A rescue team surveys the site of this week's massive explosion in the port of Beirut, Lebanon, Friday, Aug. 7, 2020. Three…
هذه كانت ثورة نيترات الأمونيوم. ماذا عن ثورة الضحايا؟

مدخل

للبنان أعداء كُثر.  طبقته السياسية هي الأخطر عليه.

لم يتخرّج كبار هذه الطبقة، لا من النضال الديمقراطي، ولا من التدرّج السياسي، ولا من معاهد العلوم السياسية أو الإدارية. كبارهم أتوا بالوراثة، والفخورون من بينهم ممّن اقتحموا هذا النادي، أتت بهم البندقية والحروب والصراعات المسلّحة.

هؤلاء أنتجوا نوابا ووزراء. هؤلاء أنتجوا قضاة وضباطا. هؤلاء أنتجوا مدراء عامين وخبراء. هؤلاء أنشأوا ميليشيات ودويلة ووزارات خارجية. هؤلاء تحكموا بالشاطئ والأنهر والغابات. هؤلاء أنتجوا وسائل الإعلام ومديريات الإرشاد والتوجيه. هؤلاء أنتجوا لمدارسهم المناهج التربوية ولبلاطاتهم كتابا وشعراء ورسامين وموسيقيين ومسرحيين وسينمائيين. هؤلاء أنتجوا من الشعب أغناما تعشق جزّارها.

كان ماكرون يحمل مشروعا وُلد في أبريل 2018، أي قبل شهر من آخر انتخابات نيابية، فوجد ناسا يحملون مشروعا وُلِد في 17 أكتوبر 2019

الطبقة السياسية اللبنانية نزعت الأرحام، واستثمرت بفيكتور فرانكشتاين، صانع المسوخ. باسم الإله الواحد، حوّلت هذه الطبقة أبراجها العاجية إلى ملكوت السماوات، ونصّبت نفسها ناطقة باسمه، ومدركة لإرادته. بمناجاتها زحفا تنهال عليكَ النعم، وبمواجهتها واقفا تسقط عليكَ اللعنة.

هذه الطبقة السياسية المنتجة لكل "النُخّب"، تضع نفسها فوق كل مساءلة وحساب وانتقاد. لا مسؤولية تقع على عاتقها، مهما حصل. تتبادل التهم، حتى تضيّع المسؤوليات. لقد حوّلت الفوضى إلى محميّة. كلما استشعرت بالخطر، لجأت إليها، وقدّمت لها الأضاحي البشريّة.

إعصار فرنسي

إلى بلاد هذه الطبقة السياسية، جاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على عجل ليتفقّد الكارثة التي عصفت ببيروت.

كان يحسب أن اللبنانيين سيُهلّلون ليسراه التي تحمل حقيبة الإسعافات الأولية وليمناه التي تقبض على "صندوق الإعاشة".

سفيره في بيروت أخبره عن الجرحى الذين لا يجدون سريرا في ما بقي صالحا من المستشفيات، وعن الجوع الذي سرّع وتيرته، بعدما أتى انفجارا المرفأ ـ الفرنسيون يتحدّثون عن انفجار أوّل تسبب بالانفجار الكبير ـ على إهراءات القمح وعنابر المواد الغذائية والأدوية.

لكنّ ماكرون، حين نزل إلى أرض منطقة الجميزة البيروتية التي عصف بها "انفجارا المرفأ"، لم يجد في المئات الذين تجمّعوا هناك، من يئن جوعا ويمد يده متوسلا بل من يصرخ غضبا ويمد القبضات عزْما.

تفاجأ، بهؤلاء الذين يصطفون أمام المنازل المنكوبة، يحدّدون له جدول أعمال لم يكن يُفكّر به مطلقا.

