موطئ قدم بسهولة حتى ولو كان يقودها شخصية وازنة وتحظى بالاحترام من مختلف الأطراف مثل رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، فالحلول مُستعصية، وإعدام الحكومة لنقابة المعلمين كسيناريو للخلاص من مخاوف المستقبل ليس نزهة عابرة، والجلوس على طاولة الحوار والمفاوضات يحتاج إلى تنازلات وتفاهمات تبدو صعبة المنال في الوقت الراهن.

غاب الإعلام المحلي عن متابعة قضية نقابة المعلمين بعدما أمر المدعي العام بحظر النشر، ولكن "صمت الإعلام" لم يوقف هدير السوشيل ميديا المناصر في غالبيته للمعلمين والمعلمات حتى تصدر وسم "أطلقوا سراح المعلمين" على منصات التواصل الاجتماعي، والقيود الصارمة لم تمنع العديد من المؤسسات الحقوقية الدولية لأن تُصدر تقارير تُدين الإجراءات التي اتخذت بحق النقابة وأعضائها.

المركز الوطني لحقوق الإنسان في أول تعليق له على ما حدث دعا إلى التمسك بمبدأ سيادة القانون، وعدم التوسع في استخدام النصوص الفضفاضة لاتخاذ قرارات عقابية دون محاكمة عادلة، ودون الرجوع إلى القضاء المُختص.

ولم تغب هيومن رايتس ووتش عن المشهد، فقال مايكل بيج نائب مدير قسم الشرق الأوسط إن "إغلاق النقابات العمالية المستقلة في الأردن عقب نزاع طويل مع الحكومة يُثير مخاوف جدية بشأن احترام الحكومة لسيادة القانون"، وقبلها كان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قد أصدر تقريرا موسعا تحت عنوان "معلمو الأردن حلقة أخرى في مسلسل وأد الحريات".

لم يُدر مجلس نقابة المعلمين معركته بحصافة وعقلانية ولم يطفئ النيران حين أُشعلت حولهم

كلما زاد الضغط الشعبي في الشارع كلما تورطت الحكومة بالأزمة أكثر، وبدأت في البحث عن مخرج وحلول، وكلما بقيت القضية حاضرة وتجد التضامن المجتمعي، كلما تعجل وسارع متخذو القرار بالدولة لوضع حد لتصاعدها حتى لا تقترن بأزمة اقتصادية كامنة، ولا تكون مقدمة وتوطئة ومبررا لحراك سياسي اجتماعي غاضب على ما آلت إليه الأوضاع الحياتية والمعيشية في الأردن، وفقدان الأمل بإصلاح سياسي مُحتمل ونحن على أبواب انتخابات برلمانية في العاشر من نوفمبر القادم، وأسهل شعارات للمعارضة الدعوة لمقاطعتها.

صعدوا إلى أعلى الشجرة والنزول عنها ليس سهلا، فنقابة المعلمين في تشخيص أصحاب القرار "قنبلة موقوتة" قد تنفجر في أي وقت، ولهذا فإن الهاجس الذي يُسيطر عليهم كيف يمكن إغلاق هذا الملف وإلى الأبد؟

التعايش مع نقابة المعلمين بعد إضراب عام 2019 يبدو عليه "فيتو"، وتدجينها لتسير في الركب ليس مضمونا ومأمونا، واقتلاعها والقضاء عليها قد يتسبب في مواجهات مُكلفة في ظروف بالغة الحساسية والتعقيد.

يقولون لن تعدم السلطة وسيلة لإيجاد مخرج للأزمة، والكرة الآن في ملعب القضاء، وعلينا أن نتذكر أن المحكمة الدستورية قد يُلجأ لها ليكون رأيها حاسما في ملف يُقلق مضاجع الدولة، ويظل الأمل والرهان أن يجد العقلاء حلا مُنصفا يحمي البلاد ومُنجزها، فالأردن ثابت يعلو فوق الجميع.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.