لم يكونوا يريدون أن يحدّثهم لا عن الغذاء ولا عن الأدوية، بل عن الطبقة السياسية التي جاء ليجتمع بها، ويُلحِم تشققاتها، ويعزّيها، ويذكّرها بالتزامتها "التقنية" في مؤتمر "سيدر" الاستثماري.

كان يحمل مشروعا وُلد في أبريل 2018، أي قبل شهر من آخر انتخابات نيابية، فوجد ناسا يحملون مشروعا وُلِد في 17 أكتوبر 2019.

حجر الزاوية في مشروع ماكرون هو هذه الطبقة السياسية التي تضم "حزب الله". إعادة بناء الصرح المهدّم، بالنسبة لهؤلاء اللبنانيين، يبدأ بإزالة جميع هؤلاء من الوجود.

أربكت الصرخات الغاضبة ماكرون. أخرجت خطابه الرسمي، وليس برنامجه، عن "الجادة المرسومة"، فانضم إلى الناس في هجاء الطبقة السياسية اللبنانية، وإذ أكد أن المساعدات الدولية التي ستتولى بلاده تنسيقها لن يتم وضعها في "يد الفساد" أي في يد السلطة اللبنانية، تعهّد أن يكون هو صوتهم معربا عن سعادته بغضبهم، وذهب به الأمر الى مستوى إطلاق إنذار: "سأطلب من المسؤولين اللبنانيين أن يضعوا ميثاقا جديدا، وأنا عائد في الأول من سبتمبر، لأرى ماذا أنجزوا".

إلى أمثال دياب، مطلوب عهد التحقيقات لكشف الحقيقة التي لا تزال رهينة الكثير من الأسئلة

صحافية فرنسية، كانت على إحدى القنوات التلفزيونية في باريس، علّقت، بكثير من الدهشة، عندما سمعت ماكرون يقول ذلك ويردده: "إنه يتكلم مع المسؤولين اللبنانيين، كما لو كان يتكلّم مع وزراء في الحكومة الفرنسية".

هذه الطبقة السياسية التي تقدّم نفسها لشعبها كما لو كانت آلهة، بدت، في أثناء زيارة الرئيس الفرنسي، راضية بذلّها أمامه.

في الواقع، هي لا تهمّها أقواله، بل أفعاله. يمكنها أن تعتبره صوتا أضيف إلى أصوات لبنانية كثيرة ترفضها وترجمها وتشتمها وتنال منها. ما يهمها أنه أتى إلى لبنان، واضعا حدا لمقاطعة كبار المسؤولين الدوليين لها.

رئيس الجمهورية ميشال عون، ومن دون أن يُدرِك على الأرجح ما نطق به، فضح هذه الحالة لدى طبقة المسؤولين، عندما أعلن، اليوم، أن انفجار المرفأ "فكّ الحصار الذي نتعرض له".

هذا تفكير دعائي. مسارعة الدول إلى نجدة شعب منكوب، لا علاقة لها بالسياسة. لأن هذا التفكير، لو كان منطقيا، لانتهى العداء بين لبنان وإسرائيل، لأن الأخيرة، هي الأخرى، عرضت مساعدات على لبنان، وذهبت إلى حد إنارة مبنى بلدية تل أبيب بالعلم اللبناني.

ولكن، المنطق لا يهم، وحدها المصلحة الأنانية هي البوصلة، وهي جل ما وجده عون، في واحد من أعنف الانفجارات في العالم وأكثرها كارثية على شعبه.

وعون هو نموذج عن هذه الطبقة السياسية التي لا تفكّر إلا باستمراريتها، وبمصالحها، مهما كان الثمن.

هذه الطبقة التي تسبّبت بالحروب، وباعت البلاد لأجندات خارجية، وأفلست الخزينة، ودمّرت البيئة، واحتجزت ودائع الناس، وقضت على النظام المصرفي، وضربت القطاع السياحي بعدما كانت قد ضربت القطاعين الزراعي والصناعي، لن يرف لها جفن، وهي تضحك في سرّها، إذا ارتد انفجار كارثي عليها بالفوائد.

وهذا ما لا يمكن أن يعرفه لا ماكرون ولا غيره في العالم، فيما الشعب اللبناني يعيشه، في كل لحظة وفي كل ثانية، ويدفع ثمنه غضبا وهجرة ومرضا وفقرا وموتا.

ماكرون، بالنتيجة، له أهداف موضوعية في لبنان، ولو تكلّلت بكثير من الوجدانيات التعبيرية، فهو آخر موطئ قدم لبلاده على الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ومن آخر قلاع الفرنكوفونية.

مصلحته هذه تملي عليه، بالتأكيد، رؤية لبنان دولة قابلة للحياة، ولكنّها، بالنسبة له ولبلاده، ليست قصة حياة أو موت، كما هي الحال بالنسبة للبنانيين.

وهكذا، فإن الكارثة التي عصفت ببيروت، تعني له، قبل أي شيء آخر، المسارعة إلى تقديم المساعدات، بينما تعني للبنانيين حلقة في سلسلة لا تنتهي من المآسي التي لا قعر لها.

الانفجار

ولم ينف رئيس الحكومة حسّان دياب تقارير صحفية أشارت إلى أنه في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، وعندما سأله بعض الوزراء عمّا إذا كان قد تلقى تقارير تحذّره من وجود مواد متفجّرة، أجاب: "نحن لم نكن بوعينا، والكل يعلم أنّ فكرنا كان مركزا على مصائب كبرى في مكان آخر".

وهكذا، فإن واحدا من كبار مسؤولي الدولة يقر بأنه لم يكن واعيا لخطر يُحدق بالعاصمة، موجود في واحد من أهم أعمدة الاقتصاد اللبناني، أي مرفأ بيروت، وعلى تخوم المناطق السكنية.

ماكرون، بالنتيجة، له أهداف موضوعية في لبنان، ولو تكلّلت بكثير من الوجدانيات التعبيرية، فهو آخر موطئ قدم لبلاده على الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ومن آخر قلاع الفرنكوفونية

إذن، هذه الكارثة هي، قبل أي شيء آخر، وليدة "غياب" المسؤولين عن "الوعي"، سواء كان السبب وراء وقوعها، عمل استخباراتي أو إرهابي أو مجرد حادث.

إلى أمثال دياب، مطلوب عهد التحقيقات لكشف الحقيقة التي لا تزال رهينة الكثير من الأسئلة.

قبل أن يلتقي ماكرون بدياب عند عون بحضور رئيس مجلس النواب نبيه برّي، كان قد اكتفى بتحقيق فتحته، النيابة العامة في باريس، على خلفية سقوط قتلى وجرحى من حملة الجنسية الفرنسية، لكنه، عندما "جوجل" نتيجة اجتماعه بهم، ذهب إلى تبنّي مطلب إنشاء لجنة تحقيق دولية.

في هذا الاجتماع، يُرجّح أنه فهم جيدا ماذا قال له الناس في الجمّيزة.

خاتمة

نيترات الأمونيوم، علّم اللبنانيين درسا قاسيا.

لقد ثار.

انفجاره الذي قتل ناسنا وجرحهم ودمّر منازلهم وأتى على أكبر مرافئهم وقضى على مستورداتهم الضرورية المدفوع ثمنها بالعملة النادرة جدا، كان ناطقا.

قال في عصفه كما في حممه: لا يمكن أن تتعاطى معي خطأ، وأبقى ساكنا. لا يمكنك أن ترميني كالركام، وأبقى هانئا. لا يمكنك أن تعتقلني، ولا أفتّش عن مخارج. لا يمكنك أن تحرقني وأبقى باردا. لا يمكنك أن تبقى أصمّا وأنا أصرخ غضبا.

هذه كانت ثورة نيترات الأمونيوم. ماذا عن ثورة الضحايا؟

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.